مجلس التعاون الخليجي.. الحالم بالاتحاد.. كثير الخلافات

الأحد 2014/01/12
إيران تهدد أمن مجلس التعاون.. وبعض دوله على قلوب شتى..

من يرى ردة فعل الشعوب الخليجية في غالبها تجاه مجلسهم اليوم، سيعلم أنها أهزوجة شعبية صالحة لتوجيهها إلى منظمة “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” التي يبلغ عمرها ما يتجاوز رقمي أعمار غالب سكانه الشباب، بعد أن تتلمذوا وحفظوا أهزوجتها الأشهر “خليجنا واحد”.

على الصعيد العربي هو الأكثر نجاحا، في ظل عجز جامعة الدول العربية وسقوط مجالس إقليمية عربية عديدة، منها الاتحاد المغاربي الذي تحاول بعض دوله إعادة نهوضه لمواجهة تحديات عديدة منها ملف الإرهاب.

في الخليج، وكالمعتاد تختلف الحكايات، في بلدان تحمل الاقتصاد الأقوى عربيا بل وتشكل مجتمعة قوة العالم في سوق النفط والغاز، وفي كل منها قوى تنافسية ومراكز جذب متنوعة، ولما لها من أهمية جاءت فكرة المصير الواحد والهدف المشترك، ليتأسس المجلس بعد أن تمت تهيئته على نيران الهدوء والدبلوماسية بين الإمارات والسعودية والكويت لينطلق في العام 1981 بدول التأسيس والدول الثلاث الأخرى البحرين، وقطر، وسلطنة عمان.

منذ ذلك العام والمجلس يركض في ذات المضمار، أراد منه المؤسسون الذين رحل غالبهم أن يكون جامعا لسياسات الدول الست الأعضاء، وأن يكون جامعا دفاعيا للحماية من الأخطار، وأن يكون جامعا أمنيا لترتيب الحياة الداخلية، إيمانا منهم أن شرارة واحدة في طرف إحداها سينتشر للبقية.

توسعة رقعة مجلس التعاون برزت مع أحداث الثورات العربية، حين أعلنت دول الخليج دعوة المملكتين المغربية والأردنية إلى الانضمام إلى مجلس الخليجيين لاعتبارات عديدة


الشيخ زايد والكنفدرالية الخليجية


كان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أول من دعا إلى أن يتجاوز المجلس فكرة إنشائه على صيغة “التعاون” بل أن يكون على صيغة كنفدرالية، لكن كما هي عادة الخليجيين لا يتسرعون ويرضون بأوسط الحلول، خوفا من كل شيء، حتى من بعضهم.

لا يربك الخليجيين منذ انطلاقة مجلسهم المغلف بالأسرار سوى تجدد أطراف الخلاف، فكل دولة وقعت في قطيعة المنظومة الخليجية عموما ولأسباب عديدة، لكنهم يحاولون تشتيت ذلك عن أذهان مجتمعاتهم بقممهم السنوية، التي تفضحها أحيانا مستويات التمثيل، لتعمل التحليلات وغالبا ما تصيب، فأبناء القبيلة الواحدة يعرفون كيف يتصرف كل بيت وكيف يحافظون على بعض الود رغم الخلاف.

في دول الخليج، تختلف أنظمة الحكم، لكنها متمسكة بمبدأ الأسر الحاكمة في الغالب، فما بين ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية وفيدرالية ناجحة وإمارات دستورية وأخرى صامتة، يختلف قادة الخليج، بينما أهله بين بعضهم يتوادون ويتراحمون ويحب بعضهم بعضا، وخلق ذلك أبعادا اجتماعية تزيد من أرض الخليج وحدة وقوة.

في 1990 غزا صدام حسين الكويت، فهبّت دول الخليج كافة إلى التدخل والوقوف إلى جانب شعب الكويت وقيادته لرد عدوان نظام الرئيس العراقي آنذاك، في وقت كانت رتوش الخلاف بين بعض الدول مع الكويت واضحة، لكن في لغة النار القبلية الكل على صف واحد وتحت راية واحدة، وهي عادة خليجية أن يكون التجمع في الأزمات لا عهود الرخاء.

يجمع المجلس إضافة إلى الدول الست، جمهوريّتين، هما العراق واليمن، عبر لجان الرياضة والثقافة والصحة، وفي آمالهم أن يتجاوزوا ذلك إلى العضوية الكاملة خاصة وأن العراق أحد الدول المطلّة على الخليج، بينما تشكل اليمن للمنظومة الخليجية الظهير الاستراتيجي لأمنهم ووجودهم.

كان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أول من دعا إلى أن يتجاوز المجلس فكرة إنشائه على صيغة {التعاون} بل أن يكون على صيغة كنفدرالية

توسعة رقعة مجلس التعاون برزت مع أحداث الثورات العربية، حين أعلنت دول الخليج دعوة المملكتين المغربية والأردنية إلى الانضمام إلى مجلس الخليجيين لاعتبارات عديدة، وخلصت اجتماعات نصف العام 2012 إلى إغلاق باب التفاوض للانضمام مكتفية بإنشاء صندوق تنموي ودعمهما بمليارين ونصف مليار دولار لكل دولة.

بينما كانت الشعوب الخليجية في طيف شعبي منهم “تنكر” هذا التوجه من قادتها الذي يرونه بعيدا عن الفائدة الشعبية وطموحهم للمشاريع والرؤى الوحدوية المشتركة في مجلس التعاون الذي يتجاوز أرقامه دون تحقيق ما يصبون إليه، رغم أن الطموح الأردني كان عاليا في الدخول للمنظومة الخليجية كعضو مثل الدول الست الرئيسية ومغايرا للمقاعد الخلفية التي تجلس عليها العراق واليمن.

اليوم، تظهر أمانة مجلس التعاون الخليجي عاجزة عن تطبيق المشاريع المشتركة أو القيام بحلول عاجلة لتجاوز الخلافات، مسلمة ذلك إلى قادة الدول لحل خلافاتهم بأنفسهم، فهي الورقة الضعيفة التي لا تملك إلا إرضاء الكل ووفقا لما يصوغونه لا نظامها الأساسي.

وبعد مرور أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما على إنشاء مجلس التعاون اليوم، ليس هناك عنوان بارز سوى أن الإنجازات محدودة، رغم أن الروابط الاجتماعية التي تربط غالبية الشعوب الخليجية ببعضها في قوتها ونفوذها، لكنها لم تسعف المجلس في تفعيل رؤاه التي يخططها لدعم كيانه دفاعيا أو أمنيا أو حتى المؤمّل من الخطط الخدمية لها.

المجتمعات الخليجية تؤمّل على منظمتها الإقليمية (مجلس التعاون) الكثير من الخيارات والقرارات التي تدعم توجهات شعوبها على غرار دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن دولا لم تظهر أمام مواطني الشعوب الخليجية سوى بمشروع “وحدوي” تمثل بمشروع الربط الموحد للطاقة الكهربائية الذي نتج بعد مخاض عسير، فإن المشروع الآخر الذي يرى العديد من مواطني دول “التعاون” أنه باء بالفشل قبل تنفيذه، فهو السّماح بالتنقل لمواطني المجلس بالبطاقة الشخصية دون الحاجة إلى جواز السفر.

على صعيد الوحدة النقدية، لا تزال قضية إصدار العملة الخليجية الموحدة معلقة، على الرغم من تدشين مقر “المجلس النقدي الخليجي في الرياض” أواخر العام المنصرم بغية الوصول إلى التكامل الاقتصادي من خلال استكمال أركانه المتمثلة بالاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، والاتحاد النقدي، وكل تلك الملفات تسير في سياق بيروقراطية لا تجمعها لغة السرعة إلا من دولة أو اثنتين فقط.

على الصعيد الأمني والدفاعي، تعيش دول الخليج في منطقة الإثارة العالمية والتغييرات الدائمة، وتعرضت المنطقة منذ تأسيس مجلس التعاون إلى ثلاثة حروب كبرى، وهي لا تملك في خزينتها الدفاعية سوى قوة رمزية تسمى بـ”درع الجزيرة” المؤسسة في العام 1986 ولم يتجدد تاريخها سوى بافتتاح مقر قيادتها “التكتيكي” الثاني قبل أشهر في مملكة البحرين، بينما تتخذ من منطقة حفر الباطن السعودية مقرا لها، بعدد لا يتجاوز 6 آلاف جندي، تشكل القوات السعودية فيها قرابة الـ(80 ٪).

6 آلاف جندي عدد قوات درع الجزيرة تشكل القوات السعودية فيها قرابة الـ(80 ٪)


الإنتربول الخليجي


على ذات الصعيد الأمني والدفاعي أيضا، حمل إعلان قمة الكويت الأخيرة 2013 جملة من القرارات التي تصبّ في خانة التنفيذ الغائب، وكانت قمة الكويت اعتمدت جملة من القضايا الأمنية من بينها إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي، وجهاز للشرطة الخليجية لدول المجلس “الإنتربول الخليجي” . واتفق القادة في البيان الختامي على إنشاء أكاديمية خليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية.

مواقف دول الخليج متفاوتة، خاصة في التعامل مع الشؤون الدولية، فإن كانت البحرين تصنف “حزب الله” اللبناني ضمن قائمة الإرهاب، وتسجل الإمارات بوجهها القوي قبل أعوام استبعاد لبنانيين ينتمون إلى الحزب كذلك، تطل بعض الدول الخليجية الأخرى ومنها من يمتلك رصيدا جيدا في التقارب مع الحزب المتدثر بعباءة ملالي إيران السوداء، العدو الأول للخليجيين والمتجاوز في حدود طغيانها إلى احتلال جزر الإمارات الثلاث (أبو موسى، طنب الصغرى، طنب الكبرى).

وتتعكر العلاقات بفعل توجهات لبعض الدول، ليس لأنها زلة سيتجاوزها الوقت، بل لأنها انتهجت تغذية الخلاف ليكون عادة رسمية رغم موجات الابتسامة، تفتعلها أحيانا كثيرة قناة “الجزيرة” التي تبث من العاصمة القطرية الدوحة.

فكان للقناة دور في إشعال فتيل خلاف أولي مع شقيقتها الكبرى المملكة العربية السعودية، حتى ظن أولو العزم من السياسيين أن الحل بعيد، لكن التعهدات اللازمة أعادت وهج العلاقات بين الرياض وقطر شيئا فشيئا حتى انتهى ترسيم الحدود باعتماد دولي، إضافة إلى ما تسببت فيه القناة من خصام واشتعال جمرة الخلاف بين الدوحة والمنامة على خلفية بث فيلم وثائقي يحكي عن احتجاجات شباط/ فبراير 2011 بالبحرين.

مجلس التعاون لدول الخليج العربي
◄ منظمة إقليمية عربية مكونة من ست دول أعضاء تطل على الخليج العربي هي الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت

◄ تأسس المجلس في 25 مايو 1981 إثر اجتماع انعقد في المملكة العربية السعودية، ويتّخذ من الرياض مقرّا له

◄ كل من رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح من أصحاب فكرة إنشائه

◄ يتولى الأمانة العامة للمجلس حاليا عبد اللطيف بن راشد الزياني

◄ المجلس الأعلى هو السلطة العليا لمجلس التعاون، ويتكون من رؤساء الدول الأعضاء، ورئاسـته دورية حسب الترتيب الهجائي لأسماء الدول

◄ يجتمع المجلس في دورة عادية كل سـنة، ويجوز عقد دورات اسـتثنائية بناء على دعوة أية دولة عضو وتأييد عضو آخر


الاتحاد الخليجي


منذ ثلاث قمم، لا صوت يعلو على “الاتحاد الخليجي” مالئ صحف الخليج وشاغل قادتها، بينما شعوبها لا تبحث عن شيء سوى تطبيقات على أرض الواقع، أحلامها في صيغة المجهول والتأجيل، والصراع على الاتحاد كلامي لا مسوّغات يحملها واقعه.

كل الظروف المحيطة تجعل الخليجيين يتجهون بقوة إلى “الاتحاد”، وهو مبررهم في ذلك؛ لكن التأجيل أصبح السمة التي ترافق قمم القادة واجتماعاتهم، ولحقت بها كذلك الاجتماعات الوزارية، ويبقى عنوانها “استكمال دراسة الردود بشأن الاتحاد الخليجي”.

الخليجيّون المؤيدون لاتحاد خليجهم وترقيته من مرحلة التعاون، يرون أن إعلان الاتحاد الخليجي سيكون عبر قمة استثنائية لهذا الحدث تعقد في الرياض، بينما تتقاذف كذلك تلك الكلمات أمانة مجلس التعاون الخليجي، الخجولة من تقريب أية وجهة مع الدول الأخرى.

الاتحاد الذي تتطلع إليه بقوة مملكتا الخليج السعودية والبحرين، ترفضه تماما سلطنة عمان بينما الدول المتبقية تقف إلى الجانب الذي يعزز حضورها من خلال تأييد العمل الوحدوي دون تصريح به قبولا أو رفضا،

في وقت أعلن العاهل البحريني الملك حمد آل خليفة تأييده لإعلان الاتحاد، وقال خلال الاحتفال بعيد البحرين الوطني أواسط كانون الأول/ ديسمبر الماضي “من هذا اليوم نعلن الاتحاد، لتأكيد إرادتنا الثابتة وعزيمتنا الصلبة” معربا عن تطلعه للدعوة للقمة الخاصة بالإعلان عن قيام هذا الاتحاد بالرياض.

الاتحاد الخليجي الذي تودّه غالب عواصم الخليج، يفتقد إلى برلمان مشترك، ويعكر عليه تنوع ثقافات البلدان الخليجية السياسية والتشريعية ففي الكويت التي تشرّع من مجلس الأمة الناري قراراتها والتصدي للحكومات يقف على نقيضها مجلس الشورى السعودي العاجز، بينما ينتخب البحرينيون برلمانهم وتفتقد قطر برلمانا يدعو إلى ذلك.

دول الخليج في صراع اتحادها الهادف إلى بسط الأمن وحماية بعضها والقيام بأسلوب القوة الواحدة والصوت الواحد بصيغة الكنفدرالية تقيم مع حليفتها الكبرى (أميركا) منتدى استراتيجيا، بلجنة أمنية مشتركة مع واشنطن ستعزز حضورها داخل الخليج بدرع صاروخية لحماية دول المنطقة الخليجية، لكن الثقة مع الحليف الأميركي أصبحت أقل قوة بعد تخبّطات الإدارة الأميركية الحالية وعدم صلاحية توافقها مع المواقف الخليجية فيما يتعلق بالشؤون المحيطة.

مجلس التعاون الخليجي يمتلك نفوذا على الصعيد الدولي، إلا أن قراراته الداخلية تحمل هما للمتابعين والمحللين الذين يقذفون التساؤلات في مدى فاعلية الأهرام السياسية بدول التعاون على تحقيق أحلام شعوب تحلم بتحقيق سياسات “التعاون” وصولا إلى وحدتها وتعميق الروابط في منطقتها الغنية بالنفط وتوثيقها.

10