مجلس الحكم الجنوبي في اليمن.. الصدوع القديمة تعاود الظهور

دخلت الأزمة في اليمن منعطفا جديدا بعد أن شكل مسؤولون وعسكريون وسياسيون في عدن، ثاني كبرى مدن اليمن، مجلسا سياسيا أشبه بحكومة ظل. ويعتبر العديد من المراقبين أن إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي يشكل أحد ملامح ضعف وترهل الحكومة الشرعية التي عجزت عن قراءة المشهد في جنوب اليمن في هذا الظرف الدقيق وانساقت إلى حد بعيد وراء رؤية أحادية يتبناها الطرف القوي في الحكومة.
الثلاثاء 2017/05/16
تضييق الخناق على الشرعية

عدن (اليمن) – تسبب الإعلان عن تشكيل هيئة رئاسة “المجلس الانتقالي الجنوبي” والذي ضم في عضويته 25 سياسيا جنوبيا من بينهم وزراء في حكومة هادي ومحافظو عدد من المحافظات الجنوبية برئاسة محافظ عدن المقال، في جملة من التداعيات انعكس أثرها مباشرة على قيادة الشرعية.

ووفقا لمراقبين خسرت الحكومة الشرعية في اليمن الكثير من عوامل قوتها نتيجة لحالة الصدام التي تبناها حزب الإصلاح (الإخوان) مع المكونات الفاعلة في الحراك الجنوبي. وبلغ هذا الصدام ذروته عقب إقالة محافظ عدن وقائد المقاومة الجنوبية عيدروس الزبيدي ووزير الدولة هاني بن بريك.

ووصف بن بريك قرار الإقالة بأنه استهداف متجدد للقضية الجنوبية وخصوصا أنه جاء في ذكرى اجتياح الجنوب في العام 1994 من قبل قوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحلفائه آنذاك في حزب الإصلاح.

لم يتأخر رد المقاومة الجنوبية كثيرا حيث احتشد الآلاف من الجنوبيين في العاصمة المؤقتة عدن لمنح التفويض للزبيدي بإعلان قيادة سياسية وطنية برئاسته لإدارة وتمثيل الجنوب من خلال ما سمي “إعلان عدن التاريخي” الذي رفع سقف المطالب الجنوبية عاليا، وعمّق من حالة الارتباك في صفوف الحكومة الشرعية.

وتتمثل خسائر الشرعية، بحسب خبراء سياسيين، في فقدان الرئيس عبدربه منصور هادي وحكومته للجزء الأكبر من الشارع الجنوبي الذي كان يحتضن الحكومة ورمزيتها. وأصيب الجنوبيون بالعديد من خيبات الأمل في إمكانية تغيير النظرة الرسمية لطموحاتهم السياسية.

وفشلت الحكومة الشرعية في تلبية الحد الأدنى من متطلباتهم والمتمثلة في توفير الخدمات الأساسية، عوضا عن انسياقها خلف صراعات حزبية وشخصية تتجاوز بكثير حضورها وفاعليتها على الأرض، ولا تتناسب ومزاج الشارع الجنوبي المحبط والغاضب في آن.

وعادت هذه الأجواء القلقة للواجهة في صورة غاضبة عقب إقالة الزبيدي وبن بريك اللذين يحظيان بتأييد قطاع عريض من الجنوبيين التواقين إلى عودة الدولة، سواء من خلال خيار الفيدرالية أو عبر دروب أخرى تفضي إلى انفصال الجنوب والتخلص من أعباء الحالة اليمنية المتأزمة في الشمال.

انفعالات متبادلة

يذهب العديد من المراقبين إلى أن إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي هو أيضا أحد ملامح ضعف وترهل الحكومة الشرعية التي عجزت عن قراءة المشهد في جنوب اليمن في هذا الظرف الدقيق وانساقت إلى حد بعيد وراء رؤية أحادية يتبناها الطرف القوي في الحكومة.

هذا الطرف هو جماعة الإخوان المسلمين التي بدا أنها الطرف الوحيد الذي يمتلك خطة خاصة به ويعمل على تسويقها من خلال مؤسسات الشرعية، في مقابل غياب تام للأطراف الفاعلة الأخرى وفي مقدمتها الحراك الجنوبي والمقاومة الجنوبية اللذان انصهرا في مكون واحد، في خضم تحرير المحافظات الجنوبية من ميليشيا الحوثي وصالح التي اجتاحت عدن في مارس 2015.

وقد خلقت هذه الحرب واقعا جديدا وأفرزت قوى جديدة على الأرض وهو ما لم تستوعبه حكومة عبدربه منصور هادي. وظلت هذه الحكومة تتعامل مع الجنوب من خلال مكونات لا تمتلك أي حضور في الشارع الجنوبي، كما ضاعف من حدة التوتر توقيت اصدار الرئيس عبدربه منصور هادي لقراراته المثيرة للجدل وفي توقيت سيء يعبر عن حالة انفعالية في كواليس الرئاسة اليمنية ولدت حالة انفعالية مقابلة لدى المكونات الجنوبية على الأرض.

أهالي الجنوب لايزالون ينتظرون حلولا لمشاكلهم

خارطة جديدة للقوى

كشفت حالة الارتباك والفوضى التي خلّفتها القرارات الرئاسية وما قابلها من ردود فعل من خلال الإعلان عن قائمة المجلس السياسي الانتقالي الجنوبي عن غياب الرؤية السياسية لدى الحكومة اليمنية في المقام الأول وعدم قدرتها على التعامل بواقعية مع الواقع الجديد على الأرض. كما أفصحت عن حالة انقسام في جبهة الشرعية لصالح الحسابات الخاصة ذات الطابع الشخصي والحزبي. وظهر هذا جليا من خلال انضمام عدد من المحسوبين على الحكومة الشرعية من وزراء ومحافظين إلى المجلس الجنوبي وتراجع بعضهم لاحقا عن موقفه وإصدار آخرين لبيانات متناقضة ترمي إلى بقاء رجل في الحكومة وأخرى في الشارع تحسبا لأي تطورات قادمة.

لم تقتصر انعكاسات قرارات الرئيس وما تلاها من ردود فعل على المشهد الجنوبي فقط، بل انتقلت إلى جبهة الانقلاب التي حاولت توظيف هذا الشرخ في جبهة الشرعية بصور عديدة بدت متناقضة ما يكشف عن عدم استيعابها لهذا التحول السريع والطارئ في مزاج الشارع الجنوبي.

وفي أول رد فعل حوثي على إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حذّر محمد عبدالسلام الناطق الرسمي للحوثيين، في بيان نقلته قناة المسيرة التابعة لهم، مما يحدث في الجنوب باعتباره “تهديدا لوحدة أراضي الجمهورية اليمنية ويندرج ضمن مخطط استعماري في انقلاب ينفذه المتشدقون بما يسمى بالشرعية الدولية المتمثلة في مجلس الأمن، والمتضمنة قراراتها جميعا الحفاظ على وحدة الأراضي“.

كما فوجئ التحالف العربي لدعم الشرعية أيضا بهذه التحولات وبإظهار قدر عال من المسؤولية تجاه اليمن، حاول المواءمة بين العديد من القضايا في بيان حرص على التأكيد على وحدة اليمن وأهداف التحالف وعدم خسارة أي طرف يمني وخصوصا المقاومة الجنوبية التي تضع يدها عمليا على حوالي 80 بالمئة من خارطة اليمن الجغرافية المحررة وتعد حليفا قويا ساهم في معارك تحرير الساحل الغربي.

ودعا الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني “جميع مكونات الشعب اليمني في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ اليمن إلى نبذ دعوات الفرقة والانفصال، والالتفاف حول الشرعية لبسط سلطة الدولة وسيادتها واستعادة الأمن والاستقرار في كافة مناطق اليمن“، مضيفا أن “جميع التحركات لحل القضية الجنوبية يجب أن تتم من خلال الشرعية اليمنية والتوافق اليمني الذي مثلته مخرجات الحوار“.

وقال المحلل السياسي فيصل المجيدي في تصريحات صحافية “الواضح أن ترتيبات إعلان المجلس والخطط والأسماء والتحركات التي تمت، ليست وليدة اللحظة (..) هناك ترتيبات بدعم إقليمي لا يخطئه المتابع، وهناك رغبة واضحة في إيجاد هذا الكيان وإن كان قد اصطدم بالمواقف الخليجية والسعودية والجامعة العربية”.

وأضاف “أكثر المستفيدين من هذا الكيان هم ميليشيا الحوثي وإيران”. وذكر المجيدي أن “بيان دول الخليج الأخير الداعم لوحدة اليمن هو انعكاس واضح للموقف السعودي والرافض لأي دعوات تتجاوز الشرعية، باعتبار ذلك سيؤثر على قرارات مجلس الأمن والمبادرة الخليجية التي تستند على الشرعية”.

إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي هو أيضا أحد ملامح ضعف وترهل الحكومة الشرعية التي عجزت عن قراءة المشهد في جنوب اليمن

وأكد المجيدي أن موضوع القضية الجنوبية هو موضوع عادل ولا خلاف عليه، لكن “الخلاف هو حول الأدوات التي تستخدم في القضية، حيث أن هناك محاولة لإيجاد كيان يستأصل الشرعية، وهذا أمر له مخاطر كبيرة ستؤثر على تواجد عاصفة الحزم وعمليات التحالف العربي بشكل كامل“.

أزمة تقود إلى انفراج

تبدو الصورة قاتمة على صعيد وحدة وتماسك الشرعية وقدرتها على مواجهة المشروع الإيراني في اليمن وإعادة تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين والشروع في إعادة التنمية والبناء.

لكن العديد من المراقبين يبدون تفاؤلا مبررا بأن تساهم الأزمة الحالية في إعادة بناء مؤسسات ومواقف الشرعية على أساس أكثر واقعية، وهو الأمر الذي سيحول دون اشتعال فتيل أزمات قادمة في حال تم التوافق على الأولويات في ما يتعلق بالملف اليمني محليا وإقليميا ودوليا والاتجاه للتفاوض مع اللاعبين الأصليين الذين يسيطرون على مزاج الشارع في شمال اليمن وجنوبه، وهو ما قد يفضي إلى حل سياسي أكثر واقعية وقابل للتنفيذ، ويخرج الملف اليمني من دائرة الجمود، ما يفسر بحسب مراقبين دعوة السعودية التي تقود التحالف العربي لمحافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي لزيارة الرياض والتي يتوقع أن تسفر عن نزع فتيل التصعيد داخل جبهة الشرعية.

وأشار المحلل السياسي اليمني منصور صالح لـ”العرب” إلى أن أبرز انعكاسات الإعلان عن المجلس الانتقالي أنه سيجعل من الجنوب شريكا فاعلا لا تابعا، كما سيضع الشرعية اليمنية في مكانها الطبيعي؛ إذ عليها أن تتعامل مع الجنوب وقضيته بعدل وإنصاف وإلا فإن الشعب الجنوبي وبقيادة مجلسه الانتقالي سيتجاوزها.

وكانت عدن قد شهدت حالة من الحراك الشعبي وعودة المظاهرات الاحتجاجية عقب إقالة محافظ عدن وقائد المقاومة الجنوبية عيدروس الزبيدي.

وأسفرت هذه التظاهرات عن إصدار بيان سياسي أطلق عليه “إعلان عدن التاريخي” تضمن عددا من التوصيات، اعتبرها بعض المحللين نقطة تحول في مسار القضية الجنوبية وعودة صريحة للمطالبة بانفصال جنوب اليمن نتيجة لما وصفه البيان بـ”قرارات العقاب السياسي والتحقيق مع أبرز رموز المقاومة، مما يعني الانقضاض على الشراكة السياسية لشعب الجنوب مع الشرعية المختطفة من قبل جماعة الإخوان المسلمين”.

وخرج الإعلان بعدد من التوصيات على رأسها تفويض عيدروس الزبيدي بإعلان قيادة سياسية وطنية (برئاسته) لإدارة وتمثيل الجنوب، والتأكيد على أن “جنوب ما بعد 4 مايو 2017 ليس كجنوب ما قبل هذا التاريخ” في إشارة إلى التحول المحوري في مطالب وسياسات الحراك والمقاومة الجنوبية.

6