مجيد جاسم يدخل غياهب السجون ويجوب فضاءاتها قصصيا

الاثنين 2014/12/08
على الرغم من مرور السنوات يحتفظ مجيد جاسم بالأحداث والوجوه كما رآها آخر مرة

القاص مجيد جاسم من الأسماء اللامعة في كتابة القصة القصيرة بمدينة البصرة حيث بدأ النشر أواخر ستينات القرن العشرين، وكان قاصا فاعلا في إصدار المجموعة القصصية المشتركة، وهي 12 قصة بمشاركة عدد كبير من قصاصي البصرة منهم: محمد خضير، ودود حميد، عبدالصمد حسن، ريسان جاسم عبدالكريم، عبدالجليل المياح، عبدالحسين العامر، وغيرهم كان ذلك خلال عامي 1972 و1973، ثم أصدر مجموعة عام 1973 بعنوان ” فتيات الملح” أرسى فيها أسلوبه المتميز في السرد القصصي القصير.

توقف مجيد جاسم عن النشر عام 1978 إثر الهجمة الشرسة على القوى الوطنية في العراق، ثم أودع السجن عام 1981 بتهمة ملفقة لمدة سبع سنين وخلال ذلك انقطع عن الكتابة والنشر، وكان ذلك التوقف القسري عن الكتابة عائقا مهمّا للالتحاق بتيار القصة القصيرة وتغيراتها ومنعطفاتها في تلك الأجواء الكابوسية التي عاشها العراقيون.

يمكن أن نطلق مصطلح “قصص السجون” على مجموعتيه القصصيتين “خفايا المجهول” و”اللوحة”، حيث تعيش كائناتها كابوسا دائما وسط أجواء الطرد من المكان تجاه المجهول أو الحجز الجبري المقصود في زنزانة أو سجن، ويبدو الحوار مع الآخر على شكل همس أو حوار مع الذات وسط أجواء منعزلة، ويتخذ السرد صيغة البوح الذاتي في معظم القصص، فيكشف عالم الشخصيات المرعب، حين تبدو فيه شخوص القصص ضائعة لا تستطيع الإفلات من مصيرها المحتوم.


موكب من العميان


يتخذ السرد صيغة البوح الذاتي في معظم القصص فيكشف عالم الشخصيات المرعب

في قصة “خفايا المجهول”، يتساءل ساردها، “لا أحد يدري! الذين سبقونا، والذين جاؤوا بعدنا يتساءلون. جل ما يعرفون أنهم معلقون بين السماء والأرض دونما أيّ بصيص من ضوء يتسرب من الخارج أو إشارة لتقويم زمني يعرف به جريان الأيام والشهور”. وتبقى الأسئلة دون جواب وسط ظلام دائم، وتنقلات في المكان وعسف رهيب، يصبح فيه استثمار العيون واللسان سببا في الإذلال، واستثمار ضمير الأنا الجمعي يضفي على الحكاية طابعا مأساويا حادا لإشارته إلى كتلة صماء كناية عن السجن الكبير.

وقصة “البصير” من القصص المتميزة في مجموعة “خفايا المجهول” في توظيف حاسة الشم والسمع واللمس لتعريف الشخصية بالعالم المغلق وسط الظلام الدامس الذي يحيط بالشخصية، فهو يتعرف على الفتاة التي ساعدته في اجتياز أزمته من خلال الشم والصوت والرائحة “حيث أفلح مجس أنفه أن يخصّ لها عبيرا مميزا”.

وعندما دعته للعمل مع أبيها في سوق الخضار تعرف باللمس على النقود وفئاتها وأنواع الخضار، وفي هذه القصة تتمرد الذات لكسر رتابة الحياة واختراق الظلمة المستحكمة بمساعدة فتاة تتعقب خطاه فيتعرف المتلقي على قدرته الفائقة في معرفة أشيائه وفرزها من بين أشياء الآخرين “وكعادته تحسس بمجس أنفه غسيله الذي صعد به ضحى لكي لا تندس بين يديه قطعة غريبة”.

في مجموعته الثانية “اللوحة”، تسود الأجواء نفسها، فالشخصيات تتنفس وسط أجواء السجون أو وسط ساحات الحرب أو الظروف القسرية التي أوجدتها الحرب، غير أن قصص هذه المجموعة، ترفد تمردات شخوصها ضدّ ظروف عسفهم وتهميشهم، تجاه آفاق رحبة.

في قصة “النافذة”، صراع خفي بين الذات وجلادها، بين الخوف المستشري الذي تبثه ثوابت السجن وأوامره القطعية وبين رغبة الذات في التحرر من هذه القيود بفتح نافذة صغيرة في قاعة السجن تطل على الخارج، والقصة تكثف الشعور بفقدان الزمن بفعل الحياة القاحلة التي يعيشها السجين وبين الخارج الضاج بالحركة والتغيير، وهي في نفس الوقت توق إلى التحرر من القيود.


ذاكرة وأحداث


يقول السارد “هذه ساعة نفاد الصبر لقد طوقتني الرغبة بفتح النافذة”. والنافذة “تطل على الباحة المستطيلة”، وفي هذه الباحة يمكن للسجين التعرف على أبواب السجن المغلقة، وفيها فضاء فسيح يؤجج الرغبة الحارقة للسجين كي يفتح النافذة للتخلص من عفونة القاعة الكبيرة “رائحة بيت الخلاء، وروائح الأطعمة المتعفنة القابعة في صناديق الفلين”، أولا والتطلع نحو “نوافذ عريضة شاهقة (…) نوافذ كانت تفتح على بحار شاسعة وأخرى على قمم الجبال. نوافذ متحركة تمرّ بها أشجار مثمرة وزهور عباد الشمس تلك هي النوافذ المباحة العديدة”، باعتبارهما بديلين خياليين لحياته في السجن ثانيا.

في قصة “النافذة”، صراع خفي بين الذات وجلادها، بين الخوف المستشري الذي تبثه ثوابت السجن وأوامره القطعية وبين رغبة الذات في التحرر من هذه القيود

وتسرد قصة “اللوحة” معاناة السجين، في تخطي أسوار السجن، والخلاص من اللحظة التي تقيده إلى زمن سائب، خارج سيطرته، من خلال ذاكرته التي تبقى معينا نابضا بالحياة، على الرغم من مرور السنوات والأيام، فهي تحتفظ بالأحداث والوجوه طازجة كما رأتها آخر مرة، والسجين حين ينسج لوحته بالخرز الملون لتقييد اللحظة الزمنية واحتفاظه بها بعد مرور سنوات طويلة على سجنه، فهو فعل يتخطى به مضمون رسالتها الوحيدة إليه التي تبلغه فيها أنها ستخضع للأمر الواقع وأن الأمر قد خرج من يدها، حين يستمرّ في نسج اللوحة متمنيا عليها ارتداء قميص آخر هو “ذلك القميص الذي يضفي على صفحات وجهك بهجة”.

إن القاص مجيد جاسم العلي في مجموعتيه القصصيتين يتحرى ذاكرته ويستنفر خزينها ليعيد بناء المشاهد المأساوية التي عاناها السجين العراقي في الفترات المظلمة لتبقى شهادة حية على حقبة سوداء في حياة العراقيين.

عن مجموعة قصص لمجيد جاسم العلي “اللوحة”؛ لا أجد من يرفع عن عينيّ الكفين الرخوتين، سوى الاستغراق في العتمة وتلمس كل شيء بطرف الأصابع. رحلة هادئة، يحفها الحزن دون ضجيج، وتتموج على حوافها مصائر، تتلاشى حجومها وتصعد مع شهيق الاستغراق والدمع، لتصبح أهلة باهتة حول عتمتي. قصة “اللوحة”، زخرفة في جسد الزمن الثابت والخرزات هي المتحول، بشهقات ألوانها وغرزات الإبرة الفتية.

أما في قصة “أربعون” فإنها موجة تاهت عن ضفتها الأم إلى ضفة أكثر امتلاء وأوفر مودة. صورة الإنسان المرتحل عنوة، وثمة أمكنة يحن إليها حتى بعد أربعين عاما يصعد على هامة تلك الموجة. وفي قصة “انتظار” كابوس يرتحل ويطوف في طرقات أكثر بللا من الماء يدفع قامات خدرة خائفة تكاد أن تفضحها رعشة السلال المليئة بالعافية إلى الأجساد المحطمة داخل الأقفاص، لكن الفشل يومض بتكرار المحاولة عندما تنهض الحياة فتمتد الأصابع إلى بقايا الطعام. لا بدّ من البحث لا بدّ من الزيارة.

14