محاربة إيران لداعش غطاء لتغيير ديمغرافية العراق

الأربعاء 2015/02/18
ميليشيات الحشد الشعبي ذراع إيرانية جديدة للتحكم في ديمغرافية العراق وتثبيت سياستها الطائفية

لندن - تشكلت ميليشيات الحشد الشعبي في العراق بعد فتوى المرجعية الدينية بـ “الجهاد الكفائي” لمواجهة تنظيم داعش الذي أخذ في التمدد والسيطرة على أجزاء كبرى من شمال العراق وعلى الحدود مع سوريا. ولكن تبقى الأهداف متعددة من وراء تشكيل هذه الميليشيات التي تدين بالولاء لإيران، حيث ترى عديد الطوائف العراقية أن هذه التشكيلات قد أخذت في تغيير ديمغرافية المناطق التي يقع تحريرها من سطوة تنظيم الدولة من خلال عمليات قتل سكانها ذوي الأغلبية السنية وتهجيرهم.

تتفاوت التوقعات حول عدد مقاتلي الحشد الشعبي، إلا أن البعض يقدره بعشرات الآلاف، وتتوزع فصائل الحشد الشعبي على قسمين، يتكون الأول من فصائل عسكرية معروفة مثل “منظمة بدر” و”كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”سرايا السلام” (جيش المهدي سابقا بقيادة مقتدى الصدر) و”لواء الخراسان” وغيرها.

أما الثاني فيتكون من فئة من الشباب انضمت إليه استنادا إلى فتوى صدرت عن المرجع الشيعي علي السيستاني لمقاتلة المتشددين السنّة، بعد سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة في يونيو عام 2014.

فتوى مواجهة داعش مكنت إيران وميليشياتها في العراق من موطئ قدم جديد للهيمنة على هذا البلد، فبعد التوجهات الطائفية للحكومات المتعاقبة منذ سقوط بغداد في 2003 وجدت طهران فرصة أخرى لمزيد الإمعان في الطائفية، فكان تشكيل هذه الميليشيا الجديدة التي وجدت غطاء دينيا من قبل المرجعيات الشيعية وغطاء سياسيا من جهة دعم السياسيين الشيعة لها على الأرض، إضافة إلى الإشراف المباشر لقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني عليها.

وقد انتشرت هذه الميليشيات التي يشكل فيها المتطوعون الشيعة النسبة الأكبر، وتمركزت في أقضية ونواحي طوزخورماتو، وسليمان بيك، وينكجة، وتازة خورماتو، وداقوق، ومناطق جبل حمرين.

هذه الميليشيات تتحرك في إطار خطط طهران لطمس التنوع الذي يميز العراق بجعل الطائفة الشيعية هي الأكثر عددا بغية تغيير الخارطة الديمغرافية لبلاد الرافدين.

ميليشيات الحشد الشعبي لا تختلف في صورتها عن تنظيم الدولة، فكلاهما يسعى لتمزيق أوصال العراق من باب الطائفية

وإزاء هذا التمدد الميليشياتي الذي يقابله تمدد ميليشياتي آخر متمثل في داعش وهمجيتها يقف سكان القرى والمدن العراقية المحتلة من قبل تنظيم الدولة وتدخلات ميليشيات الحشد الشعبي فيها بحجة مقاومة هذا التنظيم، ما بين المطرقة والسندان، وهذا ما جعل وجهات النظر من الحشد الشعبي تأخذ بعدا متعدد وجهات النظر ما بين مؤيد لها ومعارض لوجودها.

واستنادا إلى تقارير بعض المنظمات الدولية، مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش فإن الحشد الشعبي يجعل من دخوله في مواجهة مع تنظيم داعش سبيلا للانتهاكات في حق متساكني المناطق التي يقع تحريرها من قبضة تنظيم الدولة، فقد اتهمت منظمة العفو الدولية الحشد الشعبي بقتل عشرات المدنيين السنة “بإعدامات عشوائية”، وأشارت المنظمة الدولية إلى أن حكومة حيدر العبادي التي تدعم هذه المجموعات وتسلحها تغذي دوامة جديدة وخطرة من انعدام القانون والفوضى الطائفية في البلاد. وأشارت المنظمة كذلك إلى أن “الميليشيات الشيعة أقدمت خلال الأشهر الأخيرة على اختطاف مدنيين سنّة وقتلهم في بغداد ومناطق أخرى من البلاد”.

كما وجهت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر الأحد الماضي، أصابع الاتهام إلى “الميليشيات الشعبية” بارتكاب انتهاكات على نحو متصاعد بحق السنة في العراق ويرقى بعضها إلى جرائم الحرب.

ويقول جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمنظمة “يتعرض المدنيون في العراق لمطرقة داعش، ثم مطرقة الميليشيات الموالية للحكومة في المناطق التي يستعيدونها من داعش. ومع رد الحكومة على من تعتبرهم إرهابيين بالاعتقالات التعسفية وعمليات التصفية، لا يجد السكان مكانا يلجؤون إليه لالتماس الحماية”. وأشارت المنظمة، إلى أن “ما لا يقل عن 3000 شخص فروا من منازلهم في منطقة المقدادية بمحافظة ديالى منذ يونيو الماضي بسبب الحشد الشعبي، ومُنعوا من العودة إليها منذ أكتوبر”. وأضافت المنظمة أن الانتهاكات تصاعدت بداية من أكتوبر 2014، وهو الشهر التالي لتولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء وتعهده بكبح الميليشيات المسيئة وإنهاء الطائفية التي كانت تغذّي حلقة العنف في عهد سلفه المالكي.

وأمام استفحال انتهاكات ميليشيات الحشد الشعبي تباينت الآراء حولها، ففي الوقت الذي يرحب فيه التركمان والعرب الشيعة وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بتواجدها في المنطقة، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني يعارض وجودها، بينما يثير أمر تواجدها قلق العرب.

أكثر من 3000 شخص فروا من منازلهم في منطقة المقدادية بمحافظة ديالى منذ يونيو الماضي بسبب الحشد الشعبي

إسماعيل الحديدي نائب محافظ كركوك السابق والقيادي في العشائر العربية يعبر عن قلقه من تواجد ميليشيات الحشد الشعبي في كركوك، ومشاركتها في العمليات العسكرية، مؤكدا أن البلدات والمناطق ذات الغالبية العربية تخشى من مشاركتها في عملية عسكرية محتملة ضد التنظيم، وذلك بسبب الانتهاكات التي شهدتها محافظة ديالى ومنطقة العظيم. وأردف الحديدي “نحن نعتقد أنه يجب توضيح طبيعة قيادة هذه القوات، وخلافا لذلك فإننا لا نقبل بوجودها”.

وقال عضو البرلمان الكردستاني وممثل الإيزيديين شيخ شامو “أيّ قوة أو ميليشيا خارجة عن قرار برلمان إقليم كردستان وحكومته وموافقتهما وقوانينهما مرفوضة من قبل الإيزيديين، حيث أن سنجار والإيزيديين ليسوا بحاجة إلى ميليشيات الحشد الشعبي”.

رغم موجات الرفض لتواجد هذه الميلشيات فهي تجد من يدافع عنها، لإعطائها وجودا حقيقيا على الأرض، مثل هادي العامري، قائد منظمة بدر، حيث يقول “إن ساسة من السنة متعاطفين مع المسلحين المتشددين من السنة يفترون على لجان الحشد الشعبي، وما تردد عن عمليات القتل في بروانة مجرد أكاذيب”، كما اتهم العديد من السياسيين السنة بقوله “هم حماة داعش، وهؤلاء لا يريدون لأبناء الحشد الشعبي أن يحرروا العراق”.

ميليشيات الحشد الشعبي لا تختلف في صورتها عن تنظيم الدولة، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، فكل واحد منهما يسعى لتمزيق أوصال العراق من باب الفتن الطائفية، وهنا تلتقي طائفية طهران وطائفية البغدادي لتجعلا من العراق أرضا لتصفية الحسابات بين السنة والشيعة بغية تغيير الخارطة الديمغرافية لبلاد الرافدين.

13