مجلس بو خلف.. قصة نجاح في الامارات

الأحد 2013/12/01
بو خلف ظاهرة إماراتية تستحق التقدير

أبوظبي – يقول أحد الأصدقاء ممن توافدوا على مجلس محمد خلف المزروعي إن هاتف "بو خلف" لم يتوقف عن الرنين من كثرة المهنئين. فما أن أعلنت جائزة الشخصية الاتحادية لعام 2013 في الإمارات، وهي جائزة سنوية يقدمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، عن اختيار المزروعي كشخصية العام، حتى انتشر الخبر بين عدد من الصعب إحصاؤه من أصدقائه.

بو خلف ظاهرة إماراتية تستحق التقدير. مجلسه مفتوح على مدار الساعة للجميع. يمكن أن تلتقي فيه بأهم الشخصيات العالمية، السياسية والفنية والاقتصادية، وبأبسط الناس ممن قدموا للتو من حدود الربع الخالي في واحة ليوا.

لا تستغرب أن ترى سفير دولة عظمى يجلس وهو يستمع إلى شاعر نبطي من بدو عمان. المخرج الأميركي جيمس كاميرون قضى أمسية هناك وتحدث عن الجزء الثاني والثالث من فيلم "أفاتار" الذي حقق دخلا أسطوريا بالمليارات. العراقي يجد في المجلس وطنا صغيرا وبديلا عن وطنه الذي يحترق. والموريتاني يجد من يستمع إلى شعره وكأنه في بلده.

في مدخل المجلس تجد كرسيا بسيطا يجلس عليه بو خلف. يرتدي ملابس رياضية إذا كان قد عاد للتو من تمارين رياضية يمارسها يوميا ومن دون انقطاع. أو يلبس الزي الإماراتي التقليدي فيختلط بين الضيوف حتى لا تعرف من هو صاحب الدار.

إنه تجسيد لجيل جديد في الإمارات استثمر الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الدولة، فيه، تعليميا وثقافيا. جيل درس في الإمارات ثم سافر للحصول على شهادات عليا من كبريات الجامعات الغربية. يستطيع أن يحاور باللغتين العربية والإنجليزية من دون تكلف أو عقد. جيل لا علاقة له بالصورة النمطية التي حاول الغرب، وبعض العرب، أن يلصقوها بالخليجي.

ساوى الشيخ زايد بين التقدم والمحافظة على الأصالة. وعلى الرغم من أن الكثير من الدول العربية والإسلامية تتحدث عن استراتيجية مشابهة، إلا أن البوصلة تضيع في الطريق ويظهر الناشز بين الهدف والنتيجة.. إلا في الإمارات. فالقادم من المنطقة الغربية في أبوظبي يتحدث عن التكنولوجيا ويفهم فيها كما يتحدث ويفهم في "البوش"، أي الإبل، التي يمتلكها ويعتز بها.

مهمة خلق هذا التوازن كانت في صميم اهتمامات القيادة الإماراتية. رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان لا ينقطع عن التذكير بأهمية التوازن بين المعاصرة والأصالة. ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يتابع شخصيا، وبشكل يومي، هذا الأمر. ثمة وعي كبير في الحفاظ على الهوية، ليس بشكلها التراثي فقط، ولكن ببعدها الوطني المحوري في دولة حديثة تأسست قبل عقود بناء على تراكم لتحالفات قبلية وحكم كان عصبه الولاء لشيوخ شاركوا أهلهم الفقر والرخاء على حد سواء.

بو خلف ظاهرة إماراتية تستحق التقدير. مجلسه مفتوح على مدار الساعة للجميع. يمكن أن تلتقي فيه بأهم الشخصيات العالمية، السياسية والفنية والاقتصادية


معرض الصيد والفروسية


بو خلف يعتبر نفسه جنديا في خدمة هذه الاستراتيجية؛ الثقافة والتراث والإعلام صنعته. وهو يدرك بعمق أهمية أن لا تضيع البوصلة في مسيرة التحديث.

قبل أكثر من 10 سنوات، استأذن المزروعي في إطلاق معرض فريد من نوعه هو معرض الصيد والفروسية الذي صار حدثا سنويا في أبوظبي. كان لافتا الاهتمامُ الشعبيُّ بالمعرض الذي جمع بين الصقارين وأصحاب الإبل ومربي كلاب السلوقي مع الصيادين، وبين الشركات المصنعة للتقنية المستخدمة في الصيد. كانت البيئة والحفاظ عليها في قلب اهتمامات المعرض الذي كشف عن جانب فريد من شخصية الشيخ زايد وهو إدراكه العميق لمسؤولية الإنسان عن البيئة الطبيعية.

معرض الصيد والفروسية، الذي لا يزال يسجل نجاحا بعد نجاح، خصوصا على المستوى الخليجي، كان مجرد البداية لمشروع ثقافي وتراثي أكبر: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.


هيئة أبوظبي للثقافة والتراث


من الصعب حصر ما أنجزته هيئة الثقافة والتراث خلال 6 سنوات من عمرها. قائمة المشاريع التي أطلقتها ورعتها جعلت أبوظبي عاصمة الثقافة العربية من دون منازع. المدير العام للهيئة كان محمد خلف المزروعي، الذي يردد دائما أنه المنفذ لسياسة خطها ولي عهد أبوظبي ورعاها. وثمة أوجه عديدة لتحول أبوظبي إلى عاصمة ثقافية للمنطقة ضمن الاستراتيجية المرنة التي تبناها المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، الذي لم يترك جانبا في الثقافة والتراث إلا وتم الاهتمام به.


* ديوان العرب:


برنامج "شاعر المليون" كان من البيارق العالية في مبادرة استعادة الاهتمام بالشعر النبطي البدوي في الخليج. منذ موسمه الأول، وصار ظاهرة تستقطب الاهتمام من قبل ملايين المشاهدين. حيث تبارى الشعراء وأثاروا الاهتمام، واجتذب البرنامج خليطا غريبا من المتابعين.. والحساد.

وتحول البرنامج إلى أكاديمية للشعر صارت تعنى بالشعر النبطي الشعبي والشعر العربي الكلاسيكي بأوجهه العمودية والحرة. وكانت "أكاديمية الشعر" في أبوظبي، أول مؤسسة عربية راسخة للاهتمام بديوان العرب. ثم جاء "أمير الشعراء" وهو اليوم البرنامج الأكبر لمسابقات الشعر العربي الفصيح. ولم يمر وقت طويل حتى نشأت قناة "شاعر المليون" التي تهتم بالشعر والتراث، والتي تحولت مؤخرا إلى قناة "بينونة" الثقافية. وهي كلها مشاريع المستفيد الأكبر منها هم الشعراء الذي ربحوا منبرا دائما لنتاجهم وأفكارهم.


* اهتمام بالكتاب:


مشروعات الكتب في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث هي مشروع متكامل، بدءا من إصدارات المكتبة الوطنية إلى مشروع "كلمة" للترجمة، وهو المشروع الأكبر في مجال الترجمة في العالم العربي، مرورا بمشروع "قلم" لرعاية الكتّاب الإماراتيين الشباب، وصولا إلى جائزة الشيخ زايد للكتاب، الجائزة الأشهر اليوم في مجال الكتاب في العالم العربي. أما معرض أبوظبي الدولي للكتاب فأعيد تشكيله ليكون رائدا في حماية الحقوق الفكرية وضمن معايير لا تقل عن أكبر معارض العالم.


* رعاية خاصة بالموسيقى:


"بيت العود" هو وجه من أوجه الرعاية للموسيقى العربية. ومهرجان "أنغام من الشرق" أحيى الاهتمام بفنون الغناء. وفي عهد الهيئة صارت مسارح أبوظبي ملتقى كبار الفنانين العرب. أما مهرجان أبوظبي للموسيقى الكلاسيكية فأعاد التذكير بالبعد العالمي للثقافة. وكل هذه المناسبات تحولت إلى أحداث سنوية لازمة للمهتمين من الشرق والغرب.


* عودة الروح للفن التشكيلي:


ما كان يمر أسبوع على أبوظبي إلا وهناك أكثر من معرض فني يقام في صالاتها الفنية، حيث يتوافد الفنانون من كل أنحاء العالم لكي يقدموا أعمالهم. وأعطت هذه الحركية والاهتمام بالفنون التشكيلية روحا جديدة لدور المزادات العالمية للاستفادة من الاهتمام الكبير الذي نشأ في المنطقة بالإنتاجات التشكيلية.


* الفن السابع يتألق:


انطلق مهرجان أبوظبي السينمائي ليكون الأكبر في المنطقة بعد دورة واحدة فقط. وأنشئت أكاديمية للفن السينمائي وأطلقت مبادرات لدعم السينمائيين العرب والإماراتيين.


* اهتمام بالمباني الأثرية:


أحيت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث العديد من المباني الأثرية والتاريخية في العاصمة الإماراتية’ على غرار قلعة الجاهلي في العين التي أصبحت اليوم شاهدا على القدرة على بعث الحياة في المباني التاريخية وتحويلها إلى معلم ثقافي وسياحي.

وفي سياق الاهتمام بإعادة احياء التراث تبنّت الهيئة الاهتمام بالتراث الحياتي والشفاهي للبدو. وأعادت احياءه من خلال إقامة مهرجانات الصقارة والإبل والرطب التي تجمع الإماراتيين في مناسبات سنوية تستقطب اهتماما خليجيا وعالميا غير مسبوق. وصارت المنطقة الغربية تنتظر ضيوفها القادمين مع إبلهم في كل سنة، مما خلق نموا اقتصاديا محليا ملموسا. حيث يتوافد الصقارون من كل أنحاء العالم للمشاركة في مهرجان أطلقه الشيخ زايد في السبعينات.


* التعليم في صلب الاهتمام:


الفجوة بين ما يتعلمه الطفل في المدرسة والحياة اليومية صارت أضيق. وصار الاهتمام بالثقافة والكتب والتراث برنامجا تربويا ضمن خطة تحديث أوسع لمفردات العملية التعليمية في أبوظبي.

ومن مشاريع الهيئة أيضا اصدار العديد من المجلات الدورية، على غرار مجلة "شاعر المليون" و مجلة "شواطئ" التي تهتم بنبض الثقافة والتراث في الإمارات والمنطقة. وهذا الاهتمام بالثقافة والفنون في كل مجالات الابداع رافقه حرص على إقامة المعارض داخل الإمارات والمشاركة في كبرى المعارض العالمية الهامة، من روسيا إلى السودان.

هذا الجهد الثقافي والتراثي والإداري الهائل كان بو خلف يتابعه بدأب منقطع النظير.

ثمة أوجه عديدة لتحول أبوظبي إلى عاصمة ثقافية للمنطقة ضمن الاستراتيجية المرنة التي تبناها المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي


شركة أبوظبي للإعلام


هذه نصف القصة في تلك السنوات الحافلة. أما النصف الثاني فترويه انجازات شركة أبوظبي للإعلام، التي تم اختيار المزروعي رئيسا لمجلس إدارتها.

الشركة تم تأسيسها ضمن عملية إعادة هيكلة للإعلام في الإمارات وأبوظبي تحديدا. وآلت إليها مؤسسات إعلامية عريقة مثل جريدة الاتحاد وتلفزيون أبوظبي. وكان مطلوبا من المؤسسة الجديدة أن تنافس في عالم إعلامي مزدحم بالمبادرات.

وعلى خطوط متوازية، عملت الشركة على تعزيز ما آل إليها من مؤسسات وتطوريها من خلال إطلاق حزمة متكاملة من المبادرات الإعلامية. وفي أقل من سنة كانت صحيفة الاتحاد ومجموعة قنوات أبوظبي الفضائية في قلب التنافس على القارئ والمشاهد المحلي والإقليمي.

المبادرات الجديدة بدأت ولم تتوقف: جريدة "ناشونال" بالإنجليزية، النسخة العربية من قناة ومجلة "ناشونال جيوغرافيك" العالمية، محطات راديو متخصصة، حزمة قنوات أبوظبي الرياضية، قمة أبوظبي للإعلام، التي يحرص رئيس غوغل أو رئيس فوكس نيوز على المشاركة فيها.

وفي ظل هذا الحراك، صارت أبوظبي حاضرة في مهرجانات السينما العالمية، ليس كمستقطب للاهتمام بمهرجانها السينمائي الخاص أو لمبادراتها السينمائية، بل كمنتج عالمي مشارك في صناعة أفلام كبرى في هوليوود وخارجها. وكانت شركة "إيميج نيشن أبوظبي"، التي رأس مجلس إدارتها المزروعي، أول محاولة جدية للتواجد في المشهد السينمائي العالمي. وقد كان الاستثمار في الإعلام العالمي هدفا معلنا للشركة التي اشترت، مثلا، حصة معتبرة في شركة "فيفو" التي صارت اليوم جزءا أساسيا من يوتيوب.

أبوظبي للإعلام كانت مدرسة أيضا لتطوير الكفاءات المحلية. فالكثير من مذيعي فضائيات أبوظبي أو "سكاي أرابيا" هم خريجو هذه المدرسة. وكان برنامج الأخبار المحلية "علوم الدار" المنبر الأول لهم.

شركة إيميج نيشن أبوظبي التي رأس مجلس إدارتها المزروعي، كانت أول محاولة جدية للتواجد في المشهد السينمائي العالمي


توليفة من الثقافة والتراث والإعلام


في مجلس بو خلف كنت ترى هذه التوليفة بين الثقافة والتراث والإعلام. ينصت الرجل إلى الشاعر السعودي والمنتج الأميركي بنفس الطريقة. في مجلس بو خلف يمكن أن تعرف كيف تنجح مؤسسة صاعدة مثل لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية، التي يرأسها المزروعي. الأفكار تتفاعل هناك بقوة. لكن الملهم الأول لهذه المشاريع يبقى الشيخ محمد بن زايد.

ولكن المجلس لا يخلو من السياسة. ثمة الكثير مما يقال عما يجري في المنطقة، خصوصا بعد نكبات الربيع العربي. تسمع حوارات الشباب وهم يقولون إني رددت على فلان عندما غرد بكذا والآخر يكتب قصيدة ليبين وجهة نظره ثم يوزعها على تويتر. في المجلس تستطيع أن تجس نبض المنطقة. هذا ما دعا سفراء غربيين ليكونوا ضمن الحضور الدائم في المجلس.

ولعل أهم ما في المجلس هو من يمكن أن تلتقيهم هناك. حيث يمر على المجلس أصحاب القرار يسمعون ويتحدثون فتستشف من الحديث ما يجول بعقول قادة المنطقة.

هناك أيضا تلتقي بالبدوي الطيب حمد المنهالي (المربوع) الذي يقول ما في خاطره فيجد أن ما يقوله حكمة صارت تفلت من أيدينا بزحمة الأحداث. في مجلس بو خلف يثور عليك الشاعر الإماراتي جمعة الغويص إذا حاججته في قصيدة فينظر الجميع إلى المزروعي كحكم، لكنه يبتسم دون أن يسعى للتدخل. مصدر قوة بو خلف أنه يحب بلده ويحب الناس. ولاؤه الوطني أولا، وولاؤه لأصدقائه لا يجارى.

7