محادثات جنيف 2.. فرصة متعثرة لتسوية النزاع سلميا

الخميس 2014/01/23
وزراء خارجية المغرب والبحرين والأردن في طريقهم لمؤتمر جنيف2

شاركت المعارضة السورية في مؤتمر جنيف2 بعد سلسلة تجاذبات سياسية كان أبرزها رفضها مشاركة نظام بشار الأسد وحليفه إيران، حيث أثار موضوع المشاركة في مؤتمر السلام المنعقد في سويسرا انقسامات حادة في صفوف الائتلاف خصوصا لجهة رفض الكثير من أعضائه فكرة الجلوس إلى طاولة واحدة مع ممثلين للنظام الذي يحاولون إسقاطه منذ حوالي ثلاث سنوات، وبعد سحب مشاركة الجمهورية الإسلامية، رحبت المعارضة بذلك وأكدت مشاركتها في جنيف2.

وقالت المعارضة السورية الممثلة بالوفد الذي يرأسه أحمد الجربا، رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض في مؤتمر جنيف2، إنه لا يمكن أبدا القبول بالحديث عن بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم، داعية كل رموز النظام السوري الذين تورطوا في جرائم ضد السوريين إلى ترك السلطة.

استهل الجربا، حديثه في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جنيف2 بتأكيده على أن المعارضة توافق بشكل كامل على ما أقره مؤتمر جنيف1، مطالبا بـ “تنحي الرئيس بشار الأسد ومحاكمته”، مبرزا أن “أي حديث عن بقاء بشار الأسد في السلطة بأية صورة هو خروج بجنيف 2 عن مساره”.

وقال “حضرنا إلى جنيف2 استنادا إلى موافقتنا الكاملة على نص الدعوة التي وصلتنا من السيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة والتي تنص على تطبيق وثيقة جنيف1 وإنشاء هيئة الحكم الانتقالية التي هي موضوع مؤتمرنا هذا، وهي موضوعه الوحيد”. وقال إن المعارضة تعتبر هاتين النقطتين “مقدمة لتنحية بشار الأسد ومحاكمته مع كل من أجرم من رموز حكمه.

وتتمسك المعارضة السورية وحلفاؤها من الدول الغربية والعربية بمقررات مؤتمر جنيف 1، وأساس ذلك مرحلة انتقالية لا وجود فيها للنظام السوري، ولكن في المقابل يستمر تجاهل النظام السوري لكل تلك الدعوات مبررا عملياته التي تدخل في إطار ما أسماه بمحاربة الإرهاب والجماعات المتشددة التابعة لتنظيم القاعدة.

وقد شكل رد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس على دعوة النظام إلى التركيز على “مكافحة الارهاب” في المؤتمر حول سوريا المنعقد في سويسرا، صفعة لجهوده في تغيير مسار المفاوضات بالتركيز على قضية الإرهاب بالقول إن الهدف ليس “الإرهاب” بل ” تشكيل الحكومة الانتقالية”.

وتكلم فابيوس، بعد وزير الخارجية السوري وليد المعلم، قائلا “لا يتعلق الأمر بإجراء نقاش عام حول سوريا، ولا بإطلاق تهجمات وشعارات دعائية ولا كسب الوقت ولا إلقاء الخطب عبر تكرار كلمة الإرهاب”، بل “يتعلق بالبحث عن حل سياسي لسوريا يخص السلطة الانتقالية التي تتمتع بكامل الصلاحيات التنفيذية”.

الجربا "قدوة".. والمعلم "يخل بالوعد"
مداخلة المعلّم الطويلة أدت إلى نشوب ملاسنة كلامية بينه وبين الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي استفزّه عدم امتثال المعلم لجميع الأجراس التنبيهية التي تم قرعها عدة مرات لتبيه رئيس الوفد السوري إلى تجاوز الوقت المخصص له.

وتجاوز المعلم لضعف الوقت المخصص لإلقاء كلمته في افتتاح المؤتمر والبالغ (10) دقائق جعل الحاضرين يطلقون عليه لقب “المخل بالوعد”.

وحدد بان كي مون في بداية افتتاح المؤتمر، صباح اليوم، فترة 7 دقائق كحد أقصى لإلقاء كل وفد كلمة بلاده، على أن يتم قرع جرس تنبيهي مع انتهاء الدقيقة الخامسة وآخر في السادسة قبل المقاطعة مع انتهاء الدقيقة السابعة، في حين استثنى الأمين العام وفدي النظام والمعارضة من هذه المدة وحدد لهما (10) دقائق كحد أقصى، وتقدم برجاء لرئيسي الوفدين بأن يلتزما به وألا يحوي خطابهما كلاما استفزازيا أو هجوميا لأحد الوفود المشاركة.

ووعد المعلم بعد نشوب الملاسنة وبعد عدة فترات من التمديد بإنهاء كلمته خلال دقيقة إضافية، إلا أنه لم يلتزم بذلك أيضا، ما أثار حفيظة الأمين العام للأمم المتحدة وطلب من رئيس وفد النظام السوري الوفاء بوعده، إلا أن الأخير مض ى بالحديث لبضع دقائق أخرى بعدها.

وعند تحويله الكلمة إلى وفد المعارضة وضع كي مون محددات أمام رئيس الوفد المعارض أحمد الجربا بأن يكون “قدوة” ولا يتجاوز الوقت المحدد له في إلقاء كلمته أو يكيل الاتهامات للوفود المشاركة، كما فعل وزير النظام، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث حاز أحمد الجربا رئيس وفد المعارضة السورية المشارك في افتتاح مؤتمر “جنيف 2"، اليوم الأربعاء، على لقب “القدوة”.

وأثار تجاوز المعلم الوقت المخصص له وعدم امتثاله لقرع الأجراس ومقاطعة كي مون له عدة مرات، ابتسامات عضوي وفد النظام عمران الزعبي وزير إعلام النظام ولونا الشبل رئيسة المكتب الصحفي برئاسة الجمهورية، وهو ما نقلته عدسات الكاميرات التي كانت تواكب الحدث لحظة بلحظة كونه أول لقاء يجمع بين وفدين ممثلين للنظام السوري والمعارضة تحت سقف واحد.


حجج نظام الأسد


لم يفت على ممثل المعارضة الحديث في المؤتمر عن تلك النقطة التي يجعلها نظام الأسد حجة يسوقها في كل المحافل الدولية، ليظهر، بصورة مضطهدة، أن سوريا تواجه حربا مع تنظيم القاعدة و الإرهاب، حيث اتهم الجربا النظام السوري بأنه يمارس تلفيقا إعلاميا ممنهجا وحملة خداع، وأكد أن السوريين يعرفون الإرهاب جيدا لأنهم تركوا في مواجهته سنة كاملة قبل أن يضطروا إلى حمل السلاح.

وأشار إلى أن الشعب السوري قدم مئتي ألف قتيل وثلاثة ملايين متشرد خلال الثورة السورية، قائلا “لم يكن الدفاع عن النفس بالسلاح خيارنا، ولكنه الخيار الذي فرضه نظام بشار الأسد على السوريين”، مهاجما وليد المعلم واتهمه بفبركة روايات حول “الإرهابيين” من خلال عرض صور لمسلحين في لبنان في أحد المؤتمرات الصحفية التي عقدها الأخير مع بداية الثورة السورية، على أنهم ثوار سوريون، وهو “ما أظهر كذبه لاحقا”، على حد قوله.

وتابع رئيس الائتلاف المعارض قوله “من هنا نعتبر أن القرار الأممي 2118 الذي أسس لمؤتمر جنيف، استنادا إلى وثيقة جنيف 1 الصادرة في 30 يونيو 2012، قرار تاريخي وفرصة حقيقية لإنجاز حل سياسي يجنب سوريا والمنطقة شلالات من الدماء، ويحصن السلم والأمن الدوليين، خصوصا وأن سوريا أصبحت بفعل إرهاب الأسد ومرتزقته، مرتعاً لبعض الإرهابيين الذين يشكلون الوجه الآخر للأسد ويهددون السلم والأمن في المنطقة والعالم ومستقبل سوريا وثورتها”.

وأضاف “إننا نوافق بشكل كامل على مقررات جنيف 1 الذي اتفقتم عليه جميعا، ونريد أن نتأكد إن كان لدينا شريك سوري في هذه القاعة، مستعد أن يتحول من وفد بشار إلى وفد سوري وطني مثلنا. إنني أدعوه إلى التوقيع الفوري على وثيقة جنيف 1 بحضوركم جميعا الآن، لنقوم بنقل صلاحيات الأسد كاملة، بما فيها الصلاحيات التنفيذية، والأمن والجيش والمخابرات، إلى هيئة الحكم الانتقالية التي ستضع اللبنة الأولى في بناء سوريا الجديدة”.

وتنص وثيقة جنيف1 التي تم الاتفاق عليها في يونيو 2012 على غياب أي تمثيل سوري، في تشكيل حكومة انتقالية من ممثلين للنظام والمعارضة بصلاحيات كاملة تتولى المرحلة الانتقالية.

وطالب الجربا بأن يتحول ولاء الوفد السوري إلى “سوريا لا إلى الأسد داعيا إلى نقل صلاحيات الأسد إلى الهيئة المركزية، ووقف قصف المدنيين، وطرد المرتزقة، وإنهاء حالات المجاعة”.

تطرق زعيم المعارضة السورية إلى الجيش السوري الحر الذي يخوض حربا ضروسا ضد حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني في سوريا، قائلا “نحن شعب ذاق المر من حفنة طغت وبغت ويجب أن تمتد إلينا كل الأيادي، لا أن تمتد علينا”، مشيرا في كلمته إلى صور الـ 11 ألف معتقل الذين قتلهم النظام السوري في سجونه وتم الكشف عنها مؤخرا.

بدوره استشهد كيري، على ممارسات النظام، بـ”الصور الأخيرة التي أظهرت التعذيب الممنهج الممارس بحق آلاف السوريين في سجون النظام والتي أثارت ضجة عالمية، لفظاعتها، والتي سببت صدمة للرأي العام العالمي، وانطلقت المطالبات بمحاسبة النظام وأركانه وتقديمهم للمحكمة الجنائية الدولية، للنظر في الجرائم التي ارتكبوها.

في هذا الشأن أبدت تركيا استغرابها عن سكوت المجتمع الدولي عن جرائم النظام السوري، الموثقة بالصور والتقارير وقبوله بمفاوضة النظام على طاولة محادثات السلام في مؤتمر جنيف 2، وهو لا يعترف أصلا بمقررات مؤتمر جنيف1.

وقال أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي إن مؤتمر جنيف2، ليس مسرحية، بل يجب أن يتناول تطبيق مقررات جنيف1، للوصول إلى حل سياسي في البلاد، مؤكدا على وجوب محاسبة الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا.

ومضى داود أغلو في كلمته، التي جاءت ردّا على اتهامات المعلم، قائلا “قابلت رضيعة تسمى نور في المخيمات، ولدت قبل أيام بعيدة عن وطنها، وكانت واحدة من بين أكثر من 8 آلاف ولدوا في مخيمات اللجوء، وكانت تصرخ باكية، أوجاعها لن تنتهي إلا في العيش الكريم في بلادها، فيما الطفلة حورية في المستشفى، معاقة في انتظار أطراف صناعية، بعد أن تحطم مستقبلها”. وهي حالة من بين ملايين السوريين الذين غادروا وطنهم للبحث عن ملجأ في دول الجوار، وهم يبحثون الآن عن العودة.

طفلة سورية اقتلعت من حضن بلدها الدافئ ليرمى بها في مخيم للاجئين بتركيا


التقاء المواقف


تعلق الدول العربية إضافة إلى دول الغرب العظمى آمالا واسعة على ما يتمخض عنه مؤتمر جنيف 2 من قرارات تعتبر مصيرية بالنسبة إلى شعب عانى ويلات الحرب التي فرضها تعنت النظام السوري وتمسكه بالحكم، و يقول مراقبون إن مؤتمر جنيف يشكل تحديا لكل الدول الداعمة سياسيا وعسكريا للمعارضة السورية، في صراعها مع النظام وحلفائه. من جانبه أوضح وزير الخارجية المصري نبيل فهمي أن بلاده “تتوقع من المعارضة السورية أن تسعى إلى التوافق في ما بينها، وأن تعكس سياساتُها رؤيتها المنفتحة لمستقبل سوريا كدولة مدنية، تتسع لجميع أبنائها، وهي الرؤية التي فسرتها بوضوح المبادئ التي نص عليها العهد الوطني الذي اعتمد من قبل المعارضة في منتصف عام 2012، والتي يجب الالتزام بها، تحقيقا لما تضمنه نص الإعلان الصادر عن مؤتمر جنيف1.

وكان اقتراح جماعة الدول العربية تشكيل هيئة حكم انتقالية في سوريا ذات صلاحيات كاملة. وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، إن هدف مؤتمر جنيف 2 هو التنفيذ الكامل لمقررات مؤتمر جنيف 1 كاملة”. رغم التقاء مصالح الدول المساندة للمعارضة السورية أو المساندة لنظام الأسد في مؤتمر جنيف 2، والتي تندرج كلها ضمن لعبة سياسية كبرى هدفها فرض السيطرة في منطقة الشرق الأوسط، فلا يبدو السلام في سوريا، الذي صلى من أجله بابا الفاتيكان بينما كانت تجري أشغال المؤتمر، أملا قريبا.

وهو ما انعكس في تصريحات لاجئين سوريين مقيمين في مخيمات بتركيا قالوا إنهم لا يتوقعون نتائج إيجابية من مؤتمر جنيف2.

وقالت علا الحمادي، اللاجئة في أكاكالي بإقليم شانليورفا في جنوب شرق تركيا، إن السوريين يعانون من الجوع والبرد الشديد في سوريا مشيرة إلى أنها لا تتوقع الكثير من هذا الاجتماع. وقالت إن مثل هذا الاجتماع عقد من قبل ولم يخرج بنتيجة. وقال لاجئ آخر يدعى خالد المحمد إن المؤتمر سيكون فاشلا مثل مؤتمر جنيف 1.

أسدل الستار على أول لقاء يجمع ممثلين عن الحكومة والمعارضة وجها لوجه لأول مرة، دون حلّ واضح يبعث على التفاؤل. وبعد مونترو، ينتقل الوفدان السوريان إلى مدينة جنيف حيث يبدآن الجمعة، بحضور المبعوث الأممي إلى سوريا الإخضر الابراهيمي، مفاوضات بينهما حول سبل حل الأزمة في بلادهما. ومن المرتقب أن يشكل ذلك بداية عملية طويلة لحل أزمة سوريا.

7