محاربة الأيقونات

الخميس 2015/08/13

صُدم الغرب بتدمير داعش للآثار القديمة في مدينة الحضر ونمرود والموصل أكثر مما صدم بجرائم القتل والسبي والاغتصاب وبيْع النساء في سوق النخاسة، وعَدّوا مرتكبيه جهلة ظلاميين، وبداة متوحشين يعادون الأعمال الفنية، ويعتدون على الذاكرة الإنسانية، مدفوعين بحقد أعمى ضد كل إبداع لا ينتمي إلى الحضارة الإسلامية. فهل أن ما اقترفته داعش -على بشاعته وفظاعته- بدعة؟ وهل أن التخريب خاص بالفضاء العربي الإسلامي وحده دون سواه؟

في كتاب له بعنوان “تدمير الفن: محاربة الأيقونات وأعمال التخريب منذ الثورة الفرنسية”، ينفي السويسري داريو غامبوني، أحد كبار مؤرخي الفن في العالم، أن يكون ذلك حكرا على حضارة معينة، فمحاربة الأعمال الفنية كانت على مرّ التاريخ ممارسة ترتكب عفويا “من أسفل المجتمع″ أو تمتثل لقرار “من فوق”، سواء في النزاعات المسلحة، أو عند احتدام الصراعات الأيديولوجية والدينية والسياسية، كما هي الحال في الأزمنة المعاصرة.

ويذكّر بهدم نبوخذ نصر لمعبد أورشليم وحرق الروم لقرطاج ومعابدها وآلهتها، وتخريب الآثار الفنية في عهد الإمبراطورية البيزنطية، واستعمال العرب كتب الإسكندرية إبّان الفتح الإسلامي وقودا لأفران الفسطاط، لصنع الخبز وقلي الزلابية. ثم أثناء الحروب الدينية في أوروبا وتحريض أحد المصلحين البروتستانت جان كالفين على إزالة الصور ذات الصبغة الدينية، وعقب الثورة الفرنسية التي ابتُدِعت خلالها لفظتا “الوندال” و”الوندالية” للدلالة على المخربين الذين يدمّرون في طريقهم كل ما له صلة بالماضي، مثل حصن الباستيل ومسلة ساحة فندوم بباريس، وتماثيل البرونز في سائر المدن الفرنسية.

ولم تسلم الآثار الفنية حتى عهد قريب، كإتلاف النازيين لما سموه “الفن المنحرف” أي كل الأعمال الفنية التي لا تمجّد العرق الآري، وتدمير الميليشيا الكرواتية لجسر موستار في البوسنة أثناء حروب التصفية العرقية، وتحطيم تماثيل الحقبة السوفيتية بعد سقوط جدار برلين، وأخيرا نسف الروس لأعمال فنية في دونيتسك بأوكرانيا. وفي كل الحالات تعامل الآثار الفنية كما يعامل العدوّ، بدعوى أنها مسؤولة عما تمارسه من تسلط على عقول الناس، وأن إزالتها تلغي ذلك التسلط. وهو ما تؤكده داعش في تسويغ أعمال التدمير، إذ تزعم أنها إنمّا تحارب الشِّرك.

ولكن الفرق بين جرائم داعش وجرائم السابقين أن الأولى صارت تصل إلى العالم، فهي مسجلة في فيديوهات ينقلها الإنترنت بمجرد نقرة، لأن الحرب أصبحت حرب صور. والإرهابيون الإسلامويون، في إخراجهم لمشاهد التدمير، إنما يمسرحون إعدام الآخر، الذي يخالف أيديولوجيتهم. أما نهب الآثار الفنية، فتلك قضية أخرى.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15