مجلس لإنقاذ الإسلام

السبت 2014/08/02

شهدت العاصمة الإماراتية أبوظبي إعلان تأسيس مجلس حكماء المسلمين برئاسة شيخ الأزهر أحمد الطيب والعالم الجليل عبدالله بن بيه. وتتطابق أهداف المجلس مع مقاصد الشرع: التأكيد على قيمة السلم و”شن الحرب على الحرب” وحفظ الناس في دينهم ودمائهم وأنفسهم، وتقوية مناعة الأمة ضد خطاب العنف والطائفية والكراهية.

آمل أن لا يكون هذا المجلس شكليا وسلبيا كمجالس كثيرة، خصوصا وأن المرحلة التي تمر بها المنطقة جد خطيرة ومرتبطة بصورة الإسلام في جوهره. وآمل أن يستفيد المجلس من أسماء لها ثقلها في حماية الصورة الإسلامية وتجديد خطابها، كالمفكر اللبناني رضوان السيد والعالم السعودي د. عبدالوهاب أبو سليمان والمفتي المصري علي جمعة.

هناك مخاض عظيم داخل الإسلام – كما يرى رضوان السيد – دخلت فيه ضد الدين فئتان، فئة باسم الإسلام الشيعي ضد الإسلام السني وفئة باسم التنوير. الفئة الأولى هي تلك التابعة للفلك الإيراني صراحة، أما الفئة “التنويرية” التي يقصدها (السيد) هي تلك الحريصة على إثبات سنية الجماعات المتطرفة بدلا من الهجوم عليها مباشرة استهدافا للسنة وخدمة للنظام الإيراني وكالة بلافتة اليسار او القومية العربية. ويرى (السيد) أن هذا المعسكر الكاره للعرب وللإسلام موقفه من الثورة السورية – مثلا – سابق لاختراقها من الإسلاموية، هم منزعجون من جرائم داعش والقاعدة وغير منزعجين البتة من مذابح المالكي والأسد، يرون الطائفية في أي معارضة للمحور الممانع ولا يرون طائفية الممانعين.

ورغم الاتفاق مع ما ذكره (السيد) في مقالته “الحملة على الإسلام وعلى العرب”، إلا أنه ثمة إشكالية يندر التطرق إليها لأسباب سياسية، وهي انتماء الفصائل الإرهابية إلى المذهب السلفي حصرا. إن الصورة السلبية التي طغت على الإسلام مؤخرا – بسبب أحداث المنطقة – لا شك في ضلوع إيران خلفها، لكن التيار السلفي داخل الإسلام هو مشكلته الداخلية التي تسهل استهدافه من الخارج وتخلخل أسسه من الداخل.

هناك فوارق رئيسة بين السلفية وبين السنة. الفارق الأول هو تثليث التوحيد: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات الذي اتخذته السلفية بابا للمفاصلة مع الآخر السني خصوصا وبث الفرقة بالتكفير بين المسلمين عموما. الفارق الثاني يتجلى في رواسب التجسيم، أي ما يوحي بآدمية الصفات الإلهية بحيث يكون الإله بشرا ضخما من جهة ويكون من حقق نصيبا من السلطة أو شيئا من الكمال البشري إلها صغيرا من جهة أخرى (راجع كتب العقائد التيمية)، ويتجلى الفارق الثاني – أيضا – في رواسب الناصبية، أي مجافاة آل البيت أو معاداتهم (وبإمكان المهتم مطالعة كتاب “منهاج السنة النبوية” لابن تيمية ليرى انتقاصه من علي بن أبي طالب وابنه الحسين). الفارق الثالث يتجلى في رفع شعار الحاكمية (الإسلام السياسي)، وهو منتم لتوحيد الألوهية أساسا، ثم نظر له المودودي وسيد قطب لتلتقطه الجماعات السلفية – مرة أخرى – وبسببه كفرت الناس والحكومات.

السنة – تاريخيا وعقديا – هم الأشاعرة والماتريدية (إذا كان السنة هم 90 ٪ من أهل الإسلام، فالأشاعرة هم 90 ٪ من أهل السنة)، وهم – فقهيا – أتباع المذاهب الأربعة، والسلفية معادية للسنة (الأشاعرة والماتريدية) وتجافي المذاهب الأربعة باستثناء الآراء المتشددة، تدور كل المنظمات الإرهابية في فلكها ويتطابق خطابها الاجتماعي والثقافي مع (داعش) وتنظيم القاعدة، وحتى في الخطاب العقدي جميعهم يستسهل التكفير وسفك الدماء ويقسم ديار المسلمين إلى دار كفر ودار إسلام. ما حضرت السلفية في مجتمع إلا وحضرت الفتنة معها، بدءا بالتكفير وإقصاء الآخر قبل استباحته وترويج خطاب الكراهية والطائفية والعنف ضد السنة قبل غيرهم، وليس انتهاء بتشويه صورة الإسلام والمسلمين. السلفية تعادي فكرة الوطن وقيمة المواطنة، وتنظر بعين سلبية إلى حقوق المرأة وحقوق الإنسان والحداثة وسيادة القانون والدولة المدنية، وتزدري العقل وحرية الفرد، أي أنها التصور النقيض لأي مشروع نهضوي منتظر. مؤخرا أعلن التيار السلفي في الأردن وباكستان والسودان وسوريا مبايعة خليفة داعش.

إن تسمية السلفية لأنفسهم “سنة” عبء كبير على السنة وعلى الإسلام، وعلى مجلس حكماء المسلمين أن يعلن صراحة أن السلفية وجماعات الإسلام السياسي والعنفي خارج النسيج السني، وإلا فقل على السنة – والإسلام – مزيدا من الضياع والدمار.

قد يأتي من يقول إن السلفية تزعم اتباع سنة النبي والسلف الصالح والمذاهب الأربعة، وهذا لا معنى له، لأن كل الفرق الإسلامية ترى ذلك وتعتقد أنها في صف الحق. إن ما يعنينا اليوم هو التطبيق لأنه الصورة الحقيقية للنظرية.

يزعمون أن السعودية هي قلعة المذهب السلفي، وهذا غير دقيق، خصوصا وأن المملكة أكبر المتضررين من المذهب السلفي عبر عمليات الإرهاب وتعطيل التنمية، حتى أن المشروع الإصلاحي الذي يقوده خادم الحرمين الشريفين ليست له معارضة إلا من السلفية.

المأمول من مجلس الحكماء – أيضا – اعتماد أصول الدين التي أوردها الإمام محمد عبده في كتابه (الإسلام دين العلم والمدنية) كنقطة انطلاق لتجديد الإسلام بما يحقق مقاصده ويناسب عصره الراهن وأفقه المستقبلي: النظرة العقلية في تحصيل الإيمان، تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، البعد عن التكفير، مودة المخالفين في العقيدة، هدم المؤسسة الدينية والإتيان عليها من أساسها، الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، حماية الدعوة إلى الإسلام، الاعتبار بسنن الله في خلقه والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى.

إن اللحظة الراهنة بحاجة إلى لقاء تاريخي يجمع المرجعية السياسية للسنة (خادم الحرمين الشريفين) مع المرجعية الروحية السنية (شيخ الأزهر) لإنقاذ الإسلام من الاستهداف داخلا وخارجا، ولتدشين مرحلة جديدة في دنيا العرب والمسلمين، ومن دون هذا اللقاء الكبير فإن جهود المخلصين ستضيع سدى، فـ (الأزهر) يمثل رمزيا عقل الإسلام، والحرمان الشريفان يمثلان حقيقة قلبه النابض، وليس هناك جسد إلا بالعقل وبالقلب معا.


صحفي سعودي

9