مجلس المسلمين واليهود في أوروبا يبعث واقعا جديدا للتعايش

أثارت الهجمات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت نقاطا حساسة في عواصم أوروبية مختلفة، سواء ثقافية أو سياسية أو دينية، عديد التساؤلات حول مستقبل التعايش بين مختلف الطوائف والأديان في أوروبا، خاصة وأن أزمات المهاجرين والأقليات بدأت تتعاظم وتسبب أرقا للسياسيين في أكثر من مناسبة. وقد دفع هذا الأمر إلى بعث عديد المبادرات لمأسسة التعايش بين الأديان، لعل أهمها وآخرها تأسيس “مجلس القيادة بين المسلمين واليهود” في أوروبا الذي يعد بادرة راقية للتسامح والانفتاح بين أتباع الديانتين.
الخميس 2015/09/17
توافق المسلمين واليهود على مجموعة من القضايا يعتبر تطورا فريدا في تاريخ التعايش بينهما

باريس- أعلن زعماء روحيون تأسيس مجلس يضم قادة اليهود والمسلمين في أوروبا، للدفاع عن الحريات الدينية ومحاربة التطرف، كما قال أحد مؤسسيه.

ويأتي تأسيس هذا المجلس في أوروبا في سياق محلي ودولي يتسم بالضغط العالي على المسألة الدينية والطائفية بشكل عام، وخاصة فيما يرتبط بالواقع الأمني. إذ تسربت أعداد من الخلايا المتطرفة داخل المجتمعات الأوروبية لتنزح ظاهرة الاعتداءات الإرهابية التكفيرية إلى داخل العواصم الكبرى لأوروبا، خاصة هجوم شارلي إيبدو الأخير الذي حصل في باريس.

وقال الحاخام موشيه ليفين الذي يرأس ديرا لليهود قرب باريس والمدير التنفيذي لمؤتمر الحاخامات الأوروبيين في تصريح صحفي “إن هذا المجلس هو أول مؤسسة تجمع بين اليهود والمسلمين في أوروبا، وهدفنا هو التعاون والذهاب بعيدا ليس فقط الحوار”.

ويجمع مجلس القيادة بين المسلمين واليهود نحو 700 من الحاخامات الأرثوذكس، والإغاثة الإسلامية العالمية، إحدى المنظمات غير الحكومية الرئيسية والمجلس الإسلامي لجمهورية ألمانيا الاتحادية.

ووفقا للحاخام ليفين، فان المجلس سيدعو إلى حماية الحريات الدينية (الطعام الحلال أو الكوشر، والذبح والختان) لدى الدول والمؤسسات الأوروبية. كما سيشدد هذا المجلس على “محاربة معاداة السامية وكراهية الإسلام والتطرف الديني”، بحسب تصريحات ليفين.

وأكد المجلس في بيان أن “المجتمعات المسلمة واليهودية تشترك في التراث، وكانت هناك جسور اتصال بينهما في الماضي، وسيسعى المجلس إلى بناء المزيد من الجسور داخل هذه المجتمعات في المستقبل”.

ونقل البيان عن الرئيس السابق لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية إبراهيم الزيات قوله إن “إنشاء منتدى يهودي إسلامي مسألة ملحة في الوقت الذي نرى فيه محاولات متكررة للحد من الحرية الدينية لأقليات معينة”. وأضاف “عندما نعمل معا، يمكن أن نحافظ على حقوقنا، وإذا بقينا معزولين سنفقد الحق في ممارسة شعائر ديننا”.

وأضاف إبراهيم الزيات أن المسلمين في أوروبا واقع قديم جدا ومرتبط بمنظومات اقتصادية واجتماعية غاية في القدم والتعقيد، مؤكدا أن العلاقات بين المسلمين والعرب منهم خاصة بأوروبا هي مسألة تاريخية طبيعية لا دخل لها في الإرهاب أو التطرف أو التغيرات السياسية الدائمة. وقال “لطالما دعا الإسلام ويدعو إلى محاربة التطرف والتسامح والعيش المشترك، ولطالما وقع الإسلام ضحية التطرف باسمه ولا يزال، والمسألة تتطلب من الجميع الحذر والوعي لدقة المرحلة وخطورتها، حيث المستهدف هو الأديان جميعا في تواصلها وحوراها”.

وتؤكد العديد من الأبحاث أن تاريخ التعايش بين اليهود والمسلمين يعود إلى عصور قديمة أي منذ بداية انتشار الإسلام وحتى اليوم، في العديد من المناطق داخل الجغرافيا العربية وحتى المجال الحضاري العربي الإسلامي مثل الأندلس وبلاد العجم وشرق أوروبا، ويظهر ذلك خاصة في المغرب. ويقول خبراء إن محاولة البحث عن التاريخ الحقيقي لاستقرار اليهود في المغرب يكتنفه الغموض، نظرا لندرة الأدلة الكافية، ولقدم استقرارهم الذي يقدره البعض بحوالي ألفي سنة.

ويرجع الباحث حاييم الزعفراني تواجد اليهود بالمغرب إلى أزمنة قديمة “فجذور يهودية الغرب الإسلامي تمتد إلى عهود سحيقة، إذ يُعد اليهود تاريخيا أول مجموعة غير بربرية وفدت على المغرب وما تزال تعيش فيه إلى يومنا هذا”.

ويسانده في هذا الطرح الباحث في تاريخ الأديان إبراهيم حركات الذي يقول “وقد كان مجيئهم إلى الشمال الأفريقي في هجرات منقطعة كان أولها مع الفينيقيين، والواقع أن اليهود تمكنوا من معايشة المسلمين في أجزاء كثيرة من المغرب”.

ومن بين الطروحات المختلفة في هذا الصدد، يبقى المتفق عليه هو أن اليهود ثاني عنصر استقر في المغرب بعد الأمازيغ، إذ انتشر اليهود في العديد من مناطق المغرب العربي بشكل عام في تونس والجزائر والمغرب، وقد كانت هناك هجرات عديدة من تلك المناطق نحو أوروبا ومن أوروبا إلى المغرب العربي، بطريقة مكنت العائلات اليهودية من القيام بجسور عائلية بين الضفتين “دعمت العلاقات بين الجانبين ولعل الظرف الذي خلقه المسلمون في هذه السياقات مكن من تعايش فريد وممتاز بين اليهود والمسلمين”، حسب قول الباحث المغربي إبراهيم حركات.

وأضاف “كانوا يتمركزون في الحواضر الكبرى، مثل فاس وسجلماسة وآسفي في المغرب وجربة التونسية، وقد تمكن اليهود طيلة القرون التي استقروا خلالها في المغرب العربي، من تكوين فئة اجتماعية متميزة من السكان المحليين، سواء من الناحية الدينية أو العرقية أو التقاليد، وتعتبر مرحلة الفتح الإسلامي للمغرب من أهم الفترات التي برز فيها اليهود وتمتعوا خلالها بمجموعة من الحقوق والامتيازات”.

وبالعودة إلى إنشاء مجلس القيادات المسلمين واليهود، دعا المجلس إلى تعبئة الموارد لتقديم الدعم للاجئين في أوروبا، إذ ورد فيه “نحض القادة السياسيين الأوروبيين على بذل كل جهد ممكن لضمان أمن اللاجئين”.

13