مجمل الكلام في تحرير الإسلام

الاثنين 2014/06/09

خلاصة القول ومجمل الكلام- وهذا رأينا في مسألة تحديث الخطاب الديني في الإسلام- أنّ الواجب الأخلاقي والشّرط التنمـوي يستدعيـان منّـا العمـل علـى تحـرير الخطاب الديني في الإسـلام مـن خمسـة قيود كانت ولا تزال تكبله وتعيق تطوره:

أولاً، تحرير الخطاب الديني من النّظرة السحرية للعالم: بحيث لا يجوز عقلاً ولا يليق شرعاً أن نُخرج النّصوص والشّعائر عن سياقهـا التعبّـدي ونستعملها كتريـاق أو رقية أو وصفة سحريـة لغايـة الخلاص من الفقر أو الشفاء من المرض، أو لأجل صرع الجن وطرد الشياطـين، أو بغية العثور على حلول سريعة لبعض المشاكل الفردية أو الجماعية.

فقد كان هذا الاستعمال السحريّ للدين ولا يزال يمثل عائقاً كبيراً أمام بناء مجتمع العلم والمعرفة.

ثانيا، تحرير الخطاب الديني من التّوظيف الأيديولوجي: بحيث يجب الكفّ عن استعمال الخطاب الديني في إطار الصراع من أجل السلطة. فقد كان هذا الاستعمال ولا يزال مفتوحاً على جحيم الفتن التي لا تبقي ولا تذر. لماذا؟ لأنّ النصّ القرآني حمال أوجه، لا يُعرف مُحكمه من متشابهه إلاّ من باب التأويل، ولا ناسخ أحكامه من المنسوخ إلاّ من باب الترجيح، فضلا عن أنّ النص الحديثي والصحابي والتابعي لا يمثل دائرة محدّدة أو قابلة للتحديد.

وبسبب ذلك يصبح استعمال الدين في الصراع على السلطة عائقا كبيراً أمام بناء مجتمع التوافق والتفاهم والتواصل والتعايش. بل لم يعد خافياً على أحد أنّ التوظيف الأيديولوجي للدين كان ولا يزال يمثل أصل الفتن في “دار الإسلام” منذ موقعة الجمل والفتنة الكبرى والنّهروان مروراً بالأزارقة والقرامطة والحشّاشين، وصولاً إلى داعش والنّصرة وبوكو حرام وغيرها.

ثالثاً، تحرير الخطاب الديني من النفس الغضبيّة: فإذا كان مؤسس الفلسفة السياسية أفلاطون يصرّ على اعتبار السياسة وظيفة النّفس العاقلة حصراً، وليست وظيفة النّفس الغضبيّة على سبيل الإضافة أو المثال؛ فلأنّ إثارة مشاعر الغضب والحقد والانتقام تدمر قدرة صنّاع القرار على إعمال العقل، وتضعف قدرة النّاس على التّواصل العمومي.

وليس يخفى أنّ فن التّخاطب هو أداة الممارسة السياسة بمعناها الأصيل والنبيـل، من حيث هي نقاش عمومي وتفاوض بالعقل وتوافق بالحس الإنساني السليم. ألم يقل ميشال فوكو إن السياسة هي فلاحة الكلمات؟ وإذا كان الأمر على ذلك النّحو، لا يجوز للخطاب الديني أن يستمرّ في تدمير أعمدة مدينة السياسة، لا يمكنه أن يستمر في انتهاج أسلوب التحريض والتجييش والتهييج ودغدغة مشاعر الاحتراب والحمية والعدوان. فإن من يصـرخ لا يفكر.

رابعاً، تحرير الخطاب الديني من النّزعة الطائفية: وهنا ليس ثمّة من مجال للشك في أنّ النّزعة الطائفية التي يعاني منها الخطاب الديني تدمر النّسيج الوطني للمجتمعات مثل العراق وأفغانستان، وتهدد الوحدة الوطنية لمجتمعات مثل باكستان واليمن، وتكاد تجهز على أحلام التغيير الديمقراطي في مجتمعات مثل سوريا والبحرين.

خامساً، تحرير الخطاب الديني من مفاهيم الفقه التقليدي: وهي مفاهيم رائجة ويقود استعمالها إلى تقويض قيم المواطنة وإجهاض ممكنات الحداثة السياسية، من قبيل مفاهيم دار الإسلام ودار الحرب، وعقيدة الولاء والبراء، ومصطلحات كثيرة على شاكلة الحريم، والعورة، والطاعة، والجماعة، والرعية، وأهل الذمة، إلخ. ولسنا نرى أيّ ضرر إذا استبدل الخطاب الديني تلك المفاهيم القداميّة بمفاهيم حداثية من قبيل المواطنة والتعدديّة والمساواة والتناوب والحرية والحب والطموح والإبداع، بما في ذلك خطاب المساجد من باب أولى.

عموما، تلك هي العناوين الخمسة الكبرى لأجل تحديث الخطاب الديني في عالمنا الإسلامي، كما نراها ونعيد بسطها إجمالا.

كاتب مغربي

8