مجلس الأمن يبعث بالكلام وإيران تسد خواء السلطة في العراق

الشباب العراقي يتمسك باحتجاجاته طالما لم تتحقق مطالبه، والممثلة الأممية جينين هينيس-بلاسخارت تحذّر من حدوث كارثة مع تواصل قمع الاحتجاجات.
الخميس 2019/12/05
العراق يقف على مفترق طرق

قدمت المسؤولة الأممية، جينين هينيس-بلاسخارت، من وصفتها بالقوى الديناميكية التي تسعى إلى اختطاف المظاهرات السلمية في العراق، وقالت في شهادتها حول ما يجري في هذا البلد، إن المظاهرات يقودها شبّان بعيدون عن أي مصالح حزبية أو تدخلات أجنبية، ويرغبون بإسماع أصواتهم والإدلاء بآرائهم بشأن حالة الإحباط التي يعيشونها في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب أفق سياسي واجتماعي.

بغداد – حذّرت ممثلة الأمين العام الخاصة للعراق، جينين هينيس-بلاسخارت من حدوث كارثة مع تواصل قمع الاحتجاجات. ودعت، في إحاطة قدمتها أمام مجلس الأمن صباح الثلاثاء بشأن الأوضاع في العراق، الساسة إلى تقديم الحلول الحقيقية في البلاد، في وقت تحتاج فيه الانتفاضة العراقية من مجلس الأمن دعما أقوى من  الكلام الدبلوماسي.

 قدّمت الممثلة الأممية وصفا دقيقا للأوضاع في العراق الذي يشهد منذ مطلع شهر أكتوبر احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة والنخبة السياسية، تخللّتها أعمال عنف واسعة خلفت أكثر من 400 قتيل و15 ألف جريح.

ويدعو المحتجون إلى رحيل النخبة السياسية المتهمة بـ”الفساد وهدر أموال الدولة”، والتي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، وذلك بعد أن تمكنوا الأحد الماضي من الإطاحة بحكومة عادل عبدالمهدي.

وأكّدت بلاسخارت استخدام الحكومة، المدعومة من الميليشيات، العنف والقتل والاختطاف والاعتقال لقمع الانتفاضة. وحمّلتها مسؤولياتها تجاه شعبها، مشيرة إلى أنها تتذرع بالمؤامرة لتبرير العنف، رغم أن كل ما يطلبه العراقيون الذين خرجوا إلى الشوارع، بدافع حب وطنهم، مؤكدين على هويتهم العراقية، هو بلد يحقق إمكاناته الكاملة لصالح جميع العراقيين.

ونقلت الممثلة الأممية عن أحد المتظاهرين قوله “حياة كريمة وحرية، أو لا حياة. هذا هو ما تدور حوله كل الاحتجاجات”. وأضافت في شهادتها “في الأسبوع الماضي زرت مستشفى في بغداد والتقيت بصبي يبلغ من العمر 16 عاما، أصيب بجروح بالغة من الشظايا. قالت والدته: عدم وجود أي احتمال يجعل المراهقين لدينا يائسين. يجعلهم يفكرون ويتصرفون على الأقل مرتين في السن“.

جينين بلاسخارت: بعد سنوات من الصراع الطائفي عاد الشعور بالوطنية
جينين بلاسخارت: بعد سنوات من الصراع الطائفي عاد الشعور بالوطنية

وعلقت مضيفة “ابنها يبلغ من العمر 16 عاما فقط، لكن 16 عاما هو وقت طويل جدا إذا كان المرء ينتظر القادة السياسيين للوفاء بوعودهم”.

يمثل الشباب محرك الاحتجاجات الأخيرة. لا يتذكر هؤلاء كيف كانت الحياة في عهد صدام حسين. أغلبهم شباب كان في سن الطفولة في السنوات الأخيرة لنظام صدام حسين، أو ولد بعد سقوطه. وما يدركه هؤلاء الشباب هو ما يعانون منه اليوم من بطالة وفساد ومحسوبية، والسطلة الطائفية.

اعترفت الممثلة الأممية أنه بعد سنوات من الصراع الطائفي بدأ الشعور المتجدد بالوطنية. واختتمت تقريرها بالدعوة إلى “اغتنام هذه الفرصة وبناء عراق يتمتع بالسيادة والاستقرار والشمول والازدهار. لقد حان الوقت للعمل. الآمال العظيمة للعديد من العراقيين تستدعي التفكير الجريء إلى الأمام”. وكانت جينين بلاسخارت أعلنت عن خطة مقترحة لحل الأزمة في العراق خلال لقائها بعلي السيستاني في الحادي عشر من نوفمبر الماضي. وقد تضمنت تلك الخطة ثلاث مراحل عاجلة ومتوسطة وبعيدة المدى:

  • إطلاق سراح كافة المتظاهرين الذين تصنفهم بالسلميين وعدم ملاحقتهم والتحقيق الكامل في حالات الاختطاف والكشف عن هوية من يقفون خلفها.
  • الدخول في الإصلاح الانتخابي عبر وضع إطار قانوني موحد.
  • الدعوة إلى مراجعة الدستور وإحالة قضايا الفساد إلى مجلس القضاء الأعلى أو المحكمة المركزية ومساءلة ومحاكمة كافة المسؤولين الذين يثبت فسادهم، وسن عدد من القوانين منها قانون (من أين لك هذا؟) وقانون المحكمة الاتحادية وقانون الضمان الاجتماعي وغيرها. وقد أكدت الولايات المتحدة تأييدها لهذه الخطة فيما استهزأ المنتفضون من تلك الخطة لأنها حسب رأيهم تعيد إنتاج المؤسسة الحزبية الحالية.

صوت المحتجين

دعم ما نقلته الممثلة عما رأته وما سمعته في العراق، المطران العراقي، بشاريتي وردة، رئيس أساقفة البارشية في أربيل، الذي كان الصوت الوحيد داخل مجلس الأمن الذي قدم توصيفا حقيقيا للانتفاضة العراقية وهدفها ورفض التغيير المزيف الذي يحصل الآن على مستوى الحكم، لأن المجموعات الحزبية لا تريد مغادرة السلطة وطالب المجتمع الدولي بدعم المنتفضين في العراق.

وتكشف الأحداث العراقية يوميا ما ترتكبه ميليشيات مدعومة من إيران هدفه قمع هذه الانتفاضة للحفاظ على الحكم في العراق. وتواجد قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني في بغداد لإدارة مواجهة المحتجين الذين طالبوا بطرد المسبب الأول لما حصل في البلد، وهو النظام الإيراني.

ورغم اعتراف المجتمع الدولي بالدور الإيراني المخرب في العراق، ورغم ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز عن نفوذ طهران في هذا البلد إلا أن مواقفه ظلت خجولة ومترددة، خصوصا الموقف الأميركي الذي كان من جهة أحد أسباب دخول إيران إلى العراق، ومن جهة أخرى من أكثر الجهات الدولية التي أعلنت الحرب ضدها وتدعو إلى تحجيم دورها في المنطقة وضرورة تسليط العقوبات عليها.

الموقف الأميركي

الاحتجاجات لن تخبو طالما بقيت مطالبه دون إدراك
الاحتجاجات لن تخبو طالما بقيت مطالبه دون إدراك

لا تخرج السياسة الحالية للأميركيين في الملف العراقي عن برنامجهم الضاغط على النظام الإيراني وإضعاف تمدده في العراق لينسجم مع توجهات تقويض اقتصاده دون إسقاطه، حسب التصريحات المتواصلة للرئيس ترامب وأركان البيت الأبيض، لكن يذهب البعض إلى أن الخطوات العقابية تمتد إلى الداخل العراقي للتضييق على عملاء إيران من المسؤولين العراقيين مثل توجيه عقوبات إلى أربعة مسؤولين عراقيين من الخط الثالث وهم كل من ريان الكلداني ووعد القدو ونوفل حمادي العاكوب وأحمد الجبوري، رغم أنها شكلية ولا تقدم إدانة كاملة للزعامات السياسية المرتبطة بإيران.

توقيت تسريبات صحيفة نيويورك تايمز (18/11/2019) كانت ذات قيمة متواضعة في تأكيدها على عمالة بعض قادة الأحزاب العراقية وتجسسهم لطهران، لكن الأميركيين اعترفوا من خلال هذه التسريبات بأن إيران هي المنتصر الوحيد بعد غزوهم للعراق.

ووفقا لوثائق الاستخبارات فبعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق عام 2011، تخلت وكالة الاستخبارات عن عدد كبير من عملائها العراقيين، وتركتهم في الشارع، الأمر الذي جعلهم في خوف من القتل على يد إيران أو أطراف أخرى بسبب علاقتهم السابقة مع واشنطن. وتبين الوثائق أن أحد هؤلاء العملاء صار يعمل مع إيران وقدّم لها كل المعلومات التي يعرفها، بما فيها الفنادق التي يعيش فيها عملاء الـ”سي.آي. إيه”.

وصف المؤرخ الإخباري نير روسن ما يحدث في العراق قائلا “العراق قتل كي لا يعود مجددا، الاحتلال الأميركي كان مدمرا أكثر من الاحتلال المنغولي في القرن الثالث عشر“. وتذهب في ذات السياق صحيفة التايمز، قائلة، في افتتاحية بعنوان “العراق على حافة الهاوية أكثر من أي وقت منذ 2003”، إن العراق، البلد الذي كان يهيمن على النقاشات العسكرية والإستراتيجية الغربية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، على شفا الهاوية والتفكك أكثر من أي وقت مضى منذ الغزو الأميركي عام 2003.

وتضيف أن عادل عبدالمهدي أجبر على الاستقالة بعد شهرين من الاحتجاجات العنيفة.  وتحذر من أن ذلك أدى إلى خواء في السلطة في بغداد تسعى إيران إلى ملئه بينما تبدو قدرة الغرب على التأثير على ما يحدث محدودة للغاية.

وتقول الصحيفة إن الأزمة في العراق تعكس إخفاق التسوية الدستورية التي تم وضعها بعد الإطاحة بصدام حسين، فالنظام الموضوع مبني على أساس المحاصصة الطائفية لدعم الاستقرار عن طريق ضمان مناصب لجميع الفئات المتنافسة، مثل الشيعة والسنة والأكراد. وتضيف أن هذا النظام أدى إلى تفشي الفساد.

ورغم أنه يصعب التفاؤل بأن نظاما مثل النظام العراقي يتحكم فيه الكثير من اللاعبين سيختار زعيما فعالا قادرا على الاستجابة لطلبات المتظاهرين، يؤكد الشباب العراقي على أن الاحتجاجات لن تخبو طالما بقيت مطالبه دون إدراك.

7