مجلس التعاون الخليجي مرشح للعب دور إقليمي فعال

الأحد 2014/03/02
الاتحاد الخليجي صيغة ملائمة لتحصين دول التعاون وإعادة التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج

القاهرة – زادت أهمية الدور الذي من الممكن أن يلعبه حلم الوحدة الخليجية ليتجاوز حدوده الإقليمية نظراً إلى الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع بها هذه المنطقة الحيوية في العالم وضخامة الثروات النفطية الموجودة بها.

يلاحظ بعض المحللين وجود إرهاصات لبداية تشكيل اتحاد خليجي أكثر تأثيرا وحضوراً مع خطط لتوسيع عضوية الانضمام إليه، والسعي في الوقت نفسه لتقوية وتعزيز العلاقات التي تربط هذا الكيان الخليجي مع الشركاء الإقليميين، فضلاً عن تطوير سبل التعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية ودول جنوب شرق آسيا.

وتشير الدلائل إلى أن مؤشر الاقتصاد العالمي بصدد التحول إلى القارة الآسيوية حيث أصبحت الصين تمثل قاطرة حقيقية للاقتصاد العالمي، فضلا عن تواصل صعود بقية النمور الآسيوية التي حافظت على استقرارها الاقتصادي، في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي تحديات اقتصادية ونقدية متزايدة، أرجعها بعض المحللين إلى وصول النموذج الرأسمالي الغربي إلى حالة من التشبع. ويرى البعض أن الواقع الإقليمي والدولي، لاسيما التحديات والرهانات الكبيرة التي خلقها الربيع العربي هو الذي دفع القيادات السياسية والاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي الست للشروع في بلورة سياسات جديدة من شأنها أن تزيد في تعزيز التعاون الوثيق بين الدول الخليجية الأعضاء من أجل مواجهة التحديات والتهديدات المتزايدة.

وعقد مركز الخليج للأبحاث بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة مؤتمرا بعنوان “اتحاد دول الخليج العربي.. آفاق المستقبل”، يوم الخميس الماضي (27 فبراير) وذلك في إطار مذكرة التعاون الموقعة بين المركزين.

وشارك في المؤتمر عدد من المسؤولين المصريين والخليجيين من بينهم ممثل لوزير خارجية مصر وممثل للأمين العام لجامعة الدول العربية وكوكبة من المفكرين والخبراء والباحثين من الجانبين وسلط الضوء على جملة من الاعتبارات الخاصة بأهمية الاتحاد الخليجي.

رأى البعض أن انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت جاء تلبية للدعوة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة جديدة متقدمة وهي مرحلة الاتحاد الخليجي.

وأكد الدكتور ناصيف حتى، ممثل الأمين العام لجامعة الدول العربية، خلال المؤتمر الذي عقد بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة، على أن مشروع إنشاء الاتحاد العربي هو تحد قائم وأن التعاون الإقليمي ودعمه من خلال خلق وظائف جديدة يسمح للأعضاء به بالوقوف في مواجهة التحديات.

وأشار إلى أن المتغيرات والتحديات الجديدة تدفع إلى ضرورة توسيع العمل العربي والانخراط في الحوار البناء مع كل الاتجاهات بما يدعم الأمن العربي.


دور مصر الإقليمي


السفير ناصر كامل، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية، قال إن مجلس التعاون الخليجي، يعد تجربة فريدة في العمل العربي، وهو منظومة يجب الاحتذاء بها في ظل الظروف والتحديات التي لا تخفى عن الجميع.

وأشار كامل إلى أن مصر تتجه بسرعة إلى استعادة دورها القومي والإقليمي ومن ثم تمد يدها إلى الأشقاء في الخليج في سبيل الحفاظ على أمن المنطقة، مؤكدا على ضرورة تعزيز منظومة الأمن القومي العربي، في ظل حديث البعض عن عودة ما يشبه منظومة “اتفاقية سايكس بيكو” التي قسمت العالم العربي من قبل.

وأضاف أن الأحداث التي شهدتها المنطقة على مدى العقود الماضية تثبت وتؤكد التزام مصر بأمن الخليج وانعكاس هذا التكامل في مواقف بعض الأشقاء لاختيار الشعب المصري في 30 حزيران 2013.

وأوضح مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية، أن التحدي الآخر هو التكامل العربي وتحالف البعض مع فصيل سياسي معين داخل الوطن العربي حاول الاستحواذ على زمام الأمور في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن هناك تطورا آخر بالمنطقة وهو اتجاه أمريكا إلى خفض تواجدها الاستراتيجي في منطقة الوطن العربي ومحاولة خلق توازن جديد بالمنطقة.

وشدد ناصر على أنه لابد من العمل على تحقيق الأمن العربي الذاتي من خلال تحقيق عدة تحديات أولها تعزيز التكامل السياسي والاقتصادي والأمني العربي والوصول إلى هذا النظام من خلال التعامل مع التحديات العربية من خلال سياسات ومفهوم شامل عن الأمن العربي.

وقال: نحن كعرب لا بد أن نفكر في منظومة تحقق مصالح الجميع وتوظيف الاستثمار والتعاون بين الدول المصدرة والمستقبلة للاستثمار، لافتا إلى أن مصر والسعودية تمثلان نموذجا يحتذى به.

وأشار إلى أن دول الخليج أثبتت قدرتها على تعزيز الاستقرار في المنطقة العربية، لافتا إلى أن الأحداث التي شهدتها المنطقة تثبت متانة العلاقات المصرية الخليجية، مضيفا أن مصر شارفت على الانتهاء من المرحلة الانتقالية، وفي طريقها إلى تأسيس مؤسساتها الدستورية والبرلمانية.

وجاءت الثورات العربية وما نجم عنها من تداعيات متتالية لتبرز مدى الحاجة إلى تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي وتوثيق الأمن في الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وخاصة في ظل وجود “هلال شيعي” يمتد من إيران إلى لبنان وقطاع غز ة مرورا بالعراق وسوريا.

ويرى محللون أن التحركات التي تقوم بها دول مجلس التعاون الخليجي لا تعكس فقط مدى إدراكها للتحديات الإقليمية الناجمة عن التحولات الجارية في العديد من دول منطقة الشرق الأوسط بقدر ما تعكس أيضا إدراكا واضحا لضرورة الاستعداد للمستقبل بتحدياته ورهاناته الكثيرة.

ولايزال مشروع الاتحاد الخليجي على أهميته الاستراتيجية والاقتصادية الهامة – يصطدم ببعض التحديات الناجمة أساسا عن تحفظات بعض الدول الأعضاء التي تبدي حرصا كبيراً على الاحتفاظ بسيادتها المالية وسياساتها الداخلية والخارجية التي تعتبر في نظرها جزءا لا يتجزأ من سيادتها.

الإعلان عن الوحدة الخليجية قريبا في قمة استثنائية لمجلس التعاون بالرياض


طموحات شعوب


في هذا الإطار، قال الدكتور عبدالعزيز بن عثمان بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إن انتقال دول مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد دول الخليج سيحقق طموحات شعوب دوله وسيكون رافدا مهما للعمل العربي المشترك.

وأوضح أن الهدف من الاتحاد هو توحيد السياسة الخارجية والحفاظ على أمن الدول الخليجية والدفاع عن سيادتها وحدودها بقوة مشتركة، من أجل اقتصاد قوي يعالج السلبيات ويحقق الطموحات ضمن كيان قوي قادر على التعامل مع الكيانات الكبرى في العالم من أجل توطين الصناعات الحديثة ومواجهة البطالة وإيجاد الحلول المناسبة لخلل التركيبة السكانية وزيادة معدلات النمو وتحقيق التنمية المستدامة.

وتابع رئيس مركز الخليج للأبحاث أن دول الخليج احترمت خيار الشعب المصري صاحب أقدم دولة عرفها التاريخ عندما قام بثورة 25 يناير، وتعاملت مع هذا الخيار، وبالقدر نفسه تعاملت دول الخليج مع خيار الشعب المصري عندما قام بثورة 30 يونيو لأنه قادر على إدارة دولته.

ورصد المشاركون في المؤتمر استشعارا لدى دول مجلس التعاون الخليجي بوجود خطر يتمثل في انحسار دور الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة منذ فترة ما بعد الغزو العسكري للعراق سنة 2003، متأثرا بالتطورات السياسية داخل الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، إضافة إلى ظهور قوى إقليمية ناشئة تبحث لها عن دور في المنطقة.

وتحدث المحللون أيضا عن علامات “إرهاق” بدأت تنعكس على قدرة الولايات المتحدة الأميركية على التعاطي مع الصراعات التي تهز منطقة الشرق الأوسط وهو ما يفسر تردد الإدارة الأميركية في تبني مقاربة عسكرية للتعامل مع الأزمة السورية.

وتطرق البعض إلي مسألة الدوافع الأمنية التي اعتبروها تشكل العامل الأبرز في الرغبة الرسمية والشعبية على حد سواء في عدد من دول الخليج لتأسيس الاتحاد الخليجي، باعتباره تطورا طبيعيا لمسيرة التعاون والتقارب والتي أخذت شكلا، مؤسسيا بانطلاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وذلك استنادا إلى اعتبار مجلس التعاون هو الكيان الأكثر فاعلية واستمرارية على مستوى مؤسسات العمل العربي الإقليمي المشترك.

وأكدوا على ما حققه المجلس من إنجازات سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية، لا يمكن إنكارها أو تجاهل نتائجها ووجود تشابه كبير وبدرجة عالية في الخصائص والسمات بين دول مجلس التعاون تدعمها رغبة شعوب المنطقة في تحقيق التكامل، إيمانا بوحدة الهدف والمصير والتحديات والمخاطر التي تواجهها منطقة الخليج والتي تستهدف الأمن الوطني والهوية.

وأشاروا إلى أنه من الصعب مواجهة دول الخليج لتلك التحديات بشكل فردي، لاسيما المشروع التوسعي بقيادة إيران لفرض النفوذ والسيطرة، وهو ما يتجسد بقوة في المشهد السوري والعراقي واللبناني واليمني، فضلا عن عمليات التدريب العسكري وخلايا التجسس والتحريض المذهبي والإعلامي لاستهداف أمن البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية وغيرها.


الخطر الإيراني


رأى القائم بأعمال مدير عام الاتصال الخارجي بالبحرين، الباحث عبدالله بن أحمد بن عبدالله آل خليفة، أن الأمن الخليجي يواجه عدة تحديات أبرزها مخاطر البرنامج النووي الإيراني العسكري والصواريخ الباليستية، فضلا عن الأضرار البيئية المحتملة في حالة حدوث تسرب إشعاعي، وقيام الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له بعمليات التدريب العسكري لعناصر خليجية وتأسيس الخلايا النائمة في دول مجلس التعاون لزعزعة الأمن والتدخل السافر في الشؤون الداخلية لدول المنطقة والاستناد إلى محور مذهبي لتحقيق الانتشار والتوسع.

وأضاف أن الاتحاد الخليجي هو صيغة خليجية ملائمة لتحصين دول التعاون وكبح مشروع الفوضى والتدخل الخارجي وإعادة التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج، ويرجّح أن يبدأ الاتحاد بثلاث دول أو أكثر خلال الفترة القادمة إلى أن تنضج ظروف ومعطيات جديدة تقنع بقية الدول بالانضمام في وقت لاحق بما يسهم في تعزيز العمل الخليجي الجماعي وحشد الطاقات المشتركة لمواجهة الأخطار الأمنية الإقليمية.

5