محاربة العنصرية بتقييد حرية التعبير جهل بجوهر المشكلة

حظر المواقع لا يعالج جوهر المشكل المتمثل في تعميم الأفكار العنصرية التي يبثها قادة العالم الشعبويون والسياسيون والناشطون اليمينيون المتطرفون والأحزاب اليسارية.
الخميس 2019/05/09
تقييد حرية التعبير يضاعف العنف بدل التخفيف منه

رفعت سلسلة الهجمات التي شهدها العالم في الأشهر الأخيرة من هجوم مدينة كرايستشيرش بنيوزيلندا، إلى تفجيرات سريلانكا يوم عيد الفصح من مستوى المخاوف العالمية بشأن تصاعد خطاب العنف والتطرف، الذي تبين أن صوته صار أعلى رغم السياسات المتشددة التي اتبعتها شركات مواقع التواصل الاجتماعي لحظر ومراقبة المواقع التي تروّج لهذه الأفكار.

لندن – بعد يوم من مقتل 51 شخصا من المصلين في مسجدين في مدينة كرايستشيرش بنيوزيلندا على يد متطرف يميني، تلقى نائب رئيس الرابطة الإسلامية في بريطانيا محمد كوزبار مكالمة هاتفية تقشعر لها الأبدان على بعد آلاف الأميال من الهجوم الإرهابي.

يقول كوزبار، الذي يتولى أيضا دور الأمين والسكرتير العام لمسجد فينسبري بارك في لندن، إن المتصل هدده مؤكدا أن مجموعته ستكون التالية. وأضاف أنه لا يعلم مدى صحة هذا التهديد، معلنا أنه لن يخاطر بسلامة جاليته.

استحضرت صحيفة فايننشال تايمز هذه الحادثة ضمن تقرير يرصد انتشار الكراهية والعداء للآخر (المسلم أساسا) بين المجموعات المصنّفة ضمن التيار اليميني في بريطانيا، مشيرة إلى أن الهجوم الذي شهدته نيوزيلندا في مارس أعاد لأذهان المئات من المسلمين الذين يصلون بانتظام في مسجد شمال لندن الذي شدد الاستعداد الأمني في محيطه بعد التهديد، ذكريات لتجربة مريرة مع التطرف اليميني في المملكة المتحدة.

الوضع يزداد سوءا

تُجمع فرق الشرطة والأمن البريطانيين على أن التهديد يتزايد.وتنقل فايننشال تايمز عن أحد كبار المسؤولين الأمنيين في المملكة المتحدة قوله “يسود شعور عام بأن الأمر يزداد سوء في وقت يزداد فيه العالم تناقضا”، وهو أمر لا يقتصر فقط على المملكة المتحدة، حيث يشهد العالم بأسره تصاعدا في موجهات التطرّف والتطرّف المضاد، والتوجه نحو العنف بكل أشكاله.

تجادل ناز شاه، النائبة العمالية المعارضة عن برادفورد ويست في شمال إنكلترا، بأن الانقسامات السياسية في العقد الماضي هي التي تسبّبت في تصاعد جميع أشكال التطرّف. ووضّحت أن المجتمع لم يعد يثق في السياسيين، قائلة “خلقت معضلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مع ثماني أو تسع سنوات من التقشف فراغا سرعان ما ملأته الآراء المناهضة للمؤسسات الحكومية عبر الطيف السياسي”.

الاكتفاء بمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي يدفع الباعثين الحقيقيين للرسائل العنصرية إلى منصات بديلة

لكن، المحلل السياسي الأميركي جيمس دورسي يحمّل قادة العالم وشركات التكنولوجيات والجهات التي مازلت سياساتها قاصرة في محاربة هذه الظواهر. ويقول دورسي إن عقلية “إلقاء اللوم على ناقل الرسالة” تسطير على جهود قادة العالم وكبرى شركات التكنولوجيا العالمية الرامية إلى الحدّ من المنشورات التي يتخللها التضليل والتطرف وخطاب الكراهية، مشيرا إلى أن هذه العقلية قاصرة ولا تستهدف جوهر المشكلة.

وجدت دراسة منفصلة أجرتها منظمة “تيل ماما”، التي تنشط في مواجهة الكراهية ضد المسلمين وترصد كل ما يتعلق بالإسلاموفوبيا، تضاعف جرائم الكراهية التي تستهدف المساجد بين عاميْ 2016 و2017 لتصل إلى 110. وتضاعفت التهديدات والمضايقات وسلوكيات الهادفة إلى التخويف بنسبة أكثر بثلاثة أضعاف خلال نفس الفترة، في حين تضاعفت جرائم الكراهية العنيفة ضد الأفراد.

حظر موقع الفيسبوك مجموعات وأفراد ينتمون إلى أقصى اليمين في المملكة المتحدة، بما في ذلك تومي روبنسون، مؤسس المجموعة اليمينية المتطرفة “رابطة الدفاع الإنكليزية” واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينوم، لبثه خطاب كراهية على منصة التواصل الاجتماعي.

جيمس دورسي: الرقابة المقتصرة على وسائل التواصل الاجتماعي غير فعالة
جيمس دورسي: الرقابة المقتصرة على وسائل التواصل الاجتماعي غير فعالة

تحدث أحد المسؤولين الحكوميين في المملكة المتحدة شريطة عدم الكشف عن هويته، مشيرا إلى أن انتشار العنف جاء نتيجة شعور النشطاء اليمينيين بأن أصواتهم لا تمثّل كما يجب، وبسبب إحباطهم لفشلهم في تحقيق غاياتهم عبر الاحتجاجات الرسمية. وهذه الاحتجاجات تقوي رؤية جيمس دورسي، حيث يولد الكبت الانفجار، فتقييد حرية التعبير سيضاعف العنف بدل التخفيف منه.

تعميم الأفكار العنصرية

 اتخذت شركة فيسبوك، وشركة إنستغرام التابعة لها، قرارا مبنيا على عقلية “إلقاء اللوم على ناقل الرسالة”. وحظرت حسابات بعض الشخصيات الأميركية والبريطانية. وقامت بحظر عدد من المواقع يتضاعف مع كل عملية إرهابية جديدة، سواء تبنّاها مسلمون أو استهدفتهم.

ويستحضر جيمس دورسي في هذا السياق أسماء مثل ألكس جونز، وهو مالك موقع “إنفو وورز” (حرب المعلومات)، ولويس فاراخان، وهو رئيس منظمة “أمة الإسلام” الأميركية، الذي اشتهر بسبب تعليقاته المعادية للسامية، وميلو يانوبولوس، وهو المسؤول التحريري السابق لموقع “بريتبارت”، ولورا لومر، التي تعرّف نفسها بأنها صحافية استقصائية، وبول جوزيف واتسن، وهو مذيع راديو ومحلل لنظريات المؤامرة.

أعلنت فيسبوك عن الحظر قبل أسبوعين من اجتماع جمع وزراء يمثلون مجموعة الدول الصناعية السبع في باريس مع ممثلي شركات التكنولوجيا لمناقشة حظر المحتوى المتطرف. ويتزامن الاجتماع، الذي يشارك فيه وزراء من كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، مع محادثات بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن ترمي إلى إيجاد حلول، بهدف القضاء على المحتوى المتطرف العنيف على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأصبح رد أرديرن على هجوم مدينة كرايستشيرش، وردّ النرويج على مقتل 77 شخصا على يد متطرف أبيض آخر سنة 2011، نموذجين في كيفية مواجهة العنصرية دون التطرق للقومية أو حصر المشكلة على مستوى أمني ورقابي.

ويرى دورسي أن على مختلف الأطراف التي تحاول معالجة المشكلة أن تفهم أن القادة الذين ينشرون خطابات التفوق الحضاري والعرقي والديني المنتمين إلى منصات مختلفة هم الذين خلقوا بيئة لم تعد فيها التعبيرات الدينية المبررة للتفوق العنصري أو العرقي أو الديني “محرّمة” اجتماعيا.

وأصبح هذا الطابع جزءا من الخطابات السائدة في كل من المجتمعات الديمقراطية وغير الديمقراطية. كما يتجاهل هذا الحل حقيقة أن أسوأ الفظائع في التاريخ الحديث، بما في ذلك محرقة اليهود والإبادة الجماعية في رواندا ومذبحة سربرنيتسا التي أسفرت عن مقتل 8 آلاف فردا على الأقل، سبقت ظهور وسائل التواصل الاجتماعي.

تضاعف جرائم الكراهية العنيفة ضد الأفراد
تضاعف جرائم الكراهية العنيفة ضد الأفراد

يمكن أن تتصدى تدابير حظر المواقع التي تبث المعلومات الخاطئة والأفكار العنصرية، لكنها تفشل في معالجة جوهر المشكل وهو: تعميم الأفكار العنصرية التي يبثها قادة العالم الشعبويون والسياسيون والناشطون اليمينيون المتطرفون، والأحزاب اليسارية.

ويخلص دورسي إلى أن الاكتفاء بمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي لن يستهدف سوى أكثر التعبيرات تطرفا. ويدفع هذا النهج الباعثين الحقيقيين للرسائل العنصرية بعيدا عن الأنظار أو إلى منصات بديلة.

ويتجاهل الحل حقيقة أن العناصر المتطرفة، بما في ذلك قادة العالم من أمثال الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ومستشار ترامب السابق ستيف بانون والسياسيين والناشطين الأوروبيين مثل مارين لوبان وخيرت فيلدرز أو حزب البديل من أجل ألمانيا وغيرهم، يصنعون عالما تهدد فيه العنصرية والتفوق العرقي بتشكيل العلاقات بين الطوائف والعلاقات الدولية.

 ومن شأن هؤلاء أن يحولوا حلول قادة العالم وشركات التكنولوجيا، التي لا تتجاوز الرقابة المقتصرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي سياسات غير فعّالة.

7