مجموعة العلوم الحقيقية مصل شبابي عراقي مضاد للطائفية

قد يبدو الحديث عن مجموعة شبابية عراقية تطلق على نفسها اسم “العلوم العراقية” أو أختها التي تحمل وسم “المشروع العراقي للترجمة”، ترفا غير ذي صلة بالأوضاع التي كبلتها أسقام الطائفية والمذهبية وآثار حكم الأحزاب الدينية، إلا أن التمعّن في ما تتطلع إليه المجموعتان، يجعل لهذا الفعل الشبابي غير المعتاد أهمية استثنائية.
الثلاثاء 2015/10/06
"أنا عراقي أنا أقرأ" تظاهرة النضال الفكري ضد أفكار الخرافة والطائفية

“موقع العلوم الحقيقية يهدف إلى نشر ثقافة العلوم”، هكذا ترسم مجموعة العلوم الحقيقية التي تأسست عام 2011، خطها العام. و”لأن عقودا من الظلام الفكري لا تنتهي إلا بمعرفة الآخر الناجح.. فلا بد من الترجمة”، كان ذلك شعار مجموعة المشروع العراقي للترجمة.

العلوم الحقيقية، والمشروع العراقي للترجمة، مجموعتان شبابيتان تناضلان من أجل القطع مع الواقع العراقي المأزوم، سياسيا وثقافيا واجتماعيا. لكن النضال يتخذ سقفا أعلى من المعتاد. ما مدى قدرة المجموعتين على إحداث تغيير في طرائق تفكير المجتمع العراقي؟

إشاعة الفكر العلمي العقلاني بديلا عن فكر الخرافة والدجل والتحنيط، هو ما آمنت به هذه المجموعات، وانطلقت في تحقيقه وإنجازه عبر ترجمة كتب ومقالات علمية تتعاطى مع مواضيع شتى، إلى اللغة العربية، انطلاقا من قناعة مفادها أنه بإشاعة المزيد من الفكر العقلاني تمكن مكافحة العنف في العراق.

النبش في مقاصد المجموعتين، كما التثبت في هذه القناعة، يحيل إلى مسلّمة جوهرها أن استشراء العنف والطائفية (بوصفها عنفا مسيّسا ومقصيا للآخر) ناتج عن انحسار الثقافة العقلانية وسيادة الثقافة النقلية الجامدة، ومن هنا تبيّن لهؤلاء الشباب أن ضرب الهراء الطائفي “المزدهر” في العراق يقتضي ضرب أسسه الفكرية، وبناء ثقافة بديلة قد تتوصل لبناء مجتمع يعلو على انتماءاته الطائفية وينتصر للانتماء الوطني.

“لا يهدف المشروع العراقي للترجمة إلى الترويج لأيّ فكر أو منهج أيديولوجي أو ديني؛ بل يهدف، فقط، للترويج إلى الفكر الرصين البنّاء ونقد الخرافات، بغية التأسيس لمعرفة تساعد على التنمية الشاملة”. هكذا قدم المشروع أهدافه وغاياته وطريقه وأسلوبه، في موقعه الرسمي.

ضرب الهراء الطائفي المزدهر في العراق يقتضي تنقية أسسه الفكرية وبناء ثقافة مواطنية بديلة

يقول حيان الخياط، أحد مؤسسي مجموعة العلوم الحقيقية، متحدثا عن دوافع تأسيس المجموعة “لا نستطيع أن نحتمل أولئك الذين يزعمون أنه بإمكانهم صنع المعجزات والذين يستخدمون هذا الادعاء للوصول إلى السلطة والمال”. ويعزز تصوره بالقول “لدى مجتمعنا ميل للاعتقاد في هذه الأمور، وخاصة عندما تأتي من مرجعية دينية”.

جدير بالذكر أن المجموعتين اللتين تعملان بشكل متواز ومتناسق مع المحافظة على استقلالية كل مجموعة، دشنتا منذ العام 2012 عملية حثيثة لترجمة المواد العلمية الهامة وتعزيز الإنجازات العلمية عبر وسائل الإعلام الاجتماعية، وتكلل هذا التطوع الشبابي بتنظيم المبادرة التي ذاع صيتها عام 2013، وهي تظاهرة “أنا عراقي أنا أقرأ”، والتي احتضنها شارع المتنبي في بغداد، وكان ذلك بالتعاون مع فعاليات شبابية ومدن عراقية عديدة.

ولئن لا يمكن، الآن، قياس أثر فعل المجموعتين، تبعا لأن هذه المشاريع لا يمكن أن تؤتي أكلها بين عشية وضحاها، إلا أن ذلك لا يمنع من تبيّن النجاح النسبي لهذه الحركات الشعبية الداعية إلى التغيير الاجتماعي الإيجابي، من خلال بعديْن على الأقل. الأول، الإشعاع وحجم المتابعة اللذين تحظى بهما المجموعتان على شبكات التواصل الاجتماعي رغم “نخبويتهما” البادية للعيان، وتكفي الإشارة إلى أن صفحة مجموعة العلوم الحقيقية تضم أكثر من 40 ألف متابع، في حين نجحت صفحة الموقع العراقي للترجمة في استقطاب ما يفوق 80 ألف متابع.

تظاهرة "أنا عراقي أنا أقرأ" ردا فكريا هادئا على العنف الأهوج، وسيكون للمجموعتين، اللتين باشرتا الحفر في أركيولوجيا الأمراض العراقية المزمنة، حتما وقع على الواقع شرط الاستمرار والمثابرة

أما البعد الثاني لمحاولة قياس الأثر، هو حتما التهديدات التي تطال أعضاء المجموعتين إلى درجة تدفعهم (أي الأعضاء) إلى تخفيف اللهجة أو التوقف المؤقت عن الكتابة، كما يقول حيان الخياط. ويفهم من ذلك أن المجموعتين وطأتا أرضا ملغومة، وتجاسرتا على تقديم بدائل علمية تنقد الفكر الديني التقليدي، وهو لا شك قوام وأرضية الحكم السياسي الطائفي للعراق.

على الأرض كان لمجموعة العلوم الحقيقية الفضل في تنشيط سوق الكتب العراقية، الذي أصبح (ارتباطا بالعملية السياسية السائدة) تحت طغيان الكتب الدينية القديمة التي تروّج للكراهية الطائفية، وكانت ندرة الكتب العلمية المفيدة دافعا قويا جعل المجموعة ترفع رهان إعادة الاعتبار للكتب، ولذلك بدأ بعض أعضاء المجموعة الذين يجيدون اللغة الإنكليزية في مشروع الترجمة العراقي، وتطوعوا لترجمة المواد العلمية.

في هذا الصدد يقول أثير العطار، خريج جامعة لويزيانا في الولايات المتحدة ويساهم باستمرار في عمل مجموعة العلوم الحقيقية، إن “المترجمين الشجعان لا يخافون من المحرّمات”. ويضيف “ليس لأنهم يريدون محاربة الدين، بل لأنهم ببساطة يريدون الدفاع عن الحقيقة”.

الطائفية في العراق، وفي غيرها من الأقطار العربية، لا يمكن اقتلاعها إلا بإشاعة مناخ علمي وفكري وثقافي مغاير، ولأن الظاهرة لا تزول إلا بزوال أسبابها، فإن ظهور التعصّب الديني والطائفي والمذهبي، نتج عن مناخ فكري مثل أرضية خصبة لولادته، مثلما وجد لاحقا ساسة ركبوا صهوته، ولذلك فإن علاج الداء ينبغي أن يستهدف أسبابه.

كانت تظاهرة “أنا عراقي أنا أقرأ” ردا فكريا هادئا على العنف الأهوج، وسيكون للمجموعتين، اللتين باشرتا الحفر في أركيولوجيا الأمراض العراقية المزمنة، حتما وقع على الواقع شرط الاستمرار والمثابرة، وشرط القدرة على الصمود بوجه التهديد والتأثيم والتكفير. ولعل ترجمة أثير العطار، عضو مجموعة العلوم الحقيقية، مؤخرا لكتاب “علوم للأطفال” إلى اللغة العربية (هدفه تعريف الأجيال الجديدة بالمبادئ العلمية بطريقة ممتعة)، يعد رسالة واضحة مفادها أن الرهان هو على المستقبل العراقي.

13