مجموعات الإلتراس.. الإبداع الشبابي ومخاطر التوظيف

الثلاثاء 2017/06/20
ارتفاع منسوب الحرية

ظاهرة الروابط الشبابية لتشجيع الأندية الرياضية أو ما اصطلح على تسميتها بـ“الالتراس” ليست ظاهرة عربية أو حدثا جديدا طرأ على الملاعب العربية، بل هي ظواهر نشأت منذ عقود وعرفت تطورات كثيرة واكبت التحولات السياسية والاقتصادية والرياضية التي مرت بها البلاد العربية.

تنشد مجموعات الإلتراس في المقام الأول، المعلن على الأقل، تشجيع فرقها والذود عن ألوانها بالأهازيج أو اللوحات والشعارات واللافتات التي ترفع في الملاعب، إلى درجة ان التنافس بين الفرق الكبرى تحول من المستطيل الأخضر إلى المدرجات، حيث أصبحت مباريات الأجوار أو “الديربيات”، تعرف منافسة شديدة في من يقدم عرضا فرجويا أقوى وأكثر تعبيرا يستفز به الفريق الخصم أو يمجد تاريخ فريقه، إلا أن المتمعن في تاريخ هذه المجموعات وفي تعبيراتها يتبين له أن المسألة تخرج من التنافس الرياضي الصرف إلى استحضار دلالات سياسية واجتماعية وثقافية في ما يقدم من “خطاب” على المدارج.

العودة إلى تقييم خطاب مجموعات الإلتراس قبل الثورات العربية ومقارنتها بما يقدم اليوم، كاف لتمثل أن تلك المجموعات استحضرت أو استبطنت التحولات الكبرى التي مرت على البلاد العربية، وحتى الأقطار التي لم تكن في مسار رياح الثورات فإنها لم تنج من تأثيراتها في هذا الباب.

قبل مفصل 2010-2011 كانت المجموعات الشبابية التي تتصدر المدارج الرياضية تقدم خطابا فرجويا قويا على مستوى الجمالي ولكنه كان يخلو من الرسائل السياسية المباشرة، وإن حضرت السياسة فإما على استحياء وإما إضمار، وإن حاولت التطاول على المحاذير فإنها تمنع ببساطة، ووقائع منع عرض “الدخلات” وتسمى الطلعات في المغرب (جمع دخلة وهو العرض الجماهيري الذي يقدم قبل انطلاق المقابلة) كثيرة ومتعددة في تونس وفي أقطار عربية أخرى متعددة.

على أن هذا لا ينفي وجود خصومات بين مجموعات الإلتراس وعناصر الأمن خاصة في تونس وفي مصر، والواضح أن مجموعات الإلتراس توصلت إلى أن تمرر رسائل ثورية تعتمد شخصيات من التاريخ أو من السينما عرفت بالرفض وعدم الخنوع (أرنستو تشي غيفارا كان كثير الحضور في اللافتات التي ترفع في الملاعب التونسية) فضلا عن الأغاني والأهازيج التي تشدد على التمرد والرفض، وقد علل البعض ذلك بالتحاق أعداد كبيرة من الشباب اليساري بمجموعات الإلتراس انطلاقا من العام 2005 وما تلاه.

بعد الثورة ومواكبة لحالة الانفلات العام، ولارتفاع منسوب الحرية تجاسرت المجموعات الشبابية، والتي زاد عددها بالمناسبة، على الولوج في مناطق كانت محظورة في السابق، بأن أصبحت تستحضر قضايا تمثل الهم الوطني العام من قبيل مساندة أو رفض طرف سياسي محدد، أو التفاعل مع القضايا الإقليمية العربية (من قبيل مساندة القضية الفلسطينية أو التنديد بحصار غزة)، وهنا بدأت الأسئلة مشروعة عن حدود البعد الرياضي في نشاط تلك المجموعات، أو أين ينتهي الرياضي ويبدأ السياسي؟

الواضح أن روابط التشجيع بوصفها مؤلفة في أغلبها من الشباب التلمذي والجامعي، كانت تتأثر بما يسود البلاد من حراك وأحداث، ولذلك فإن خطابها وشعاراتها وأهازيجها تأثرت بالسياق السياسي العام، ولذلك تغيرت الرسائل من تمجيد الفريق واستحضار تاريخه وألقابه في البداية، إلى تقديم مواقف سياسية واضحة لا تحتمل اللبس، مثل مواقف إلتراس أهلاوي في مصر من الثورة المصرية أو من أحداث ملعب بورسعيد في فبراير 2012، أو إلتراس الزمالك حين طالبوا بالقصاص لضحايا “مذبحة الدفاع الجوي” مع المطالبة بـ“إعدام مرتضى منصور” (رئيس النادي).

وجاءت اللافتة التي رفعتها مجموعة من جماهير النادي الأفريقي التونسي في نهائي كأس تونس للعام 2017، لتؤكد حضور السياسي في المدارج الرياضية وتعزز مشروعية الأسئلة، فقد حملت اللافتة إشارة إلى المقاطعة المفروضة على قطر من قبل دول مجلس التعاون الخليجي ومصر.

مجموعات الإلتراس تقدم ثقافة احتجاجية رافضة للسائد وللمألوف، تعتمد الأهزوجة واللافتة، وهي ثقافة جديرة بالدراسة الاجتماعية والنفسية، لأن ما يرفع في المدارج هو استعادة شبابية لما يسود خارجه من واقع مركّب ومتداخل، ولعل محاولة رسم حدود فاصلة بين الرسائل الرياضية والسياسية غير جائزة في هذا المقام لأسباب عديدة منها أنه لا يمكن الفصل بين الرياضة والسياسة في الملعب أو خارجه، وهذا لا يمس فقط الأقطار العربية بل هو مسلّمة تنسحب على كل العام، ولذلك يمكن تقبّل تلك التعبيرات الجمالية التي تزيّن الملاعب على أساس أنها اختصار شبابي مكثف للوضع العام، مع ضرورة الانتباه إلى خطورة التوظيف السياسي أو الأيديولوجي، وهنا يأتي دور الإعلام والمجتمع المدني والمنظمات الشبابية التي يمكن أن تطلق إبداع الشباب وإن كان رافضا على أن تجنبه مطبات التوظيف.

12