محاربو السرطان يصنع منهم المجتمع إما مقاتلين وإما أسرى

المتعافي من السرطان في أي مجتمع، هو الطبيب النفسي الأكثر قدرة على انتشال المصابين الجدد من دوامة اليأس، لأنه بالنسبة لهم بارقة الأمل في الانتصار والعودة إلى الحياة الطبيعية من جديد.
السبت 2019/09/28
الاحتواء المجتمعي حياة

جالست الكثير من المحاربين، وخرجت بنتيجة أنه يستحيل أن يشعر الأصحاء بالحالة النفسية والسلوكية التي يعيشها مصابو الخلايا السرطانية، حتى لو كانوا من الأطباء أنفسهم، لذلك تسعى “العرب” إلى نقل تجربة حيّة يمكن أن تغير الكثير من المفاهيم والموروثات والتصرفات المجتمعية الخاطئة تجاه محاربي السرطان.

 القاهرة - ربما دُوّنت من قبل آلاف الكتابات الصحافية عن السرطان ومحاربيه، لكن الفارق هنا أن كاتب هذه السطور من محاربي السرطان الذين يعيشون حتى الآن تجربة المرض بكل تفاصيلها وتعقيداتها وآلامها. فطوال رحلة علاج امتدت قرابة العام، وما زالت، رصدت مآسي وأحلام محاربي السرطان مع المجتمع.

جلسات مع مقاتلين

عندما أبلغ الأطباء سعاد محمد صاحبة الخمسين عاما، أنها مصابة بمرض سرطان الثدي، ولا مفر من إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم، اصطدمت بمعاملة غير سوية من أهل زوجها، ووجدت نفسها بين خيارين، إما الاستئصال للحفاظ على صحتها، وإما الاستسلام للمرض وصولا إلى النجاة من نظرة المجتمع، واختارت الطريق الأول أمام ضغوط أبنائها، رغم غضب زوجها بذريعة أن مظهرها سوف يكون مشوها.

حُرمت سعاد من الدعم المجتمعي مبكرا في معركتها ضد السرطان. فزوجها توقف عن التكفل بعلاجها بعد فترة قصيرة لارتفاع ثمن الدواء، واضطرت إلى بيع ميراثها عند عائلتها للإنفاق على نفسها، ورغم انتظامها في العلاج كانت نسب الشفاء ضعيفة لسوء حالتها النفسية وشعورها بأن المجتمع القريب منها تبرأ منها.

في كل مرة كانت تأتي لعيادة الطبيب المعالج تبدأ جلسات العلاج الكيميائي بالبكاء. قد تهدأ قليلا، لكنها تعاود تذكير نفسها بنظرة الأهل والمجتمع إلى حالتها، وكيف أصبحت وحدها في مواجهة مرض سرطاني ينهش جسدها، وتكتوي أعضاؤها بنار العلاج، حتى أبلغها الأطباء بأن استمرارها على هذه الحالة النفسية كفيل بقرب موتها، لأن السرطان سوف يتمكن منها وينتشر في باقي جسدها.

عكست حالة سعاد أن المجتمع كفيل بتسريع نسب شفاء محاربي السرطان، وقد يكون السبب في التعجيل برحيلهم عن الحياة، مهما كانت قوة العلاج؛ إذ لا يمكن للمصابين بهذا المرض اللعين أن يحاربوا وحدهم دون غطاء مجتمعي يوفر لهم الدعم الكافي ويحثهم على الثبات والتحدي والتمسك بعزيمة المقاتلين على جبهة الحياة، فإذا كان العلاج من السرطان أولوية قصوى، فلا قيمة له أمام غياب التكافل الاجتماعي.

تكمن الأزمة في أنه في الكثير من المجتمعات يتم التعامل مع محارب السرطان على أنه شخص مؤهل للموت في أي لحظة، وإصابته بهذا المرض تعني أنه في مراحل عمره الأخيرة، وهو تفكير خاطئ كثيرا ما يتسلل إلى المريض نفسه، فيبدأ بالانهيار نفسيا وبدنيا منذ لحظة سماع إصابته بالسرطان، ويختار العزلة عن الاختلاط والتعايش مع المحيطين به. يفكر ويتأمل في ما تبقى من حياته، متى سيموت وكيف يستعد لهذا اليوم.

صحيح ليس كل محاربي السرطان يفكرون بهذه الطريقة، لكن الأغلبية تذكّر نفسها بالموت طوال الوقت، وهنا يأتي دور المعالج النفسي، أي المجتمع، لتحفيزه والتقليل من خطورة المرض وإبلاغه بأن الجميع في انتظاره، وتذكيره بمواقفه الإيجابية تجاه الآخرين، ووصفه دائما بـ “البطل” و”المقاتل”، وليس المريض.

ليس بالضرورة أن يكون المجتمع آلاف الناس من الغرباء والأقارب، ولكن تكفي مساندة الأهل والأصدقاء وزملاء العمل، أي الدائرة التي تتشكل منها قاعدة علاقاته ومعارفه المجتمعية القريبة، لأن ترك محارب السرطان ينعزل ويختلي بنفسه بعيدا عن الناس، يعني منح الفرصة للمرض للمزيد من الانتشار، وأحيانا الانتصار، بحكم تحطم جهاز المناعة على وقع انهيار الحالة النفسية.

عن تجربة شخصية، فإن الكثير من أفراد المجتمع، لديهم مفاهيم مغلوطة عن طريقة التعامل مع محارب السرطان، فلا يفرقون بين الشفقة والاحتواء والدعم، وأكثر ما يؤلم هذه النوعية من المحاربين أن يشعرهم المحيطون بهم في المجتمع أنهم مرضى، أو يتعاملون معهم على أنهم بحاجة إلى معاملة خاصة.

وقمة الألم عند محاربي السرطان أن ينظر إليهم المجتمع باعتبارهم عاجزين أو قليلي الحيلة وغير قادرين على القيام بأي مهمة، أو يتم التعامل مع حالتهم الصحية بخصوصية شديدة، فإذا قيل لأحدهم لا تفعل هذا لأنك مريض قد تنهار معنوياته إلى الحد الأدنى، لأنه يغضب من نعته بالمريض.

يزداد ألم محارب السرطان كلما رأى أحدا يبكي على حالته الصحية، ويرتبط حزن المجتمع المحيط بهذه الفئة من المرضى بالموروثات الخاطئة التي تشكلت في وجدانه عن ارتباط السرطان بالموت، في حين أن نسب الشفاء أصبحت في تصاعد مستمر بحكم تقدم الطب عالميا، ولا يدرك المقربون من المصابين بالأورام الخبيثة أنهم أساس العلاج، والسرطان لا يُقهر بالدواء في غياب دعم المجتمع.

وإذا كانت لدى البعض قناعة بحتمية وجود دعم مجتمعي واسع لمحارب السرطان، فطريقة التعبير عنه قد تكون أشد ألما وقسوة، لأنه لا يحب الدعم الزائف، ويكتشفه بسهولة ويؤثر سلبا على حالته النفسية، فقد يتصل أحد الأصدقاء ليسأل ويطمئن ويبكي ويقسم أنه مصدوم وسيكون بجواره طوال الوقت، وفجأة يختفي ولا يهتم. هذا مثال لمن يظهر الشفقة المرفوضة كليّا.

التفاصيل الصغيرة

تحسن الحالة  المزاجية لمحارب السرطان مرتبطة بشعوره بأن المجتمع يحتويه ويشجعه كل لحظة، في معركته ضد المرض، وفق المحارب أحمد حافظ
تحسن الحالة المزاجية لمحارب السرطان مرتبطة بشعوره بأن المجتمع يحتويه ويشجعه كل لحظة، في معركته ضد المرض، وفق المحارب أحمد حافظ

لا يدرك كثيرون أن محاربي السرطان ربما يكونون أكثر فئة تركز على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، فهم يبحثون عن قيمتهم ومكانتهم عند المحيطين بهم في دائرة الأهل والأصدقاء والعمل، وكلما وصلهم شعور بأن لهم أهمية يزداد تمسكهم بأمل الشفاء، وتقوى لديهم العزيمة والتحدي لمواجهة المرض والعودة إلى محبيهم ومن يريدون استمرارهم على قيد الحياة.

عندما يخفت أو يختفي اهتمام المجتمع يحدث العكس، ويشعر محارب السرطان بأن وجوده والعدم سواء، وهنا يستسلم للمرض ويصاب بالاكتئاب وسوء الحالة النفسية وانهيار المناعة، وكلما حاول تشجيع نفسه تراوده تساؤلات مثيرة للإحباط، على غرار: لمن أعيش؟ ولماذا أعيش؟ إذا كان الجميع لا يسألون أو يهتمون أو يشعرون بغيابي؟ في هذه الحالة تقتصر نظرة المريض على الموت المحقق، وأن الرحيل مسألة وقت ليس أكثر.

أظهرت دراسات طبية أجريت على متعافين من السرطان، أن العامل النفسي المرتبط بالتضامن والتكافل الاجتماعي تجاه هؤلاء المحاربين كان له مفعول السحر في تراجع المرض والشفاء منه، لأن السرطان كثيرا ما يترافق مع مجموعة من الأمراض النفسية، مثل الإصابة بالاكتئاب الحاد والإحباط واليأس واستمرار القلق والفزع والخوف من المصير المجهول.

تكمن أكثر الأخطاء المجتمعية المتوارثة في أن أغلب أطباء علاج الأورام السرطانية، يتجاهلون عقد جلسات توعوية مع أهل وأصدقاء محارب السرطان قبل بدء رحلة العلاج، لتعريفهم بالأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه الفئة وآلية دعمها ومؤازرتها وتثقيفهم بأن الخضوع لجلسات العلاج الكيميائي أو الإشعاعي خطوات ثانوية في مشوار الشفاء، وأن الدعم النفسي والمعنوي هو الأساس في التخلص من السرطان كليّا.

هكذا فعل الطبيب المعالج لحالتي، وهو طارق هاشم مستشار وزيرة الصحة المصرية لشؤون الأورام، حيث أبلغ عائلتي منذ اليوم الأول بأن “تحسن الحالة المزاجية لمحارب السرطان مرتبطة بشعوره بأن المجتمع يحتويه ويشجعه كل لحظة، في معركته ضد المرض، وكلما كانت الحالة النفسية متميزة ارتفعت نسبة الشفاء، ويصعب على أي مصاب بالسرطان أن ينتصر دون دعم مجتمعي واسع، فهو مثل المقاتل تقوى عزيمته وإصراره على الانتصار كلما تضاعفت نسب المساندة والتحفيز ووصفه بالبطل”.

في كل مرة كنت أجالس الطبيب يذكّرني بأن انخفاض هرمون الانفعال عند محارب السرطان يسهل مهمة القضاء على المرض، بحكم أن الجهاز المناعي قوي، أيّ أن وجود احتضان مجتمعي للمصابين بالأورام الخبيثة يزيد مقاومة أجسادهم للخلايا السرطانية، في حين يحدث العكس عندما تزداد الضغوط العصبية عليهم، وتتسع دائرة انتشار الخلايا في الجسد.

يضطر محارب السرطان أحيانا إلى إخفاء مرضه عن الناس، خشية نظرات الشفقة والحسرة والتعامل معه من قبل المجتمع بشكل سلبي. وتزداد هذه النسبة بين النساء، خاصة إذا ارتبط المرض باستئصال جزء من الجسد، مثل الثدي، وهؤلاء يعشن ظروفا نفسية قاسية، لأنهن يخترن التخفي والانطواء والكتمان على أن يتعرضن لتعامل شاذ أو نظرة دونية من أحد.

إخفاء المرض

أكثر الأخطاء المجتمعية المتوارثة تكمن في أن الأطباء يتجاهلون عقد جلسات توعوية مع أهل وأصدقاء محارب السرطان
التضامن الاجتماعي مع المحاربين له مفعول السحر في تراجع المرض

من هؤلاء (ع. ع)، وهي مسؤولة حكومية كبيرة بإحدى الوزارات في مصر، أصيبت بالسرطان في البنكرياس، وقررت أن تخفي نبأ مرضها عن الموظفين العاملين تحت رئاستها، لأنها ترفض التعامل معها بخصوصية، أو يشعرها أحد بأنها مريضة ولم تعد قادرة على العمل، أو يجب أن تترك منصبها.

في أثناء جلسات العلاج الكيميائي، تكون هناك غرف على شكل دائرة في بعض العيادات والمستشفيات، لإعطاء محاربي السرطان فرصة النقاش مع بعضهم البعض والتعريف بحالاتهم الصحية والتخفيف من وطأة المرض، وكان لافتا أن الكثير من النساء اللاتي سمعت قصصهن يلجأن إلى إخفاء مرضهن بسرطان الثدي خشية التعامل معهن بدونية وبطرق غير سوية من المحيط الاجتماعي.

يمكن بسهولة في هذه النقاشات المفتوحة اكتشاف أن السرطان المجتمعي الذي تتعرض له محاربات سرطان الثدي أشد قسوة من الأورام الخبيثة، إذ يتم التعامل معهن بوصفهن ناقصات أنوثة، وإن لم يُقل لهن هذا الكلام بشكل مباشر تكفِ النظرة الدونية لأجسادهن، ما يجعهلن يواجهن آلاما متشعبة، فإذا تجاوزن صعوبات العلاج وأعراضه يصعب عليهن الثبات النفسي والمعنوي أمام الحط من أنوثتهن.

أكثر ما يؤذي محاربي السرطان اتساع دائرة التطفل المجتمعي الذي يرتبط بتكرار السؤال عن أسباب تغير ملامح الجسد. فهذه المسؤولة الحكومية أوشكت رموش عينيها وحاجبيها على الاختفاء، ويكاد شعر رأسها يزول بسبب العلاج الكيميائي، ما دفعها إلى استخدام أدوات تجميل تحافظ بها على الحد الأدنى من ملامحها أمام الناس. وفي كل مرة تصطدم بعبارات محبطة من نوعية “شكلك الأول كان أجمل”.

لدى المصابين بالسرطان مشكلة أزلية مع تركيز الناس على أجسادهم. وبسبب استباحة انتهاك الخصوصية في المجتمع، أصبح مطلوبا من محارب السرطان أن يتجاوز آلام السخرية من مظهره، ويشرح أسباب وصوله إلى هذه المرحلة ويرد على استفسارات المتطفلين، وفي نفس الوقت مطلوب منه تجاوز أحزانه على اختفاء ملامحه الطبيعية كلما نظر إلى المرآة.

تزداد الحالة النفسية سوءا عندما يصل التطفل المجتمعي تجاه خبايا مرضهم حد التنمر بسبب ملامحهم. فلا ينسى أحمد، ذلك الشاب الثلاثيني الذي أصيب بسرطان الغدد الليمفاوية، أنه كان يتعرض للسخرية دائما بسبب انتفاخ البطن وزيادة الوزن بشكل مفاجئ، بحكم أن الكثير من أنواع العلاج تحتوي على نسب مرتفعة من مادة الكورتيزون.

كان أحمد يستقبل سخرية البعض من مظهره بابتسامة هادئة دون أن يعبر عما يكنه من حسرة، لكن عندما يختلي بنفسه لا يجد صعوبة في البكاء على ما وصل إليه مظهره. وأكثر ما يؤلمه أنه منذ علم بإصابته بالسرطان استقبل الأمر بهدوء واعتبره “قضاء وقدرا” وأظهر التحدي للمرض، لكنه لم يضع في حساباته أنه سوف يواجه أمراضا مجتمعية في صورة سخرية وتطفل وتنمر تفوق آلام السرطان
نفسه.

أقر هذا الثلاثيني بأنه لم يكن ينجح في تجاوز التنمر المجتمعي من جسده، إلا بجلسات العلاج النفسي التي كان يخضع لها على يد بعض المتعافين من السرطان، فهو لا يقصد أنه كان يذهب إلى عيادات متعافين للتحدث معهم، بل يشير إلى تواصلهم معه باستمرار منذ معرفتهم بإصابته بالمرض بعد قيام أصدقائه بالكتابة عن حالته الصحية على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي وطلب الدعاء له.

تفتقد المجتمعات العربية ثقافة التأهيل النفسي لمرضى السرطان بسرد قصص المتعافين منه، ليشعر هؤلاء بأن الشفاء قادم لا محالة، ولا مجال للاستسلام أمام اليأس والإحباط، بحيث يكون الأمل والتفاؤل للتغلب على الخلايا السرطانية واعتبارهما جزءا أساسيا في مرحلة العلاج، وليس مكملا للدواء.

المتعافي من السرطان في أي مجتمع، هو الطبيب النفسي الأكثر قدرة على انتشال المصابين الجدد من دوامة اليأس، لأنه بالنسبة لهم بارقة الأمل في الانتصار والعودة إلى الحياة الطبيعية من جديد، الأجدر بفهم مشاعر وأحاسيس محارب السرطان ويدرك كيف يتم التعامل معه.

يغيب عن أكثر المتعاملين مع محاربي السرطان في أيّ مجتمع، أن هذه الفئة لديها حساسية مفرطة تجاه كل عبارة أو كلمة أو موقف، لأنها صاحبة مزاج متقلب. قد تبتسم لأقل شيء، وبعد لحظات تصاب بحالة نفسية سيئة أو تبكي من موقف أو سبب بسيط، لذلك، فإن التعامل مع محارب السرطان يتطلب حكمة وعقلانية واختيار الكلمات بعناية دون إشعاره بأن ظروفه الصحية سبب المعاملة الاستثنائية من
المجتمع.

قد ينظر البعض إلى الحساسية المفرطة التي يصاب بها محارب السرطان تجاه تعامل المجتمع أو الأقارب معه بنوع من الاستغراب، لكن هؤلاء لا يدركون أنها قد تبلغ مداها تجاه شريك الحياة، لأن إصابة أحد الزوجين بالسرطان ربما تكون أقوى اختبار لقوة العلاقة الزوجية، فإما تكون هشّة يتعامل فيها الطرف المعافى صحيا مع المريض بضيق وغضب وشعور بأنه عبء، أو يصبح المرض وثيقة تبرهن على أن الزوجين يعيشان حياة مثالية ومحصنة ضد التفكك وقائمة على الحب والمصير المشترك.

20