مجلس القضاء الأعلى يتبرأ من محاكمة الخليفة هشام بن عبدالملك في النجف

السيستاني يرفض إرسال مندوب لحضور المحاكمة وأحزاب إسلامية فاشلة تلهي الشارع العراقي بقصص تاريخية.
الأربعاء 2018/02/28
إلهاء الناس عن القضايا الأساسية

بغداد - اضطر مجلس القضاء الأعلى، وهو أعلى السلطات في العراق، إلى التدخل لحسم الجدل بشأن حقيقة إجراء محاكمة في النجف، للخليفة الأموي هشام بن عبدالملك، عن “جريمة قتله زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب”، الذي ثار على الخلافة الأموية قبل 1313 عاما.

وأشعلت أنباء هذه المحاكمة وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد، تندرا، فيما يقول نشطاء إن “أحزابا إسلامية فاشلة تحاول إلهاء الشارع بهذه القصص، لتشتيت انتباهه عن القضايا الرئيسية”.

وتسربت تسجيلات فيديو تظهر محاكمة علنية للخليفة الأموي العاشر، في إحدى القاعات بمدينة الكوفة في النجف بإشراف نقابة المحامين في المدينة، حيث نطقت الهيئة القضائية بحكم الإعدام على هشام بن عبدالملك إثر إدانته بقتل زيد بن علي، بعد جلسات استغرقت 10 أيام.

ولم يحدد تاريخ بدء المحاكمة، لكن سكانا محليين في النجف قالوا إنها ربما جرت الشهر الماضي أو مطلع الشهر الجاري.

رشيد الخيون: المحكمة لم تجد بين جرائم الحاضر الفظيع شيئا، فكان الالتفات إلى الماضي
رشيد الخيون: الدرس التطبيقي لم يجد بين جرائم الحاضر الفظيع شيئا، فكان الالتفات إلى الماضي

وتسببت أنباء هذه المحاكمة في حرج بالغ للمؤسسة الدينية الشيعية في العراق. ووردت أنباء من مكتب المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني في النجف، أنه رفض إرسال أي ممثل عنه لحضور هذه المحاكمة.

إلا أن الكاتب السياسي فاروق يوسف اعتبر أن إجراء تلك المحاكمة حدث واقعي وليس افتراضيا كما قيل، مع الفكر الذي تتبناه الأحزاب الحاكمة التي تقوم صلتها بجماهيرها على أسس الإعلاء من النزعة الطائفية.

وقال يوسف في تصريح لـ”العرب”، “لقد سبق لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي على سبيل المثال أن تحدث عن جبهة الحسين وجبهة يزيد في الوقت الذي ترفع الميليشيات التابعة لتلك الأحزاب شعارات لا تفصح عن طائفيتها فحسب بل وأيضا عن تمسكها بمرويّات تصف أحداثا مر عليها أكثر من ألف سنة. فشعار من نوع "يا لثارات الحسين" يرفع في كل مناسبة وفي كل مكان".

ويقول نشطاء ومراقبون إن أحزابا سياسية من خلفيات دينية شيعية تحاول إحراج السيستاني بمثل هذه التصرفات، للحد من قدرته على التأثير الشعبي قبيل الانتخابات العامة المقررة في 12 مايو المقبل.

ويعرف عن السيستاني قدرته الكبيرة في التأثير على الميول الانتخابية للشارع الشيعي. ومنذ دعمه شبه العلني لقائمة الائتلاف الشيعي في انتخابات 2005، التي تسيطر على موقع رئيس الوزراء منذ ذلك الحين، ينأى السيستاني بنفسه عن التدخل في السياسة، ويكتفي بإرسال إرشادات عامة عبر منبر الجمعة الذي يعتليه ممثلوه في النجف وكربلاء.

لكن الأوساط السياسية تدرك أن السيستاني يملك قدرة كبيرة على توجيه مسار التوجهات الشيعية، شعبيا وسياسيا.

وأبرز تدخلات السيستاني غير المعلنة، جاءت العام 2014 عندما اعترض على تجديد الولاية الثالثة لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

وأصدر مجلس القضاء الأعلى، الثلاثاء، توضيحا قال فيه، إن محاكمة الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك التي جرت في النجف، “افتراضية غير حقيقية”. وأضاف أن هذه المحاكمة “رمزية لواقعة تاريخية وليست محاكمة حقيقية”.

وتابع، أن من أدار هذه المحاكمة هم ممثلون لا صلة لهم بالسلك القضائي.

وبحسب التسجيلات المسربة، فقد حكمت المحكمة بالإعدام على “المدان هشام بن عبدالملك المتوفى سنة 125 هجري، بتهمة قتل زيد بن علي بن الحسين التي وقعت قبل 1313 عاما”.

وتظهر التسجيلات أيضا أن القضاة كانوا ثلاثة، والمدعون بالحق المدني كانوا خمسة، فيما رفض أي محام التقدم للدفاع عن الخليفة المتهم.

وتتحدث المراجع التاريخية عن “ثورة” قادها زيد بن علي من الكوفة على الخليفة الأموي، في العام 122 هجري، لكن الأخير نجح في إخمادها وقتل حفيد أشهر أئمة الشيعة الإثني عشرية، وهو الحسين بن علي بن أبي طالب.

ويقول نشطاء عراقيون إن “الأحزاب السياسية عادة ما تحاول استثمار القصص الدينية في مواسم الانتخابات”.

وتزامنت هذه المحاكمة التاريخية مع الجدل الذي أثاره النائب عن ائتلاف دولة القانون، عباس البياتي، الذي قال إن التحالفات الشيعية المرشحة لانتخابات 2018 تماثل “أصحاب الكساء”.

وشبه البياتي زعماء التحالفات الشيعية الخمسة، وهم حيدر العبادي ونوري المالكي وهادي العامري وعمار الحكيم ومقتدى الصدر، بأصحاب الكساء الخمسة، وهم الرسول محمد وعلي بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد والحسن بن علي وشقيقه الحسين، الذين يروى أن “محمدا جمعهم ذات يوم تحت كساء يماني، فنزلت في الحادثة آية قرآنية، ثم سرت الواقعة مثلا”.

فاروق يوسف: المحكمة حدث واقعي وليس افتراضيا مع الفكر الذي تتبناه الأحزاب الطائفية الحاكمة
فاروق يوسف: المحكمة حدث واقعي وليس افتراضيا مع الفكر الذي تتبناه الأحزاب الطائفية الحاكمة

وأغضب حديث البياتي الشارع الشيعي الناقم على الأحزاب التي تسعى إلى توظيف المقدس الديني في حملاتها الدعائية.

واعتبر الباحث التاريخي العراقي رشيد الخيون أنه “على ما يبدو، أصبح الماضي يمثل المكاسب والمغانم، ومَن اقترح هذا النموذج تطبيقيا لا يهمه علم ولا قانون، إنما يهمه المكسب والمغنم، ومن الفداحة بمكان أن يحمل لقب الأكاديمي ناهيك عن لقب القاضي أو المحامي”.

وأوضح الخيون في تصريح لـ”العرب”، “أن الدرس التطبيقي لم يجد بين جرائم الحاضر الفظيع شيئا ما يقدمه، فكان الالتفات إلى الماضي، والمسرح الكوفة حيث قتل زيد بن علي بن أبي طالب في عام 122 هجري، وكان الخليفة في حينها هشام بن عبدالملك الذي توفي عام 125هـجري، ومعلوم أن الأخير قد نبش العباسيون قبره، وعبثوا بما تبقى من رفاته.

وتساءل الخيون، ماذا تعني إعادة المشهد بعد 1313 عاما على الحادثة غير الإصرار على التشفي والانتقام، مع العلم أن ثورة زيد ضد هشام لم يؤيدها ابن أخيه وأحد أبرز أئمة الشيعة جعفر الصَّادق  الذي توفي في عام 148 هجري، وأن المذهب الزيدي الذي حمل اسمه زيد صارت فروعه على أحد مذاهب السُّنَّة الأربعة وهو المذهب الحنفي”.

وأضاف “لمن هذه الرسالة موجهة يا تُرى، كي تُرفع الرايات وتتقابل الطوائف أم القضية قضية علم وأكاديمية؟”.

وقال “نعم زيد قُتل، ومصعب بن الزبير قُتل، والمختار قُتل، وقدمت الرؤوس على التوالي أمام منبر دار الإمارة بالكوفة، بعد أن قتل الأخير أحد أبناء علي بن أبي طالب، عبيدالله بن علي! وماذا يُراد مِن هذا التاريخ، هل المكوث في كهوفه في متوالية من الانتقامات والكراهيات؟”.

ودأبت جهات حكومية أو شبه حكومية على إقامة الآلاف من المزارات في مدن عراقية عديدة تخليدا لذكرى شخصيات لم يذكرها التاريخ غير أنه تم إضفاء هالة من القدسية عليها. وليس مسموحا في العراق مناقشة الأمر من جهة واقعيته، ذلك لأنه مرتبط بخرافة جرى تسويقها من أجل إشغال الشعب بما لا ينفعه في حياته اليومية وبما يجعله غير قادر على الالتفات إلى ما تنتجه ماكنة الفساد يوميا من كوارث، جعلت من العراق واحدا من أسوأ بلدان العالم على مستوى العيش.

Thumbnail
1