مجلس جديد ومزيج من الألم والأمل

الخميس 2014/07/03

وسط إدانة عالمية لمقتل الناشطة الحقوقية الشهيدة سلوى ابوقعيقيص، وترحيب من أوساط إقليمية ودولية بإنجاز الاستحقاق الانتخابي الخاص بمجلس النواب المؤقت.

يعيش المواطن الليبي حالة امتزج فيها الحزن بما يمثله الانتقام الوحشي، من امرأة سخرت نفسها لخدمة الوطن وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، واقتحام حرمة بيتها واغتيالها في وضح النهار، مع الأمل بدخول مرحلة جديدة بمناسبة الانتهاء من انتخاب المجلس النيابي المؤقت، الذي يكمل المرحلة الانتقالية، ويعد البلاد لبناء الدولة بمؤسساتها الدستورية، حيث سينتهي في بحر السنة القادمة من إنجاز الدستور، وإصدار قانون لانتخاب مجلس النواب الدائم، والاستحقاق الرئاسي وفق ما يحدده الدستور، لكي تعبر ليبيا من الحالة الثورية والمرحلة الانتقالية، إلى قيام الدولة المدنية الدستورية العصرية، التي تحمي حقوق المواطن وتصون كرامته، وتضمن له حرياته، وتتيح له المشاركة في الحكم وصناعة القرار.

شكل اغتيال الناشطة الحقوقية الأستاذة المحامية سلوى ابوقعيقيص جانبا معتما، ومعطى بائسا مؤسفا حزينا من معطيات الواقع الليبي، وما يعنيه من حضور فاعل لقوى التطرف والإرهاب، التي خرجت مثل وحوش الافتراس من كهوف التاريخ، وتسيدت على جزء من المشهد السياسي، ومارست الاغتيال لمئات الناشطين في الحراك السياسي والعسكري والحقوقي، وقامت فوق هذا وذاك بتدمير معالم أثرية بحجة أنها أوثان يجب القضاء عليها، وتجرأت على هدم مراكز الاقتراع ومنع الجمهور من الوصول إليها وحرمانهم من الإدلاء بأصواتهم لاختيار ممثليهم، وآخر هذه الأعمال الإجرامية تمت إبان الاستحقاق الانتخابي الأخير، حيث ظلت مناطق في الجبل الأخضر محرومة من اختيار ممثليها لأن هؤلاء الأصوليين الظلاميين التكفيريين، يرون في الانتخابات مظهرا من مظاهر العلمانية، يناقض تأسيس دولة الشريعة التي لا تحتكم لشيء إلا شرع الله.

وكانت آخر جرائمهم جريمة مثلثة الأضلاع، فقد اقتحموا بيت السيدة سلوى، واغتالوها بأسلوبهم الوحشي الذي لا يكتفي بالقتل وإنما التمثيل بالجسد تمزيقا بعد القتل، وعمدوا إلى ملاحقة الزوج الذي يقوم بدور يكمل دور زوجته، في الحراك الاجتماعي والسياسي، واختطافه دون أن يعلم أحد مصيره حتى الآن، ثم اقتحموا المستشفى الذي يعالج فيه عامل مصري كان يعمل في حديقة منزل سلوى، تعرض في البداية لوابل من رصاص القتلة، أصابه في قدمه، فأتموا داخل المستشفى مهمة قتله.

لم يكن الهدف من هذه الجريمة مثلثة الأضلاع، غير إسكات صوت امرأة كانت تبدى رأيا في بناء الدولة المدنية، وتسعى إلى المصالحة بين الأطراف المختلفة والمتنازعة لخلق توافق وطني بينها، فهي امرأة سلام وحوار وحقوق إنسان، ولم تحمل مسدسا ولم تمارس عنفا ولم تتخذ موقفا عدائيا من قاتليها، وإنما تدعو إلى التصالح والتوافق والحوار، فيكون الجزاء لما قامت به من عمل وطني حقوقي إنساني هو الاغتيال.

وعلى الجانب الآخر يمثل انتخاب مجلس النواب المؤقت، تحديا لهذه القوى الظلامية الإجرامية، وإصرارا من الشعب الليبي على تجاوز هذه المحنة، التي جاءت مع انتشار السلاح وخروج المساجين الجنائيين من السجون، وعودة الجهاديين الذي تمرنوا على القتل والتوحش في جبال أفغانستان وكهوف تورا بورا، وجلبوا بعض أمراء الجهاد من الصومال ونيجيريا وتونس والسودان والجزائر، وسعوا لبناء قاعدة لمتطرفي تنظيم القاعدة في مناطق ليبية بينها مدينة درنة، واختاروا بعض المناطق ذات التحصينات الطبيعية في الجبل الأخضر، ينطلقون منها لمحاربة التوجهات المدنية، لتأكيد سيطرتهم على المشهد السياسي، كما أن هذا المجلس، يأتي في أعقاب تجربة مريرة عاشها الشعب الليبي مع المؤتمر الوطني العام، الذي تسلل إليه بعض عتاة المتطرفين، ووجدوا دعما من أهل الإسلام السياسي الذي يدعي الاعتدال.

ورغم غلبة التيار المدني متمثلا في نواب التحالف الوطني، إلا أن عناصر مستقلة، أنشأت مجموعة من الكتل السياسية، انضمت إلى كتل الإسلام السياسي، وعلى رأسها حزب العدالة والبناء، شأن تلك الكتلة التي تكونت من مستقلين تحت اسم كتلة “الوفاء للشهداء”، ثم حزب جبهة الإنقاذ ذات المنشأ الاخواني، بالإضافة إلى تكتل رابع هو الحزب الوطني الذي يقوده عبدالرحمن السويحلي، وهي كتل اكتسبت قوتها من وجود ميليشيات تدين لها بالولاء، واستطاع تيار الإسلام السياسي عبر تلويناته الكثيرة، تطويع المؤتمر الوطني إلى إرادته، وباشر تمكين عناصر من السيطرة على مفاصل الدولة، بحيث سيطر على مناصب وكلاء الوزارات، وعلى مناصب في مصرف ليبيا المركزي ومؤسسات اقتصادية ومالية أخرى، إلى حد أن رئيس الوزراء كان يجد نفسه عاجزا عن منع معونات من خزينة الدولة الليبية، تذهب إلى جماعات إسلامية متطرفة، كما صرح هو نفسه بذلك، علاوة على تمويل كل الميليشيات المتطرفة في ليبيا التي تغولت وكبرت وأضافت إلى اعضائها من غير المشاركين في الثورة عساكر من كتائب القذافي، بل ومجرمين من أصحاب الجرائم الجنائية.

هناك أمل كبير أن هذه التجربة المؤلمة لن تتكرر مع مجلس النواب الجديد، فهناك علامات تشير إلى أن التيار المناصر للدولة المدنية الدستورية، يشكل أغلبية مقارنة مع دعاة الدولة الدينية، علاوة على أن بنغازي التي ستكون مقرا للمجلس الجديد، لن تتيح للميليشيات التي اعتمد عليها المؤتمر الوطني السابق بأن تمارس ضغطها وإرهابها في بنغازي، بالإضافة إلى أن بروز الجيش الوطني، بما لديه من عداء للتيار الظلامي الإسلامي ومناصرة للدولة المدنية الدستورية، لن يسمح بتلك الممارسات والضغوط التي مكنت الاسلاميين من اختطاف المجلس، الذي يمثل الشرعية في البلاد.

نعم ستظل هناك ميليشيات تتبع هذا التيار، ولكنها ستبقى مثل مطاريد الجبل، لا وجود لحاضنة شرعية تحتضنها، كما كان الحال مع المجلس الوطني السابق الذي رحل مذموما ملاحقا بلعنات الناس والتاريخ.


كاتب ليبي

9