مجهول اسمه الخوف

السبت 2016/12/24

ينتاب بعض الناس شعور مزعج عند وجودهم داخل مصعد في بناية أو عند الخضوع لفحص بوساطة جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي للحصول على صور مقطعية وتفصيلية للرأس وأجزاء الجسد المختلفة، حيث يعد القلق والتوتر أمران شائعان لدى بعض المرضى الذين يضطرون لإجراء هذا الفحص وفيهم من يعاني من رهاب الأماكن المغلقة أو الضيقة.

القلق أو التوتر اللذان يصاحبان مشاعر الخوف هذه، استجابة ورد فعل طبيعي إذا كانت في حدود المعقول، والخوف قد يجعل الجسد بالضرورة يستجيب لمجموعة من الأعراض كتزايد نبضات القلب، التعرق وأحيانا صعوبة في التنفس، إلا أن الأعراض ذاتها يمكن أن تكون غير مبررة أو منطقية إذا كان مصدر التهديد مجهولا، إذ لا وجود لشيء حقيقي أو ملموس ليحفزها.

هذا هو القلق المرضي مجهول المصدر، الذي يُعتقد أن أسبابه غير معلومة، فإذا كان في الإمكان التصدي لمصدر الخوف المعروف عن طريق محاولة حماية النفس جسديا أو بالابتعاد عن مصدر الخوف، كالخوف من النار مثلا أو الأماكن المرتفعة أو المغلقة أو الخوف من الحشرات وبعض أنواع الزواحف، إلا أن الخوف من المجهول والقلق المصاحب له يبقى عصيا على الفهم، وبالتالي يمثل تحديا كبيرا لعلماء النفس والمتخصصين في دراسة السلوك البشري.

فما الذي يستدعي القلق من أمر قد لا يحدث مطلقا؟ وما هو الداعي لجعل الحاضر اليومي قاتما؟

لعل الخوف من المجهول من أكثر العوامل فاعلية في التأثير على مشاعر الناس. هذا الخوف والقلق المبالغ فيه من الآتي أو ما يطلق عليه (الوحش) المتربص في الظلام، لا يوجد له رادع. كل هذا بسبب سيطرة أفكار تتعلق باحتمالات ما (قد) يحدث في المستقبل المجهول، أما الأفكار والتصورات المبالغ فيها، فمن شأنها أن تحرّض هذا “الوحش” لتحوّل حياة الناس إلى جحيم لا مبرر له.

في مواجهة الخوف من المجهول، لا يمكن أن يكون التفكير سليما والمنطق حاضرا. فعندما تتمكن هذه الحلقة المقيتة من المشاعر من نفس الإنسان في صورة خوف من تحقق أمر غير متوقع أو لم يتم الاستعداد له نفسيا، وربما من وقوع الأمر بعد ضياع فرصة تجنبه بشتى الوسائل، فإن الاستعدادات للمواجهة تبدو معركة شبه خاسرة ومضيعة للوقت.

على الرغم من ذلك، يبدو من العبث، أن يحاول أحدنا إلهاء نفسه عن سيطرة هذا الشعور على تفكيره، بمحاولة الانشغال عنه ولو إلى حين في هدنة اختيارية ضرورية لبرمجة اتجاهات التفكير المنطقي.

فالخوف لا بد أن تكون له أسبابه مهما كانت غامضة بالنسبة إلينا، فهناك دوم مؤشرات، أحداث، سلوك ما صدر عن أشخاص، تغير ما حدث في روتين الحياة اليومية أو تغير في ردود أفعال الأشخاص المحيطين. كل هذه الإشارات وغيرها يمكن أن تتطابق مع الخوف الداخلي الذي تغذيه الخيالات ليصبح قلقا يمسك بخناقنا، كما تمسك مخالب الأسد بفريستها.

يقول المثل الأميركي “إن العمل هو أسوأ عدو للقلق”، لكن الواقع يؤكد أن أغلب نشاطات الحياة اليومية يمكن أن تتعطل أو قد يصيبها الشلل التام في حال وقوع الإنسان تحت طائلة القلق من المجهول، كترقب حدوث أمر سيء أو انتظار غير مجد لوصول شبح اخترعناه بأنفسنا لنخاف منه!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21