مجلس تنظيم الإعلام المصري ينشط في جهات متعددة لاستبعاد الهيئات المنافسة

جهات إعلامية تفرض وجودها باتخاذ قرارات دون محاولات لتطوير المحتوى.
الجمعة 2021/05/07
مجلس الإعلام يستعرض نفوذه بمنع إعلانات من جميع المنصات

ينشط مجلس تنظيم الإعلام المصري بقوة في ممارسة صلاحيات كانت معطلة قبل استقالة وزير الإعلام السابق أسامة هيكل، ويحاول المجلس عبر جملة من التحركات والممارسات التنظيمية بعث رسائل للحكومة مفادها أنه لا حاجة لوجود وزير إعلام.

القاهرة - يتحرك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، في عدة مسارات لتقديم نفسه كجهة وحيدة لتنظيم شؤون الإعلام بعد استقالة أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام، للإيحاء بأنه كان مكبلا ومقيدا بسبب تضارب الصلاحيات مع الوزير السابق.

وأوقف المجلس الثلاثاء إعلانا كان يتم بثه على مختلف الفضائيات والمواقع الإلكترونية حول السبيكة العقارية، بدعوى أن الشركة المعلنة لم تقم بتوفيق أوضاعها مع هيئة الرقابة المالية، وجرى إلزام المؤسسات الإعلامية بمنع عرض الإعلان.

وبدأ مجلس تنظيم الإعلام يتعامل بشدة مع المؤسسات الصحافية والقنوات التي تتراخى في توفيق أوضاعها، وتوعدها بالمحاسبة الصارمة ومنحها مهلة أخيرة للتحرك للحصول على التراخيص قبل نهاية مايو الجاري، وإلا سيتم إصدار قرارات بالغلق.

ويوحي الوضع الراهن بأن المجلس يسعى بقوة لإعادة تقديم نفسه للحكومة وتوصيل رسالة مفادها أن معركة تضارب الاختصاصات مع وزير الإعلام لم تكن مفتعلة، بل مشروعة ومنطقية بدليل أن رحيله يسهل مهمة فرض السيطرة.

وتدرك الجهات المسؤولة عن تنظيم الإعلام أن الحكومة تراقب عن كثب، ما ستؤول إليه الأوضاع بعد انتهاء الصراع الذي كان محتدما مع وزير الإعلام، وهل سيكون رحيله عن المنصب إيجابيا، كما سوّقت هذه الجهات، أم لا، لأن بقاء الوضع على ما هو عليه قد تكون عواقبه وخيمة على رؤساء المنظومة الذين اعتادوا اختزال أزمات الإعلام في تضارب الاختصاصات.

وشهدت فترة وجود هيكل صراعات حادة بين الوزارة ومجلس الإعلام ونقابة الإعلاميين والهيئة الوطنية للإعلام، وحاولت كل جهة أن تستأثر بالنفوذ والكلمة العليا، ما أثر سلبا على الرسالة الإعلامية التي تصل إلى الجمهور على وقع الاستقطاب.

محمد شومان: مجلس الإعلام يكرّس الوضع الراهن بإقحام قضايا خارجة عن مهامه

وأكد محمد شومان عميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية بالقاهرة لـ”العرب”، أن أزمة مجلس تنظيم الإعلام بعد رحيل الوزير تتمثل في أنه يغلب الجانب العقابي على التنظيمي، للتغطية على غياب وجود فلسفة ورؤية واضحة للتطوير والإصلاح وتجاهل إعداد ضوابط واقعية تتناغم مع متطلبات الجمهور.

ويرى متابعون أن إصرار المجلس على استعراض صلاحياته يحمل رسائل ضمنية لدوائر صناعة القرار الحكومي، بأن المنظومة ليست بحاجة إلى وزير جديد للإعلام، بغض النظر عن مستوى تناغمه مع الجهات المسؤولة عن المشهد، وبإمكان المجلس القيام بكل المهام على أكمل وجه. وما يعزز هذا الطرح أن المجلس بدأ يسرع من وتيرة قراراته لتقديم نفسه على أنه أشبه بوزارة الدولة للعلاقات العامة والإعلام، حيث يقوم باستضافة وزراء في الحكومة، وإجراء حلقات نقاشية حول قضايا جماهيرية بمشاركة سياسيين وصحافيين ومتخصصين.

وحل وزراء الخارجية والبيئة والتموين والتضامن الاجتماعي والموارد المائية والري، ضيوفا على مجلس تنظيم الإعلام مؤخرا، حيث يقوم بسؤالهم حول الخطط التنموية، وعرض نجاحاتهم، والتحديات التي تواجههم، ثم يقوم بتقديمها للإعلام في صورة بيانات صحافية يتم إبرازها كإنجاز للمجلس.

ووفق اختصاصات الهيئات الإعلامية، فإنها لا تقوم بتحويل مقراتها إلى قاعات حوارية مع المسؤولين بالحكومة لتنافس الصحف والبرامج في الحصول على المعلومات من مصادرها، لأن ذلك يشغلها عن صميم مهامها، ويحولها من أداة رقابية على المنابر، إلى منافس لها في مخاطبة الجمهور.

وتعتبر مثل هذه النقاشات من صلاحيات وزارة الدولة للإعلام بأن تكون الجهة المتحدثة بلسان الدولة وتعرض إنجازات الحكومة في كل الملفات، لكن ذلك لم يحدث في عهد أسامة هيكل، وهي الفرصة التي أصبح ينتهزها القائمون على إدارة تنظيم المشهد لتقديم أنفسهم كبديل نشيط عن خمول الوزارة.

وأشار شومان لـ”العرب” إلى أن إصرار مجلس الإعلام على اقتحام قضايا وموضوعات خارجة عن مهامه يكرس بقاء الوضع الراهن ويجعل الخطة مقتصرة على زيادة الصلاحيات، بغض النظر عن انعكاس ذلك إيجابيا أم سلبيا على المهنة بشكل عام.

وقد يكون غرض هذه الحوارات أن يقوم المسؤولون عن الجهات الإعلامية بتبرئة ساحاتهم ضد الاتهامات التي تطالهم بأنهم فشلوا في مهمة القضاء على فوضى وعشوائية المنظومة، ويسعى هؤلاء لإظهار أنهم يمتلكون رؤية للإصلاح، شريطة أن يتم إطلاق العنان لهم للتصرف دون تضارب اختصاصات.

وبدأ المجلس مؤخرا يسوق لامتلاكه استراتيجية إعلامية للدولة، في إسقاط غير مباشر على أن الإستراتيجية التي أخفق في إعدادها أسامة هيكل طوال فترة وجوده بالمنصب مكتوبة وجاهزة للتطبيق، وينقصها الحصول على الضوء الأخضر لتفعيلها وفرض هيمنة المجلس.

وتتلخص ملامحها في أن تقديم إعلام هادف بالدرجة الأولى يحقق طموحات الدولة ويدفع المواطن للمشاركة في أعباء التنمية وإعداد السياسات التي تتصدى للشائعات وحروب الجيل الرابع، وتفعيل أدوار الإعلام التقليدي والجديد وتطوير المحتوى وفقا للمتغيرات الإقليمية والدولية وتوسيع التغطيات على مستوى جيد لقضايا مصر الدولية ذات البعد القومي والاستعانة بالمتخصصين فقط في مخاطبة الجمهور.

الجهات المسؤولة عن تنظيم الإعلام تدرك أن الحكومة تراقب عن كثب، ما ستؤول إليه الأوضاع بعد انتهاء الصراع الذي كان محتدما مع وزير الإعلام

ويرى خبراء في مجال الإعلام أن التحركات الأخيرة التي تشهدها المنظومة بعيدة عن مسألة التطوير وضبط إيقاع المشهد والتصدي للفوضى التي تغرق فيها الكثير من الصحف والقنوات المصرية، لأن القرارات التي جرى اتخاذها، والأسلوب الجديد في الإدارة، يوحيان بأن الهدف إعادة الاعتبار لمجالس الإعلام.

وما زالت بعض الجهات الإعلامية تمارس هواية اتخاذ قرارات بعيدة عن مضامين المحتوى، فهناك برامج تتمسك بالترويج لنفسها بأسلوب الإثارة واختلاق المعارك بين الخصوم، أكانوا رموزا اجتماعية أم سياسية أم فنية.

وتسعى بعض المنابر لتحقيق شهرة واسعة من وراء التفتيش في قضايا خلافية تثير الاحتقان، مثل البرامج الرياضية، ووجود بعض الصحف التي تتخذ من منصات التواصل مصدرا للمعلومات المضللة دون رقيب.

لذلك فإن إصلاح حال الإعلام المصري لا يرتبط فقط بإفساح المجال أمام جهة واحدة للهيمنة على المشهد واستعراض النفوذ على المؤسسات، بقدر ما يتعلق بوجود رؤية حقيقية واقعية قابلة للتطبيق على الجميع من دون انتقائية أو تمييز أو خنوع أمام من يمتلكون السلطة.

ويفتقد الإعلام المصري الحدّ المحكم من التنظيم لغياب الرؤية والفلسفة القابلة للتنفيذ والتي تحكم علاقته بالجمهور، ما أثر على الخطاب الإعلامي الموجه للداخل أو الخارج، ولا يمكن فصل ذلك عن استمرار الصراع المكتوم بين الهيئات والبحث عن أدوار مضاعفة لتوسيع الصلاحيات.

ويقول خبراء إعلام، إذا كان رحيل هيكل سهل مهمة المجلس في التحرك دون مضايقات، فهناك جهة أخرى أقوى من الوزارة والهيئات الإعلامية مجتمعة، وهي الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المالكة لأغلب المنابر يصعب تجاوزها أو تهميش دورها المؤثر في المشهد الإعلامي.

وكانت هذه الشركة في خلاف أيضا مع وزير الدولة للإعلام، لأنه حاول تقليص دورها الحيوي، ولن تصمت طويلا أمام محاولات استئثار مجلس تنظيم الإعلام بكل الصلاحيات، فقد تتيح هامش حرية للتحرك لحفظ ماء الوجه وسيكون ذلك في حدود معقولة لتجنب الصدام غير محسوب العواقب، لأن تركة الإعلام في مصر ثقيلة.

18