محاربة التشدد تصطدم بجمود فاعلين في الحقل الديني

الأربعاء 2017/10/18
الطيب يرى في الإبداع دعوة زائفة

القاهرة - منح مؤتمر الإفتاء العالمي الثالث الذي انطلق بالقاهرة الثلاثاء، الضوء الأخضر لحكومات الدول العربية والإسلامية، سن تشريعات صارمة تستهدف فوضى الفتاوى.

وخلصت محاور كلمات الحضور في اليوم الأول للمؤتمر الذي ينتهي الخميس، إلى أن عدم وجود تشريعات لضبط الفتاوى يؤثر بالسلب على المجتمع واستقراره الأمني، ويفضي إلى أزمات خطيرة تصل إلى حد تقسيم المجتمعات ونشر التطرف الفكري.

وشدد المجتمعون على أن “توحد هدف الإفتاء هو السبيل الأمثل لمواجهة الفتاوى الشاذة، والتي كانت السبب في انهيار بعض الدول وتنامي الإرهاب والتشدد الديني”.

ويتناول المؤتمر مجموعة من المحاور وهي، الفتوى ودورها في تحقيق الاستقرار وأسلوب الافتاء والإجابة على الأسئلة القلقة والمحيرة، وأثر الفتاوى الشاذة على الاستقرار، ودور الفتاوى في مواجهة الإفساد والتخريب وتفنيد فتاوى الجماعات المتطرفة، وإدراك الواقع في فتاوى التنظيمات الإرهابية.

واتفقت غالبية الكلمات على أن ما يجري من انقسام بين الشعوب ومن تنام لظاهرة إباحة القتل والتكفير، يرجع أولًا وأخيرًا إلى الفتاوى الشاذة، التي لم تعد التنظيمات الإرهابية المسلحة مصدرها الوحيد.

وقال محمد عبدالكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، إن عدم وجود قوانين لضبط الفتوى يدمر المجتمعات ويزعزع استقرارها لأن بعض المتصدرين للفتوى لم يفرقوا بين الفتوى العامة والخاصة.

وصدّق مختار جمعة وزير الأوقاف المصري خلال كلمته على حديث العيسى، بالتأكيد على أن “انضباط الفتوى حسب تشريعات صارمة يحول دون دخول غير المؤهلين إلى مجال الفتوى وما يترتب عليه من انتشار الفوضى وظهور الجماعات الإرهابية”.

متخصصون في شأن الجماعات المتطرفة، يرون أن المؤتمر خطوة جيدة على طريق مواجهة الفكر بالفكر

ويرى متخصصون في شأن الجماعات المتطرفة، أن المؤتمر خطوة جيدة على طريق مواجهة الفكر بالفكر، وتبني الوسطية، لكن المشكلة في تراخي المؤسسات الدينية في اتخاذ خطوات شجاعة في هذا الشأن.

ويقول هؤلاء إنه حتى مع دعوة المشاركين في مؤتمر الإفتاء إلى ضرورة اقتصار الفتوى على المختصين في الدين والشريعة، فإن بعض المنتسبين للمؤسسات الدينية أنفسهم، أكثر تشددًا من الذين يفتون بغير علم أو حجّة ولا توجد شجاعة لتطهير هذه المؤسسات منهم.

وألمح محمد الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأبوظبي، إلى هذه الإشكالية، بتأكيده حتمية تأهيل رجال الإفتاء مع إلزام أهل الفتوى أنفسهم، وقبل أيّ شيء آخر، بصحيح الدين والإفتاء الشرعي، مع ضرورة تحييد الفتوى عن الأمور السياسية، مثلما هو معمول به في دولة الإمارات. وتطرق مفتي لبنان، عبداللطيف دريان، على استحياء إلى خطورة الأخطاء التي يرتكبها المعنيون بالفتوى وتابعون لمؤسسات دينية رسمية، حينما دعا إلى ضرورة التأهل والتأهيل كمسار أول يقوم عليه تجديد الخطاب الديني من خلال التركيز على الاختصاص والتخصص في الفتاوى، فلا يظهر ولا يتحدث إلا المختصون المكلفون والمدربون على ذلك.

ومؤتمر القاهرة للإفتاء هو الثالث من نوعه، لكن لم يحدث شيء ملموس في ما جرى الاتفاق عليه خلال المؤتمرين السابقين.

الجديد في المؤتمر الحالي أنه يريد اجتثاث أزمة الإفتاء من المنبع، بأن يكون هناك موقف عربي وإسلامي واحد لإقصاء المتشددين.

وطرح المؤتمر قضية مهمة تتمثل في ضرورة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، ما يعكس أن المؤسسات الدينية بدأت تتخلى عن بعض الجمود الذي سيطر عليها من التمسك بالتراث وعدم الارتكان إلى حتمية تغير الفتوى بالقضايا المعاصرة.

وقال شوقي علام، مفتي مصر، إن “الفتاوى المعاصرة أصبحت واقعًا لا بد منه، وعلى المفتي أن يغير من اجتهاده بتغير ظروف الواقع، ومطلوب أن يراعي تغير العرف وتجدد العادات التي تقتضي تجدد الأحكام ومعه تتغير الفتاوى”. وأضاف أن مكافحة الإرهاب ودعوات سفك الدماء تتطلب الاعتدال وترسيخ مبادئ الوسطية في الفتاوى بعيدًا عن التمسك بأحكام، لم تعد مناسبة لهذا الزمان.

غير أن كلمة أحمد الطيب شيخ الأزهر، أخذت مسارًا مغايرًا تمامًا لفكرة المؤتمر، بعدما تركزت تقريبًا على الهجوم بقسوة على منتقدي الأزهر ودعاة حرية الرأي والتعبير.

وقال الطيب إن أهل العلم والفتوى ابتلوا بدعاوى زائفة يغلَّف بها للتدليس على الشباب، كدعاوى التنوير وحرية الإبداع وحقِّ التعبير، حتى أصبح من المعتاد إدانة الأزهر ومناهجه ووصفها بأنها لم تعد تصلح لهذا الزمان.

وزاد على ذلك بأنه تزامن مع إزاحة البرقع عن وجه التغريب، ودعوات وجوب مساواة المرأة والرجل في الميراث، وزواج المسلمة بغير المسلم، وهو فصل جديد من فصول اتفاقية “السيداو”، أي إزالة أي تمييز للرجل عن المرأة يراد للمسلمين الآن أن يلتزموا به ويلغوا تحفظاتهم عليه. ويرى مراقبون، أن إصرار الأزهر بهذا الشكل، على التشبث بالتراث وعدم الاعتراف بتشدد فتاوى بعض علمائه والتمادي في تقديسهم، من شأنه وضع عراقيل عديدة أمام مسألة تجديد الخطاب الديني والإفتائي ويهدم كل ما يخطط له المؤتمر من وضع أسس جديدة للإفتاء تتفق مع القضايا المعاصرة التي لم تكن موجودة في أزمنة مضت وإقصاء غير المؤهلين للفتوى.

ويقول هؤلاء إن الإصرار على تحميل وسائل الإعلام مسؤولية نشر فتاوى متشددة، بعيدًا عن تنقيح المؤسسات الدينية الرسمية نفسها وتطوير أدائها وإبعاد المتشددين عن الإفتاء والبت في أمور دينية بحتة، من شأنه أن يبقي الفوضى الحالية على ما هي عليه.

2