مجموعة سينمائيي "أبونضارة" يبدعون لغة فنية تليق بالراهن العاصف

الثلاثاء 2015/04/21
أفلام تتناول المأساة السورية ببعد فني

دمشق – مجموعة “أبونضارة” السينمائية السورية طالبت وتطالب بالثورة السلمية، وتؤكد حق السوريين بالوقوف في وجه نظام دكتاتوري قاتل، وحقهم برفض مجموعات إرهابية دموية جاءت إلى مجتمعهم تقاتل باسمهم.

في الوقت الذي شهد المجتمع السوري اصطفافات واضحة، سواء إلى جانب النظام أو إلى جانب الجماعات المسلحة بكافة توجهاتها وأيديولوجياتها، يجوز القول بوجود تيار ثالث يرفض القتل والإرهاب المتمثل في دكتاتورية الأسد أو في تخلف الأصوليين على حدّ سواء.

ويجوز القول أن مجموعة“أبونضارة” السينمائية السورية هي أحد الممثلين لهذا التيار، المجموعة التي تعتقد بأن الإمعان في العنف من كل الأطراف لن يؤدي إلّا إلى الموت المحقق والدمار التام لسوريا وللمجتمع السوري.

مجموعة فنية نشأت على قاعدة العمل التطوعي، تواصل إنتاج الأفلام القصيرة من دون تمويل أو دعم خارجي، وتعمد في أفلامها إلى إظهار الجوانب الإنسانية لدى مختلف شرائح الشعب السوري بعيدا عن التوصيفات؛ مؤيد، معارض، إسلامي، علماني، إلخ…

تساؤلات ملحة

في رصيد “أبونضارة” اليوم أكثر من 245 فيديو، بعضها مقابلات مع مختلف أفراد المجتمع السوري بكل آرائهم وميولاتهم، وتعقيداتهم ومشاعرهم وأنماط سلوكهم، بهدف إظهار تنوّع هذا المجتمع والابتعاد عن حصر مكوناته في خانات وتسميات وتوصيفات طارئة.

ومن هنا فأفلام مجموعة “أبونضارة” لا تتناول فقط ممارسات النظام ودجله الإعلامي، بل تتناول ممارسات الدولة الإسلامية ضد المدنيين وضد الجيش الحر الثائر الحقيقي على أرض سوريا، والاعتقالات والتصفيات التي تقوم بها ضده كما في فيلم “عمي” المؤلف من ثلاثة أجزاء، وفيلم “الدولة الإسلامية للمبتدئين”.

ومن بواكير أفلام المجموعة وأحد أكثر أفلامها انتشارا فيلم “طلائع″ الذي يصور تلامذة صغارا في مدارس النظام السوري يؤدون تحية العلم، بينما هتاف الحرية يصل إليهم من الخارج.

مجموعة \'أبونضارة\' تيار ثالث يرفض القتل والإرهاب المتمثل في دكتاتورية الأسد أو في تخلف الأصوليين على حد سواء

فهل يتخيل أحدنا الحالة التي يعيشها الطفل السوري الذي يؤدي تحية العلم الصباحية في مدرسته مرددا -بحكم الاعتياد- شعار حزب البعث (وحدة، حرية، اشتراكية)؟ وهو الذي شاهد بالأمس إما عبر شاشة التلفاز، أو على أرض الواقع في حيه شبابا اعتقلوا ونُكّل بهم، أو قتلوا رميا بالرصاص فقط لأنهم نادوا بكلمة واحدة من هذا الشعار “حرية”.

كم منهم يشاهد الموت والقمع والدمار في صورة هذا العلم، علم النظام ذي النجمتين الخضراوين؟ وكم منهم يغلق حدقتيه ويتخيل أنه يؤدي التحية لعلم الثورة الذي تتوسطه النجوم الحمراء الثلاث؟

أما فيلم “توجيه معنوي” أحد أواخر إنتاجات المجموعة، فالجزء الأول منه مأخوذ من موبايل أحد عناصر سلاح جو النظام الذي صور ووثق عملية إشعال فتيل البرميل المتفجر في طائرة النظام، وإلقائه على هذه البقعة من سوريا أو تلك، ثم تنتقل الصورة إلى ما التقطته كاميرا أحد المدنيين مما أحدثه هذا البرميل أو ذاك على أرض الواقع من دمار وموت.

وقد جاء فيلم “توجيه معنوي” ردا من المجموعة على الكذب الذي تفوه به بشار الأسد مؤخرا لقناة “بي بي سي”، عن عدم معرفته بأن سلاح جو نظامه يستخدم البراميل ضد المدنيين العزل في كافة أرجاء سوريا.

ومجموعة “أبونضارة” السينمائية تطرح قضايا في غاية الأهمية بعيدا عن الموت والدمار الذي يلف ويلف كل الجغرافيا السورية بكل مكوناتها المجتمعية، لأكثر من أربع سنوات.

فعبر فيلم “يوميات الزمن الحاضر” تطرح قضية الشعور بالانتماء إلى البلد، الوطن، سوريا، هذه القضية التي طرأت على تفكير ووجدان الشباب السوري مع بدء الثورة السورية.

أما فيلم “موعد مع القذيفة” الذي أنتجته المجموعة تحت شعار “نفعل ما يفعله السوريون: ننسى الألم” فهو يصور شابا اعتقله النظام عام 2012، وبعد خروجه يتحدث بابتسامة استثنائية وطرافة غريبة عن لحظة انفجار قذيفة بجانبه، وإصابته بشظاياها تلك الإصابة التي كادت تقتله، والحالة التي يروي بها الشاب تلك الحادثة لا تحرض الأسى والحزن، بقدر ما تثير تساؤلا ملحا مفاده: كيف مازال السوريون قادرين على العيش في سوريا متنقلين بين صدفة موت وصدفة حياة كل لحظة؟

245 فيديو تظهر تنوع المجتمع السوري بعيدا عن حصر مكوناته في خانات وتوصيفات طارئة

ضد الرقابة

مجموعة “أبونضارة” السينمائية تضمّ فنانين اختاروا لخمس سنوات -ولأسباب أمنية- أن يبقوا في الظل موزعين في المحافظات السورية، قاعدتها دمشق، هويتها جماعية ولها ناطق باسمها هو شريف كيوان، جاء تأسيسها عام 2010 كرد فعل على تردّي السينما الوثائقية في سوريا نتيجة تعرضها لرقابة صارمة.

ومع انطلاق الثورة السورية زاد نشاط المجموعة وتنوعت مواضيع أفلامها، فهي ملتزمة بإنتاج شريط قصير كل يوم جمعة، يرصد أهم حدث سياسي خلال الأسبوع ويتناوله أغلب الأحيان بطريقة كوميدية، محاولا تلافي طرح المآسي المباشرة التي يشاهدها السوري سواء على أرض الواقع، أو على شاشات التلفاز والشبكة العنكبوتية.

أفلام تتناول المأساة السورية عبر الغوص في صميمها بأسلوب فني يضمن تعاطف وتأثر المشاهد، دون صدمه أو المساس المباشر بمشاعره.

ولم تغفل المجموعة أهمية إيصال الصوت السوري إلى العالم لإنقاذ صورته، حيث دأب الإعلام العالمي على تصويره كإرهابي عبر بث ممارسات بشعة لمجموعات، أو أفراد جلهم لا ينتمي إلى الشعب السوري. فقامت بترجمة الأفلام التي تنتجها إلى اللغتين الفرنسية والإنكليزية، تلك الترجمة التي أتاحت إيصال الصوت السوري إلى الآخر.

منحت أيضا أفلام المجموعة انتشارا أوسع وفرصة للمشاركات السينمائية الدولية، فحصدت مشاركاتها وإنتاجاتها جوائز عديدة منها: جائزة الفيلم القصير ‏الوثائقي عن شريط “الله والكلاب” ومدته 12 دقيقة، وجائزة قائمة “فيرا” للفن والسياسة للعام 2014 التي تمنحها جامعة “نيو سكول” في مدينة نيويورك الأميركية.

وأيضا جائزة “الفن والسياسة” التي تعطى كل عامين لفنان أو مجموعة تعمل في ظل المخاطر، لتعزيز قيم العدالة الاجتماعية، ومؤخرا فازت بجائزة المبدعين في الدفاع عن حقوق الإنسان التي تمنحها الحكومة الهولندية.

أفلام تتناول المأساة السورية عبر الغوص في صميمها بأسلوب فني يضمن تعاطف وتأثر المشاهد، دون صدمه أو المساس المباشر بمشاعره

وقد تميز الحراك الفني والثقافي في زمن الثورة السورية بظهور العديد من المشاريع الثقافية والفنية التي نشأت، ثم توقفت بعد فترة قصيرة، بغض النظر عن أهميتها وعن أسباب توقفها، إلاّ أننا نجد مجموعة “أبونضارة” السينمائية تستمر لخمس سنوات وتتطور بشكل ملحوظ.

ولصحيفة “العرب” صرح شريف كيوان الناطق باسم المجموعة حول سر الاستمرارية قائلا “نستمر بالعمل لأنه ليس لدينا خيار آخر، نحن سوريون من اختصاصات مختلفة، نبحث عن لغة فنية تليق بثورة المجتمع السوري. انطلقنا من الرغبة في استخدام السينما لتصوير الواقع بمعزل عن أي أجندة سياسية أو إعلامية”.

ويضيف كيوان “نستخدم اليوم كل الأدوات المتاحة، الفنية منها أو الصحافية أو السياسية، للدفاع عن حق السوري بصورة كريمة”.

وحول مشاريع المجموعة المستقبلية قال “إضافة إلى أفلامنا الأسبوعية، نعمل على صناعة فيلم طويل، ونعمل مع جامعات ومنظمات دولية لتكريس الحق في الصورة كحق من حقوق الإنسان”.

16