محاذير تعديل المبادرة المصرية

الأربعاء 2014/07/23

أخيرا أعيد الاعتبار إلى المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار في غزة، وبدأ العالم يدرك أننا أقدر على تقدير الموقف السياسي والعسكري من قوى كثيرة تزعم أن لها اليد الطولي في أحداث المنطقة. هكذا تحدث معي مصدر دبلوماسي مصري رفيع، بعد وصول كل من بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، وجون كيري وزير خارجية أميركا إلى القاهرة وسبقهما مسؤولون كبار من دول مختلفة، مؤكدا أن الزيارات المتتابعة تؤكد عمق الدور الذي تقوم به مصر في إطفاء الحرائق المتعمدة، والاعتراف به رسميا في تصريحات مختلفة، يبطل البطولات الثانوية والزائفة التي يقوم بها البعض ويحاول أن يجعل منها أدوارا أساسية وحقيقية.

الواضح أن الصخب الذي تواتر حول المبادرة المصرية خلال الأيام الماضية كان يرمي إلى تعطيلها حتى لا تجني مصر ثمارا سياسية، وقد نجح مؤقتا في تحقيق هذا الهدف، ومنح أصحابه عن قصد أو دونه فرصة لإسرائيل كي تواصل عدوانها الغاشم على الشعب الفلسطيني في غزة، وتبرره بأن الطرف الثاني (حماس) هو الرافض للتهدئة بعد إعلان تل أبيب قبول المبادرة رسميا. كما أن اعترافات قيادات في الحركة بأن حماس هي البادئة بالاستفزاز من خلال قتل ثلاثة مراهقين إسرائيليين، وفر لبنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل ذريعة لتبييض الوجه القبيح للعدوان بل والإمعان في التقتيل وسط صمت دولي رهيب.

لكن بعد أن بالغت إسرائيل في الاعتداءات وحدثت مجزرة الشجاعية وتضاعف عدد الشهداء والمصابين من الأطفال، شعرت دوائر إقليمية ودولية متعددة بالعـار والخزي الإنساني. كما أن ارتفاع حجم الخسائـر في صفوف قوات الاحتـلال أفضى إلى اقتنـاع دوائـر كثـيرة بأن الحرب على غزة لن تكون نزهة إسرائيلية، ويمكن أن تتحـول إلى حرب شاملة، تتجاوز الأهداف السياسية التي شنت من أجلها، وتتورط فيها أطراف كانت مقتنعة أنها بعيدة في حرب بدت كأنها محدودة، وسوف تنتهي بالوصول إلى بضعة أغراض آنية.

لذلك دخلـت على الخط قوى دولية مؤثرة، وبدأت سلسلة مـن التحركات الدبلوماسية للسيطرة عليها، قبـل أن تنحرف عن مساراتها الرئيسية، فاتجهت تركيا لأن تتوارى نسبيا عن تحريضها لتسخـين الجبهة الفلسطينية المتمثلة في حماس، خشية أن تنزلق رجل أنقرة وتتورط في صراع أدمنت إدارته عن بعد منذ فترة طويلة، حيث كشف رجب طيب أردوغان عن حزمة من المواقف المتناقضة، بين سياساته الفعلية وتصريحاته الإعلامية.

وبدأت قطر تسحب أو تتنصل تدريجيا من مبادرتها المزعومة، ليس لأنها لن تستطيع تطبيقها على الأرض، بل خوفا من أن تنزلق في أزمة ينكشف فيها وجهها الحقيقي، عقب التيقن من وقوفها خلف إصرار حماس على رفض المبادرة المصرية، وإظهار أقصى قدر من التشدد حيالها. وفي النهاية عادت الكرة إلى ملعب القاهرة، بدليل تجييش التحركات الدولية واتجاهها صوب القاهرة، باعتبارها مفتاح الحل السياسي الطبيعي للقضية الفلسطينية.

الثابت زمنيا، أن الدول التي أطلقت مبادرات تهدئة مع الجبهة الإسرائيلية، أو تلك التي رعت مصالحات بين فصائل فلسطينية لم تحقق نجاحات سياسية، بعيدا عن مصر. وهذا الثابت لا يعود فقط لضعف أوراق اللاعبين الإقليميين في هذا المضمار فقط، لكن لأن القاهرة طرف أساسي في القضية الفلسطينية، يصعب تجاهله وقت السلم أو الحرب. وبالتالي فالعودة إلى المبادرة المصرية مسألة منطقية، يدركها كل من يتأمل متعرجات ومنحيات الصراع العربي الإسرائيلي، أما من يتعاملون معه بطريقة الهواة، جريا وراء هدف هنا أو غرض هناك، فلا يملكون نفسا طويلا للاستمرار، وعند أول منعطف أو محك جاد سوف يفرون من أرض المعركة، بأبعادها المتشابكة، ولن يستطيعوا تحمل تكاليفها الباهظة.

الحاصل أن تعديل الدفة والعودة إلى القاهرة اصطحب معه تكهنات وتخمينات تتعلق باحتمال إدخال تعديلات على المبادرة المصرية، لحفظ ماء وجه حماس أمام مواطني غزة الذين تكبدوا خسائر فادحة، بعد رفضها وقت طرحها رسميا، وتعمدوا تسويق تحسن الموقف التفاوضي للحركة، وأن التحركات الحثيثة التي تقوم بها جهات دولية ترمي إلى إخراج إسرائيل من مأزق سياسي وأمني بالغ الصعوبة. لكن هؤلاء نسوا جملة من المحاذير والاعتبارات تجعل من تعديل المبادرة المصرية عملية غاية في الصعوبة.

بصرف النظر عن نوعية التعديل وطريقته، فإن تنفيذه ينطوي على مساس بدور مصر، التي أطلقت مبادرتها لتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني في غزة، لأنها أدركت مبكرا حجم الخطر الذي يحدق به بمجرد اندلاع الشرارة الأولى للحرب.

وأي تعديل على بنودها الرئيسية سوف يعزز الاتهامات التي طالتها منذ اللحظات الأولى، وربما قبل معرفة محتويات مبادرتها من جانب آخرين، وهو ما ترفضه القاهرة. وقد أكد سامح شكري وزير الخارجية على عدم الاستعداد لقبول أي حذف أو إضافات عليها.

كما أن إدخال أي تعديل، حسب بورصة التكهنات، من المفترض أن يصب في صالح حماس، الأمر الذي ترفضه إسرائيل، لأنه اعتراف معلن بهزيمتها. وهي نتيجة لن تقبلها واشنطن التي ساندت العدوان. بالتالي إما أن تقبل المبادرة كما هي كخطوة أولى نحو وقف إطلاق النار ثم يتم الحديث عن التفاصيل، أو ترفض ويستمر الدوران وسط حزمة من المزايدات التي تضاعف الخسائر الفلسطينية.

التقدير عندي أن الحرب على غزة دخلت مرحلة فاصلة، لن تنفع معها مناورات أو مساومات أو ألاعيب انتهازية، ونتائجها يمكن أن تخلط الكثير من الأوراق السياسية. لذلك تظل المبادرة المصرية نقطة ارتكاز محورية، تجاوزها أو حتى تعديلها قد يؤدي إلى مزيد من التعقيدات الإقليمية.


كاتب مصري

8