"مجنون يحكي" للينا خوري تعيد زياد الرحباني إلى الخشبة ممثلا

الأربعاء 2013/10/09
زياد رحباني يعاوده الحنين إلى الخشبة بعد غياب عقدين من الزمن

بيروت – بعد غيبة دامت أكثر من عشرين عاما بالتمام والكمال، يعاود الفنان زياد الرحباني وقوفه على المسرح -تحديدا مسرح المدينة- بشارع «الحمرا الشهير» لتجسيد دور طبيب السلطة القمعية في مسرحية «مجنون يحكي» للمخرجة لينا خوري. المسرحية الحدث تعالج فيها خوري مسألة قمع الأنظمة وحرية الفكر بطريقة ساخرة وبأسلوب الكوميديا السوداء، عن نص بريطاني مكتوب في سبعينيات القرن الماضي لتوم ستوبارد.

تدور المسرحية التي يستمر عرضها حتى 17 نوفمبر المقبل، حول شخصية «ناهدة نون» التي تنشر مقالا عن قمع النظام للحريات. تسجن وتعذب ويصر سجانوها أنها ليست إمرأة، بل رجلا مجنونا. تودع في مستشفى المجانين في غرفة مشتركة مع نزيل آخر مصاب فعلا بالجنون، وشديد القناعة بأنه يملك أوركسترا ويديرها.


بين جنسين


في المصحة النفسية يعالجها الطبيب ليقنعها بأنها فعلا مجنونة، وأنها رجل بالتأكيد وأنه بالإمكان إخلاء سبيلها في حال اعترفت بذلك.

يجسد الممثل والمخرج غبريال يمين دور المجنون بكثير من التقنية، فيما كان حضور الممثلة ندى أبو فرحات قويا في دور ناهدة، وهي التي ارتضت أن تحلق شعرها بالكامل، كي يتناسب شكلها مع شخصية المعتقلة التي تصارع لإثبات أنها أنثى بينما تسعى السلطة من خلال الطبيب النفسي لإقناعها بأنها ذكر.

ورغم متانة العرض المسرحي وقدرة الممثلين الخمسة أندريه ناكوزي وألين سلوم وإيلي كمال بالإضافة إلى غبريال وندى على أداء شخصياتهم، إلا أن معظم من يقصد مسرح المدينة، كان يعد نفسه لمشاهدة الرحباني كممثل على المسرح وهو الذي طبعت مسرحياته في أذهان اللبنانيين إبان الحرب الأهلية، وخصوصا مسرحية «فيلم أميريكي طويل» الشبيهة بعرض «مجنون يحكي».

الحاضرون كانوا يضحكون مع كل حركة أو كلمة أو حتى همسة ينطقها الرحباني، وخصوصا عندما حاول إقناع المعتقلة ناهدة بأنها مجنونة بالفعل، وأنها ذكر وليست أنثى قبل وصول هيئة التفتيش العليا إلى المستشفى.

وتطغى الحالة الإنسانية وهي تصف للمعالج النفسي معاناتها في المعتقل قائلة:«لم أتخيل في حياتي أن السجون الإسرائيلية أحسن بمليون مرة من السجون العربية، هل تعرف لماذا؟ لأن في السجن الإسرائيلي تسير ورأسك مرفوعا من التحدي، أما السجن العربي تمشي ورأسك بالأرض مكسورا من الذل».

ويقول لها الطبيب وهو يقرأ تقريرا أمامه كتب فيه أن المعتقلة رجل، وتحاول هي إقناعه بالعكس وبأنها امرأة فيجيب:«مش ممكن. هذا التقرير لا يمكن تكذيبه»، فتسأله هل «صدري وهمي» فيرد «أنت زلمة (رجل) حتى ولو طلعلك صدر ويوجد الكثير هكذا».

والرحباني (58 عاما)، هو فنان لبناني اشتهر بموسيقاه الحديثة ومسرحياته السياسية الناقدة التي تبالغ في الواقع اللبناني الحزين بفكاهة عالية الدقة. وتميز أسلوبه بالسخرية والعمق في معالجة الموضوع وهو صاحب مدرسة في الموسيقى العربية والمسرح العربي.

مشاركة زياد الرحباني في العمل المسرحي، كان حديث الناس حاليا لدرجة ينسى فيها الجميع عنوان المسرحية وإسم المخرجة وأسماء الممثلين المشاركين فيقولون: «المسرحية اللتي فيها زياد الرحباني»، وعنه قالت خوري:»مشاركة زياد الرحباني معي هو حلم يتحقق وأمر أفتخر به، وزياد هو أسطورة بالنسبة للناس، وحديثهم عنه أمر أسعدني كثيرا، فهو ليس بالشخص العادي والممثل العادي، هو زياد الرحباني».

ندى أبو فرحات في دور ناهدة


حضور موسيقي


تدور أحداث المسرحية على إيقاع فرقة موسيقية حية مؤلفة من 16 عازفا تعزف أنغاما للفنان اللبناني أسامة الخطيب هي أقرب إلى الموسيقى التصويرية. حتى أن أعضاء الفرقة بدوا كأنهم مجانين يعزفون إيقاعات مفاجئة، ويرتدون ثيابا موحدة حمراء وسوداء، بعضهم كممت أفواههم بإشارات سوداء، وبعضهم عصبت أعينهم وبعضهم الآخر طليت أنوفهم بعلامات سوداء.

وفي سياق النص الكوميدي الموسيقي يصرخ أحد الموسيقيين عاليا: «أنا أفكر إذا أنا موجود في السجن» لتعقبه صرخات بقية الموسيقيين. وتقول المخرجة خوري: «إن الموسيقى ما هي إلا جزء أساسي من المسرحية، فهي صورة عن المجتمع المنتظم بقوانين ومعايير معيّنة، ويقوده شخص واحد هو الطبيب الذي يرمز إلى السلطة».

وخوري الأستاذة في قسم المسرح في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، لها أكثر من سبعة أعمال مسرحية بين لبنان والولايات المتحدة من أشهرها (حكي نسوان) التي عرضت في بيروت من عام 2006 حتى عام 2008، وتقوم خوري بترجمتها الآن تمهيدا لعرضها في نيويورك.

وتستحضر السجون والمصحات النفسية بالمسرح على شكل سلاسل حديدية تدلت في وسط المسرح على خلفية سوداء فارغة إلا من الموسيقيين. وتشير المخرجة إلى أن: «المصحة ليست بالضرورة أن تكون المستشفى، وإنما قد يدل على كل مكان في المجتمع تسعى السلطات فيه إلى ترويض الناس».

وتقول في كلمة مكتوبة عن المسرحية:»المكان هو العالم العربي والزمان في القرن الواحد والعشرين أو الحادي عشر أو الواحد والثلاثين». وترى أن مسرحيتها:»تبحث في حرية الفرد ومأساته عبر اعتماد الأسلوب العبثي في مقاربة بعض جوانب القصة المسرحية».

لكن رغم ثورتها المسرحية على الأنظمة القائمة إلا أن خوري تعتبر أن:»مجتمعات الربيع العربي تسير من سيء إلى أسوأ، بحيث أن أنظمة بديلة أخرى تحاصر الشعوب العربية من جديد».

«وما زالت التبعية، القبلية، التعصّب، الطائفية، الدين، والمجتمع تتمّلك عقل الإنسان وتسجن فكره، تعودنا على فكرة القمع والعيب والتقاليد حتى خلقنا سجنا فرديا داخلنا وأقمنا جلادا على أفكارنا. إن لم يكن بمقدورنا العيش بحرية والتفكير بحرية والتغيير بحرية فما قيمة وجودنا»، تقول خوري.

في المحصلة مسرحية «مجنون يحكي» هي مراوحة بين مجنون يحكي وعاقل يشاهد! فالكلام المجنون بات كثيرا هذه الأيام، لكن «الحكي» المجنون الذي كتبته لينا خوري يجب أن يُسمع، لأنّه يخاطب العقل الواعي ويوجّه نداء إلى اللاوعي.

16