مجلس التعاون: في الاتحاد قوة.. ولكن..

الأحد 2013/12/15

أبدى لي أحد الشباب عن خيبة أمله في البيان الختامي لقمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الرابعة والثلاثين، المنعقدة في الكويت أواخر الأسبوع المنصرم، وقال ما معناه إن البيان لا يرقى حقيقة إلى مستوى الأحداث في المنطقة والعالم، إذ لا يعدو أن يكون ترحيباً أو إشادة أو شجباً أو تأكيداً، ونحو ذلك من عبارات تحمل من المشاعر أكثر مما تحمل من مضامين سياسية أو اقتصادية ملحة، أو القضايا الحقيقية والخطيرة التي تفرض نفسها هذه الأيام، إلا إذا كان وراء الكواليس ما وراءها، وأن البيان موجه للعامة، فيما الأمور ذات الأهمية لا يُعلن عنها حفاظاً على السرية والفاعلية. ابتسمت بامتعاض ومرارة وأنا أتذكر حماسة الشباب وأيامه المتقدة، وقلت لهذا الشاب المتحمس إنني لم أعد أتوقع الكثير، بل ولا حتى القليل من مجلس التعاون ومن مثل هذه القمم وتلك المؤتمرات، بل ولا حتى أتابعها بجدية لأنني أعلم أنها لن تسفر عن شيء، وسط صراع “الأعدقاء” على ساحل خليج العرب، اللهم إلا سفر ا لقادة واستقبالهم من باب حب الاستطلاع والتعرف إلى من استجد ومن حضر ومن ذهب ومن غاب. استغرب الشاب موقفي هذا، رغم أن المفروض هو أن أكون من أول المهتمين والمتابعين بحكم التخصص والانتماء والحرص على قراءة مستجدات وتاريخ يُصنع لا شك في أنه سيكون له أعظم الأثر في تحديد مستقبل المنطقة، فقلت له إنني فقدت اهتمامي بمجلس التعاون وقممه واجتماعات ووزرائه ومستشاريه منذ صدمة القمة الخليجية الحادية عشرة في الدوحة، أواخر عام 1990، في أعقاب الغزو العراقي للكويت، والتي كنا نأمل أن تكون على مستوى الأحداث آنذاك، فيخرج القادة بقرار البدء بتحويل المجلس إلى نوع من الاتحاد السياسي، فإذا بالبيان الختامي لا يتجاوز الكليشهات المعهودة من التفاهم حول مختلف القضايا، وشجب هذا وتحية ذاك، في الوقت الذي علم فيه الجميع أن الخلاف الحدودي السعودي القطري هو الذي كان مسيطراً على أجواء القمة، رغم اللهيب المستعر الذي يكاد يلتهم الأخضر واليابس في كل المنطقة، ويهدد الوجود وليس مجرد الحدود. منذ ذلك التاريخ فقدت اهتمامي بقمم المجلس وبياناتها الختامية، بل وكل المجلس، التي أصبح الفرد البسيط منا قادراً على تبيان مضامينها حتى قبل أن تصدر، وربما كانت معدة حتى قبل انعقاد قمم المجاملة وتبادل القبلات، وهذا هو ما أرجحه.

والحقيقة أنني لا أدري لماذا يرهق قادة مجلس التعاون أنفسهم، فيعقدون مؤتمرات قممهم في شهر ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، أو في زيارات ودية تباحثية وتشاورية بين الفينة والفينة، وقبل ذلك يقوم وزراء خارجية هذه الدول بالتحضير للقمة المعتادة، ولا أدري لماذا يتكبد معالي الوزراء مشاق السفر والإعداد طالما كان كل شيء معروف مسبقاً ومتفق عليه حتى قبل الاجتماع، سواء اجتماع القمة أو المجلس الوزاري. فمنذ إنشاء المجلس في 25 مايو/ أيار عام 1981، وحتى مؤتمر القمة الأخير الرابع والثلاثين المنعقد في الكويت، أي أكثر من اثنين وثلاثين عاماً من نشوء المجلس، لم يحقق المجلس الشيء الكثير، على اعتبار أنه حقق أي شيء ذي قيمة على الإطلاق طوال هذا العمر المديد، أو حتى بعض تلك الأهداف الواردة في نظامه الأساسي، ولا نقول تلك التي يمكن أن ترقى إلى التطلعات التي رافقت إنشاءه، والتي على رأسها وحدة دول المجلس في كيان سياسي واحد. صحيح أن إنشاء المجلس كان نوعاً من ردة الفعل تجاه الغزو السوفيتي لأفغانستان، وانفجار الثورة الإيرانية بحيث خرجت إيران من المظلة الأميركية وتحولت إلى دولة ” مارقة “، وتنامي المد الأصولي في المنطقة بعد هذه الثورة وحادثة الحرم عام 1979، بحيث يمكن القول إن مجلس التعاون كان وإلى حد بعيد أحد نتائج الحرب الباردة بين عملاقي العالم ذاك الزمان (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي)، إلا أن ذلك لم يمنع من التفاؤل بأن مجرد إنشاء المجلس، مع كل تلك الأهداف الكبيرة التي تضمنها نظامه الأساسي، كان هو النغمة السائدة بين شعوب المنطقة، التي كانت موحدة اجتماعياً وتاريخياً بشكل كبير قبل إنشاء المجلس، وكان من المتوقع أن تُترجم هذه الوحدة الاجتماعية والتاريخية، إلى نوع من الوحدة السياسية والاقتصادية التي تعبر عن واقع حال قبل أن يكون تمنّي مآل. ولكن الذي حدث على أرض الواقع هو أن وجود المجلس أدى إلى توسيع الشقة بين دول المجلس وشعوبها، بحيث أصبح ما كان هو المراد أن يعود، وليس هناك أسوء من أن تكون أوضاع الماضي هي غاية المستقبل وغايته، إذ أن ذلك يعني وصول الحال إلى قمة اليأس من

طبيعة المآل، وليس أدل على ذلك من حال عرب اليوم الذين ينظرون إلى المستقبل بعيون في مؤخرة الرأس تنظر إلى الماضي. أكثر من اثنين وثلاثين عاماً من عمر المجلس ولم يتحقق حتى النزر اليسير من تلك الأهداف المنصوص عليها في النظام الأساسي، اللهم إلا بعض الإنجازات الأمنية المتعلقة بالأمن الداخلي الخليجي تحديداً، سواء كنا نتحدث عن الاتحاد الجمركي أو المساواة في المواطنة أو السياسة الموحدة تجاه الخارج أو توحيد الأنظمة وسياسات التعليم ومناهجه، أو توحيد العملة، ناهيك عن وحدة سياسية بأي شكل كان، إذ كلها بقيت حبراً على ورق، ولا وجود لمجلس التعاون في والوعي الجماعي لشعوب المنطقة، أو تذكراَ لاسمه إلا حين عقد مؤتمرات القمة، والاستماع إلى المجموعة وهي تشدو: ” أنا الخليجي أنا الخليجي “، أو حين الوقوف أمام لوحات ” مواطنو دول مجلس التعاون ” في مطارات الخليج حين السفر أو العودة من السفر، وحتى هذه لا فرق فيها في المعاملة بين من يحملون جوازات سفر خضراء وزرقاء وحمراء، وبين بقية الألوان التي يحملها من لا ينتمون إلى أرض الذهب الأسود والرمال الذهبية المتحركة.

أمور كثيرة تغيرت منذ نشأت المجلس وحتى يومنا هذا، وخاصة يومنا هذا. فالحرب الباردة، التي كانت السبب الأول في قيام المجلس، قد انتهت، ولم تعد الولايات المتحدة اليوم تلك القوة القادرة على فرض إرادتها الكلية في عالم سريع التحولات، وبالتالي لم تعد ” مظلة ” أمان لمن يعتمدون عليها اعتماداً كلياً في المسألة الأمنية والحفاظ على سلامة الكيان السياسي، وهو أمر من البداية خاطئ أن تضع كل بيضك في سلة واحدة، وخاصة عندما تكون هذه السلة غير سلتك. وها هو الاتحاد الروسي يعود إلى مقدمة الصفوف منافساً على مقعد السلطة الأولى في عالم الأضداد العالمية. وها هي الثورات والاضطرابات تعصف بمعظم الكيانات العربية التي كان من الممكن أن تكون قوى إقليمية مؤثرة، وقد كانت كذلك في يوم من الأيام. وها هي ” الدولة المارقة”، أي إيران الخمينية، قد ربحت معركة الصبر وشد الحبل مع قوى العالم، ولم تعد دولة مارقة، بل وأعطيت الضوء الأخضر عملياً للدخول في نادي الصفوة، أي النادي النووي، وبالتالي الوقوف إلى جانب إسرائيل، القوة النووية الأخرى في المنطقة، كقوتين إقليميتين معترف لهما بحق مد النفوذ، وتحقيق أمنهما القومي وفق ما تريانه صالحاً لذلك، ولا عزاء للبقية من المتقاعسين. ولو نظرت نظرة سريعة إلى الخريطة، فلن يفاجئك كثيراً وجود إيران في الشرق على رأس الخليج العربي وضفافه، وإسرائيل إلى الغرب على رأس البحر الأحمر وضفاف البحر الأبيض المتوسط، وبينهما يقبع الهلال الخصيب، ومن تحتهما شبه جزيرة العرب، مما يدفع للقول إنه وبعد رفع لافتة ” المروق ” عن الدولة الإيرانية وفرمانات التحريم، فإنه لا بد وأن يأتي اليوم الذي تتفاهم فيه هاتان القوتان الإقليميتان حول كيفية اقتسام كعكة النفوذ والهيمنة في قلب هذا العالم، وفق قول طرفة بن العبد: يا لك من قنبرة بمعمر، خلا لك الجو فبيضي واصفري، وهو أمر لا بد منه في النهاية حين أخذ الحقائق الجيوسياسية في الاعتبار، وما التخوف الإسرائيلي من إيران، أو العداء الإيراني لإسرائيل إلا فرقعات في الهواء لا تدعمها حقائق السياسة التي تُبنى عليها سياسات الدول في النهاية، وكل ذلك وسط مباركة دولية طالما أن ذلك التفاهم سيحقق أمن المنطقة واستقرارها، وفق المفهوم والتصور الإيراني والإسرائيلي بطبيعة الحال، ولا ننسى أن أمن إسرائيل قضية متفق عليها من قبل جميع الاتحادات، أي الاتحاد الروسي والأميركي والأوروبي، فيما يبقى مجلس التعاون، هذا إن بقي، يردد مبتهجاً أهزوجة "أنا الخليجي"

لا مناص لمجلس التعاون في مثل هذه الظروف والمستجدات، من أن يسعى إلى مزيد من التعاون الحقيقي، بل وحتى الوحدة السياسة القادرة في النهاية على البدء ببناء قوة ذاتية قادرة على المنافسة في خضم هذا الصراع الإقليمي والدولي، ولا أظن أن أحداً في مجلس التعاون مقتنع بغير ذلك، ولكن.. وآه من لكن هذه، ولكن الخوف والخشية لدى معظم دول المجلس من أن يكون مثل هذا الاتحاد هشاً وقائماً على غير أسس، أو مجرد رد فعل مؤقت لمستجدات السياسة في العالم والمنطقة، بمثل ما كان مجلس التعاون مجرد نتيجة هامشية من نتائج الحرب الباردة، أو أن يكون الاتحاد استعداءً للقوى الإقليمية الأخرى دون أن يكون له دور فعلي مؤثر على أرض الواقع، ومن هنا نستطيع تفهم الموقف العماني الرافض للاتحاد الخليجي، ودول خليجية أخرى لا تصرّح بما صرحت به عُمان، وهو، وكما أفهم، ليس رفضاً للفكرة بقدر ما هو رفض لما قد تتمخض عنه الفكرة من كيان أشبه بمجلس التعاون بكل نقاط ضعفه التي جعلته ” لا يهش ولا ينش “، وبالتالي اكتساب عداوات كان من الممكن تجنبها. أما السعودية، فهي صاحبة المصلحة الأكبر في قيام الاتحاد، فالخليج واليمن هما خاصرتها التي يمكن أن تصيبها بمقتل إن هيمن عليها الآخر المنافس. صحيح أن لكل دول المجلس، ومعها اليمن، مصلحة في قيام مثل هذا الاتحاد، ولكنها مصلحة غير مضمونة وصورة مجلس التعاون الهش في الأذهان، بينما المضمون أكثر هو عقد الاتفاقات ومواثيق السلام بالسعر المناسب مع أسياد المنطقة الجدد، فاتحاد قوة لا شك في ذلك، ولكن حين يكون قائماً على أسس قوية، وإرادة قوية، وقدرات ذاتية قوية، وثقة بالنفس والشركاء لا تتزعزع. يطول الحديث فعلاً في هذا المجال والحيز ضيق، وعندما يتسع المعنى تضيق العبارة كما يقول النفّري، ولكن لا نقول في الختام إلا وقل اعملوا.. ففي العمل يكمن سر النجاح، والقادر في النهاية لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. هذا ودمتم بخير..

6