"مجلس الأيديولوجية الإسلامية" في باكستان.. تطرف يعلو على القانون

مجلس الأيديولوجية الإسلامية في باكستان، بكل ما يحويه الاسم من دلالات، مثال حي على التداخل بين الديني والسياسي وما يمكن أن يفرزه هذا التداخل من نتائج خطيرة، على المجتمع والسياسة وعلى الدين أيضا. مجلس ديني غير منتخب يتوفر على سلطات واسعة تسمح له بإبطال القوانين أو فرض غيرها، والتعلة التي لا يمكن الاقتراب منها هي التعارض مع أحكام الإسلام.
الأربعاء 2016/04/27
سطوة دينية أقوى من القانون

إسلام أباد – يقع مقر مجلس الأيديولوجية الإسلامية الباكستاني على مسافة بضعة كيلومترات من مبنى البرلمان، ويعمل المجلس من داخل مقر يقل فخامة عن مبنى البرلمان بكثير ويضم مسجدا بسيطا تعلوه قبة خضراء وفناء، ولكنه يتمتع بنفوذ متزايد.

يضم المجلس المشار إليه مجموعة من رجال الدين الذين يقومون من حيث المبدأ بتقديم المشورة حول توافق القوانين التي يصدرها البرلمان مع تعاليم الإسلام، ومن الناحية العملية يكون بوسع هذا المجلس غير المنتخب أن يعرقل صدور التشريعات على المستوى الوطني، وأيضا في المجالس النيابية للأقاليم الأربعة في باكستان، وهو ينفذ ذلك بالفعل.

يشار إلى أن المجلس قام خلال شهر أبريل الحالي بإدانة اثنين من القوانين صدرا في إقليميْ خيبر باختونخوا بالمنطقة الشمالية الغربية من باكستان، والبنجاب بالمنطقة الشرقية، وهما القانونان اللذان استهدفا حماية النساء من العنف المنزلي، باعتبارهما “مخالفين للشريعة الإسلامية”.

وتقول سامية راحيل قاضي وهي السيدة الوحيدة بين الأعضاء العشرة بمجلس الأيديولوجية الإسلامية الحالي “إن القانونين متماثلين وينتهكان العديد من المبادئ الإسلامية”.

وتوضح ربيعة هادي من منظمة “مؤسسة أورات” المدافعة عن حقوق النساء أن هذا التشريع الجديد يسمح للمرأة، من بين إجراءات أخرى، بأن تطرد زوجها الذي يمارس العنف ضدها من منزل الزوجية، وهو مخالف للحق التقليدي للرجل في أن يطرد زوجته من المنزل حتى بعد أن يضربها.

وتضيف هادي إنه تم النظر إلى هذا التشريع في باكستان على أنه تقدمي وفريد من نوعه في دولة ينتشر فيها العنف المنزلي، وتضعف فيها الإجراءات القانونية لحماية المرأة داخل المنزل.

وأصدر المجلس النيابي في إقليم البنجاب هذا القانون في فبراير الماضي، حيث قوبل بموجة من الاحتجاجات من جانب الجماعات الدينية، مما دفع البرلمان المحلي إلى اللجوء إلى مجلس الأيديولوجية الإسلامية لطلب المشورة، وفي إقليم خيبر باختونخوا تمت إحالة القانون إلى البرلمان المحلي قبل أن يقوم مجلس الإقليم بطلب مشورة مجلس الأيديولوجية الإسلامية.

الحكومات المتعاقبة في باكستان سعت إلى أن تستميل رجال الدين إلى جانبها عن طريق تعيينهم في المؤسسات الدينية مثل مجلس الأيديولوجية الإسلامية

قال محمد خان شيراني، رئيس مجلس الأيديولوجية الإسلامية، في تصريحات لوسائل الإعلام الشهر الماضي إن بعض بنود القانون الجديد تخالف أحكام الإسلام، غير أنه عاد ليعلن أن المجلس يرفض رسميا القانون برمته وذلك بعد تأييد بقية الأعضاء.

وقالت السيدة القاضي وهي عضو أيضا في جمعية “جماعة الإسلام” المتشددة والتي قامت باحتجاجات ضد هذا القانون “إنه في حالة تنفيذ هذه التشريعات فستتعرض قيمنا الإسلامية ونظامنا العائلي للتدمير بالتأكيد”. ووصفت القانون بأنه “بمثابة محاولة لإدخال أنظمة من الغرب الذي تفككت فيه الأسرة بالفعل”. ويضم مجلس الأيديولوجية الإسلامية، بمقتضى دستور 1973، ما بين 8 و20 عضوا تعينهم الحكومة لمدة ثلاثة أعوام.

وأوضح علامة طاهر أشرفي العضو السابق بالمجلس أنه “يجب على أعضاء المجلس أن يكونوا على إطلاع واسع بالمعارف الإسلامية والحديثة ليقدموا الرأي للمجالس النيابة حول المسائل المتعلقة بأحكام الإسلام”. وأضاف غير أنه “غالبا ما تتم مكافأة الأحزاب الدينية مقابل دعمها للحكومة في البرلمان”.

ويتمتع شيراني، رئيس المجلس الأيديولوجية الإسلامية، بعضوية البرلمان عن حزب “جمعية علماء الإسلام فضل الرحمن” المتحالف مع الحكومة، وتعد عضويته البرلمانية مكافأة له من جانب رئيس الوزراء نواز شريف لتأييده السياسي للحكومة.

ولايستطيع مجلس الأيديولوجية الإسلامية من الناحية الفنية أن يعرقل صدور القوانين، غير أنه يستطيع أن يجعل من المتعذر تنفيذ أي تشريع يرى أنه متعارض مع الإسلام.

ويرى المحللون أن الأحزاب الإسلامية تمارس النفوذ بشكل يتجاوز وزنها البرلماني، بفضل التأييد الشعبي لها، وعلى الرغم من أن هذه الأحزاب لها 17 مقعدا فقط داخل البرلمان أي بنسبة أقل من 5 بالمئة من إجمالي عدد المقاعد، إلا أنه بإمكانها أن تثير احتجاجات شعبية في الشارع عندما ترغب في ذلك.

وهذا هو السبب في أن الحكومات المتعاقبة في باكستان سعت إلى أن تستميل رجال الدين إلى جانبها عن طريق تعيينهم في المؤسسات الدينية مثل مجلس الأيديولوجية الإسلامية. بينما يرى أشرفي أن نتيجة هذا الاتجاه الحكومي هي أن المجلس يعجّ بالمتشددين الذين تصبح أحكامهم متطرفة أحيانا مثل إقرار زواج الأطفال.

13