مجموعة بيلدربيرغ هل هي حكومة العالم الخفية

الأحد 2017/07/02
رؤساء دول وعمالقة مال ومفكرون يدرسون الكوكب كل عام

إسطنبول - نقلت رويترز ووكالات أنباء عالمية أخرى خلال الأسابيع الماضية أخباراً شحيحة عن مؤتمر مجموعة بيلدربيرغ السرية، الذي عقد شرق الولايات المتحدة، وكان محوره هذه السنة “رئاسة دونالد ترامب”.

المجموعة تناولت أيضاً طيلة 4 أيام مستقبل الاتحاد الأوروبي والعلاقات بين التكتل والولايات المتحدة، بحسب بيان عن المجموعة. إضافة إلى “مواضيع متعلقة بروسيا والصين وانتشار الأسلحة النووية والعولمة والحرب ضد المعلومات”.

مؤيدون لترامب من بينهم وزير التجارة الأميركي ويلبور روس كان بوسعهم التباحث مع معارضي الرئيس وفي مقدمتهم إريك شميت رئيس شركة “ألفابايت” المظلة التي تضم كل أنشطة غوغل، إلى جوار الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” جون برينان.

على أن هوس الناس بنظرية المؤامرة وأفعال المتآمرين، ليس جديداً، فقد ارتبط دائماً بعدم قدرتهم على تفسير ما يجري أمامهم من أحداث وعجزهم عن معرفة التفاصيل. كما أن عدم تمكن عموم الناس من قراءة الوقائع التاريخية التي تتضمن انتصار فئة ما على فئة أخرى وعدم تحليل جوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والاكتفاء فقط بالبناء على خلاصات هذه الوقائع كان يؤدي دائماً إلى إسناد عوامل التفوق إلى قدرات خارقة من نوع ما، أو دعم مؤثر مجهول المصدر أو مؤامرة تمت حياكتها في الظلام من قبل المستفيدين منها.

هنا لا بد من ملاحظة شيء مهم في السياق؛ ألا وهو أن الجماهير لا تنعت المنتصرين الذين يمثلون مصالحها بالمتآمرين، طالما أن العموم يعرفون التفاصيل والجهود التي بذلوها من أجل حصولهم على ما يريدون.

في المقابل فإن ذات الفئات من الناس تسبغ الصفات الشريرة مثل التآمر والخداع وغيرها من الصفات المقذعة على الفئة التي تسلبها حقوقها، وتتفوق عليها في الحروب والصراعات. وهؤلاء الناس ينطلقون في هذا من زاوية غياب المعلومات عن هذه الفئة، وكذلك عدم رؤية مؤتمراتها أو اجتماعاتها بشكل واضح. فغياب هذه التفاصيل يؤدي حكماً إلى منح المنافسين صفة المتآمرين الذين يعملون في الخفاء، ومن هذه الزاوية يمكن تبسيط آلية بناء البروباغندا التي عملت عليها أجهزة الإعلام في الأنظمة الشيوعية، حينما كانت تتهم الدول الغربية بالتآمر عليها، وتجنيد قدراتها من أجل الإطاحة بالحزب القائد، ومن قبله الزعيم الملهم الذي يقود الشعب. فكل النكبات التي تعرضت لها الأنظمة التوتاليتارية نتجت وبحسب وجهة نظر الأيديولوجيين عن مؤامرات حيكت في الظلام على يد أجهزة استخبارات غربية أو منظمات سرية تقود العالم.

ورغم أن الجميع يعتقد بأن ثورة الاتصالات والإعلام واجتياح وسائل التواصل الاجتماعي للعالم قد جعل كل شيء مكشوفاً أمام كل مرتادي ومستخدمي هذه الأدوات إلا أن ديناميات نظرية المؤامرة لا تتوقف، فكل شيء الآن وحتى أدوات التواصل الاجتماعي ذاتها (فيسبوك وتويتر وغيرهما) هي جزء من مؤامرة كبرى ضد الإنسان، تقودها فئات متربصة لا يُعرف من هي، حتى وإن ظهرت بعض التفاصيل عنها، إلا أن ما خفي أعظم، وفي مقدمة المتهمين بقيادة مؤامرة على العالم أو المتحكمين بالعالم في هذه الأيام تقف مجموعة بيلدربيرغ التي باتت تسمى حكومة العالم الخفية.

متأمرون أم رجال أعمال

تعود تسمية مجموعة بيلدربيرغ إلى فندق بهذا الاسم في مدينة أوستيربيك في هولندا عُقد فيه أول اجتماع للمجموعة عام 1954 وهو نفس تاريخ تأسيسها، وقد أصبحت المجموعة على موعد سنوي مع اجتماع غير رسمي يعقد كل سنة بحضور حوالي 100 إلى 150 مدعوا أغلبهم من أكبر رجالات الأعمال والسياسة والمليارديرات ورجال البنوك والنفوذ في العالم، يشكل الأوروبيون الثلثين منهم، في حين أن الثلث الباقي يفد من الولايات المتحدة الأميركية. وقد حرص المنظمون على أن يكون المؤتمر سرياً، ويعقد بعيداً عن كاميرات الصحافة وعيون مراسليها.

قائمة الشخصيات التي تولت مناصب القيادة تبدو لافتة من جهة تنوع أصولها ومشاربها، فبحسب مواقع كثيرة على الشبكة حاولت رصد تفاصيل هذه المجموعة فقد “توالى عدد من الشخصيات على رئاسة المجموعة، أولهم كان الأمير بيرنهارد من هولندا، ثم تلاه أليك دوغلاس هوم رئيس الوزراء البريطاني السابق ووالتر شيل المستشار السابق والرئيس الألماني، ثم جاء إريك رول المحافظ السابق لبنك إنكلترا. كذلك بيتر كارينغتون الأمين العام السابق لحلف الناتو منذ سنة 1990 إلى سنة 1998 ثم جاء بعده إتيان دافينيون نائب الرئيس السابق للجنة الأوروبية من سنة 1999 إلى سنة 2011، حيث ترأس المجموعة فيها هنري كريستيان وهو رجل أعمال فرنسي، وما زال على رأس المجموعة إلى الآن”. أما الشخصيات المنضوية تحت إطارها فتبدو لافتة إذ تحتوي على رؤساء شركات تقنية ومالية وصناعية عملاقة، بينما تحضر مؤتمرها في بعض الأحيان شخصيات سياسية مثل بياتريس ملكة هولندا وصوفيا ملكة إسبانيا ورؤساء الوزراء مثل اليونان وفنلندا ووزير الخزانة الأميركي ورئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

قيادة مجموعة بيلدربيرغ تلفت النظر على الدوام، فقد كان أول رؤسائها الأمير الهولندي بيرنهارد، ثم تلاه أليك دوغلاس هوم رئيس الوزراء البريطاني السابق ووالتر شيل المستشار السابق والرئيس الألماني، ثم جاء أريك رول المحافظ السابق لبنك انكلترا. وكان من بين الرؤساء كذلك بيتر كارينغتون الأمين العام السابق لحلف الناتو.

في يوليو من العام 2015 شاركت 140 شخصية عالمية في مؤتمر بيلدبيرغ في النمسا، وهي شخصيات تمثل صناع قرار ومتنفذين وخبراء بمجالات السياسة والاقتصاد والإعلام وشركات الأسلحة وكبار الرأسماليين من 22 دولة، بقيادة هنري كيسنجر وآخرين من كل من بريطانيا وألمانيا والنمسا التي تصدّر ممثليها رئيس الجمهورية هاينز فيشر.

قضايا الدفاع والتسلح كانت على رأس جدول أعمال المؤتمر الذي تطرق لقضايا إيران والأسلحة الكيميائية والإرهاب والناتو والأمن الإلكتروني. رئيس شركة أيرباص الأوروبية توماس أندرس طرح موضوع الترويج لمعدات عسكرية تنتجها شركته، أما رئيس شركة سيمنس جوي كاسير فقد ناقش نظام تنصت وتجسس أنتجته شركته وواجه انتقادات عدة.

أما وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون ديرلاين والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ ومنسق الحملة الدولية ضد داعش الجنرال الأميركي جون آلن فقد كانوا على قائمة المدعوين إلى بيلدبيرغ، إضافة إلى الجنرال ديفيد بترايوس.

ربما كانت المشكلة الرئيسية في سياق عمل مجموعة بيلدربيرغ هي “السرية”، فدون الإجراءات التي يتبعها المنظمون حيال مؤتمرها السنوي كان يمكن اعتبارها مجرد نادٍ سياسي أو رحلة استجمام سنوية، ولكن كيف يمكن للمتابعين أن يتعاطوا مع “حجز فندق الاجتماع بشكل كامل” و”نطاق السرية والحراسة” و”منع وسائل الإعلام من الاقتراب” على أنها إجراءات طبيعية لمجموعة عادية؟

السرية فضيحة علنية

المجموعة تنبهت ومنذ زمن طويل إلى ما يجري الحديث عنه حيال نشاطها، فأعلنت عبر موقعها الرسمي أن هدفها هو أن تكون “حاضنة للمناقشات والحوار”. ما يعني غيابا للقرارات أو النتائج التي يعنى أحد ما بتنفيذها، ورغم أن بعض مؤتمراتها شهدت حضوراً لبعض قادة الصحافيين إلا أن هذا الحضور اشترط فيه ألاّ يصرحوا بما شهدوه أو سمعوه.

وإذا كان الحاضرون ملزمين بالصمت فهل يلزم هذا الصحافة حول العالم؟ بالتأكيد لا. كما أن مجرد اجتماع حفنة من الرأسماليين وأصحاب الشركات والمتحكمين بمراكز القوى العالمية من شأنه أن يلهب الحديث عن المؤامرات التي تحاك تحت سقف الاجتماع، وهكذا ستتوالى الكتابات الصحافية عن بيلدربيرغ فينقل الصحافي الأميركي جيمس تاكر في أسبوعية “سبوتلايت” في إحدى مقالاته عن رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر أن قرار إسقاطها والإتيان بشخص آخر من حزبها وهو جون ميجور إلى جانب الإتيان ببيل كلينتون للرئاسة الأميركية مرتبطان بمداولات اجتماع مجموعة بيلدربيرغ في بادن بادن (ألمانيا) عام 1991.

الكاتب الفرنسي تيري ميسان البارع في استنباط المؤامرات من الماء والهواء والتراب والنار صال وجال في تحليله للمؤامرة التي تقوم بها مجموعة بيلدربيرغ، فكتب في موقعه “شبكة فولتير” عن دور المجموعة في تخريب العالم فقال “في الحقيقة إن مجموعة بيلدربيرغ ليست رومانسية كما أراد أن يصوّرها لنا بعض الكتاب المشهورين. إن انتشار القوات العسكرية الخارقة لضمان سيادة الأمن غرضها ليس الحماية بقدر ما هو إذهال أولئك المشاركين فيها. إنها لا تظهر قوتها، ولكنها تظهر وتؤكد بأن السلطة الحقيقية الوحيدة في الغرب هي حلف الشمال الأطلسي. لهم حرية دعمها وتدعمهم بدورها، أو محاربتها وبالتالي تسحقهم بدورها بلا هوادة”.

ويشرح ميسان ما ذهب إليه في الكلام السابق قائلاً “وعلى الرغم من أن مجموعة بيلدربيرغ كانت قد طوّرت في بداياتها لهجة مناهضة للشيوعية، إلا أنها لم تكن موجهة ضد الاتحاد السوفييتي، ولا يتم توجيهها في الوقت الحالي ضد روسيا. إنها تتبع استراتيجية التحالف الذي لا يشكل اتفاقا ضد موسكو، ولكن للدفاع عن، و ربما امتدادا، لمنطقة نفوذ واشنطن.

الصحافي الأميركي جيمس تاكر ينقل في إحدى مقالاته في أسبوعية (سبوتلايت) عن رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر أن قرار إسقاطها والإتيان بشخص آخر من حزبها وهو جون ميجور إلى جانب الإتيان ببيل كلينتون للرئاسة الأميركية، مرتبطان بمداولات اجتماع مجموعة بيلدربيرغ في بادن بادن (ألمانيا) عام 1991.

في بداية إنشائه، كان حلف شمال الأطلسي يأمل في دمج الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي كان بالإمكان اعتباره بمثابة التزام من جانب موسكو على عدم اعتراضه على تقسيم العالم الناتج عن مؤتمر بوستدام ويالطا. ومؤخرا، رحب التحالف بالرئيس الروسي في قمة لشبونة، واقتُرح عليه انضمام روسيا له. لم يكن له حينها ثمة تبعية، فقط الاعتراف بالنظام العالمي الجديد الذي سارت كل أوروبا الوسطى والشرقية من خلاله في مدار الولايات المتحدة. إن انضمام روسيا إلى هذه المجموعة بطريقة أو بأخرى سيعادل معاهدة سلام: ستعترف موسكو بهزيمتها في الحرب الباردة وبالتقسيم الجديد للعالم”.

لكن ما غاب عن ذهن ميسان، وكذلك غاب عن أذهان الكثيرين، إنما هو الجواب على سؤال يقول: هل تحتاج حكومات العالم إلى إطار خارج عنها، يتحكم فيها؟ وإذا استطعنا التفكير بالقصة من زاوية أعمق تتعلق بمصالح الدول الوطنية وبناها الداخلية، فإن السؤال يتسع ليحيق بتغييب متعمد للقوى السياسية المحلية التي تنتج من صراعاتها ملامح السياسة الداخلية وكذلك السياسة الخارجية، فهل سينتظر العالم اجتماع حفنة من السياسيين ورجال الأعمال والعسكريين ليقرروا عنه ما يجب فعله؟

نظرية برتراند راسل

وأخيرا، إذا كان الجواب عن كل الأسئلة السابقة إيجابياً، فإن هذا يفتح بوابة على أسئلة أكثر صعوبة، وأولها يقول: ما جدوى قيام دول العالم وعبر مئة قرن من الحروب ومعاهدات السلام، وإنشاء المنظمات الدولية المؤثرة والفعالة، طالما أن مصير الجميع ستقرره حفنة من المجتمعين في مكان ما؟ وهل يحتاج العالم فعلاً إلى حكومة خفية لتحكمه؟

ربما نحتاج للعودة إلى حكمة برتراند راسل لكي نرى أهمية أن تقوم حكومة عالمية من أجل حماية العالم من خطر الحروب والمجاعات والأوبئة، ولكن التفاصيل المؤدية إلى هذه النتيجة لن تصنع في اجتماعات سرية مغلقة بل تحتاج إلى تغييرات بنيوية في النظام العالمي الذي يحكم العالم، فبعد أن تشكلت الأمم المتحدة لتكون ما يشبه مجمعاً عالمياً لقيادة البشر جاءت عصبوية مجلس الأمن وتخصصه في الحفاظ على مصالح الخمسة الكبار لتفرغ الفكرة السامية من محتواها النبيل.

إذن لن يتّسق الادعاء بوجود حكومة خفية تحكم العالم، مع كثافة واتساع التفاصيل التي يعيشها البشر وهم يواجهون أزماتهم، وإذا دقق المتابع فيما حدث طيلة السنوات الماضية سيجد أن نتائج السياسات الدولية التي يفترض أن حكومة خفية تتحكم بها لم تقتصر في نتائجها السيئة على دول الجنوب الفقيرة، بل باتت تغزو دول الشمال الغنية، ومن الأمثلة التي يعيشها الجميع على حدّ سواء مشاكل رئيسية كأزمة اللاجئين والعمليات الإرهابية. فهل تمت صناعة كل هذا في بيلدربيرغ فعلاً؟

8