محاربو الصحراء: منتخب كروي مكلف بأكثر من مهمة

وجد رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم محمد روراوة نفسه تحت ضغط شديد بعد التعثر أمام المنتخب الكاميروني، ورحيل المدرب الصربي ميلوفان راييفاتش، وانفجار جدل كبير في الشارع الجزائري حول الوضع الانضباطي داخل صفوف الخضر، فهو من جهة مطالب بتدارك الأمر وتلافي السيناريوهات السيئة، ومن جهة أخرى مطالب بتقديم خدمة لسلطة تريد لهذا المنتخب أن يساهم في استقرار الجبهة الاجتماعية وإلهاء الشارع عن استحقاقات خطيرة تريد تمريرها قريبا.
الأحد 2016/10/23
منتخب الخضر قادم على تحديات صعبة لكن ليست مستحيلة

الجزائر- تحول الوضع داخل المنتخب الجزائري لكرة القدم، إلى قضية رأي عام تجاوزت كل الاهتمامات وغطت على الانشغالات الحقيقية للمجتمع، فبعد تسارع الأحداث منذ مباراة الخضر ضد الكاميرون في الجولة الأولى من تصفيات كأس العالم 2018، فتح نقاش واسع على كل المستويات، أعطى الانطباع بأن المنتخب، وهو أكثر من كرة قدم، ويتحمل أكثر ممّا يحتمل، ويراد له أداء مهام وأدوار ليست من صلاحياته ولا من صلاحيات كرة القدم، فهو مطالب بتحقيق النجاح للتغطية على إخفاقات الآخرين في القطاعات الأخرى، وبالإقناع نتيجة وأداء لضمان استقرار هشّ في الشارع، في ظل الاحتقان الذي يخيم على الجبهة الاجتماعية.

وطرح الجدل المحتدم حول منتخب المحاربين، العديد من الاستفهامات حول مهام وصلاحيات الخضر خارج كرة القدم، خاصة مع تدخل حكومي غير معلن لدى الاتحاد لضرورة التحرك السريع والناجع لتلافي أيّ إخفاق في المرور إلى نهائيات كأس العالم أو عدم الوصول إلى مراتب متقدمة في كأس أمم أفريقيا بالغابون في 2017، وهو ما دفع الاتحاد إلى فتح شبكة اتصالاته ومعارفه في باريس منذ أكثر من أسبوع، للعثور على مدرب جديد يشرف على حظوظ رفاق رياض محرز قبل مواجهة نيجيريا في 12 نوفمبر المقبل.

وبالموازاة مع موجة الانتقادات الحادة التي وجهها العديد من الأطراف من إعلاميين ولاعبين سابقين وفنيين، لطريقة تسيير شؤون كرة القدم في الجزائر، وتحميل مسؤولية الإخفاق إلى رئيس الاتحاد، والتركيبة البشرية للمنتخب الجزائري المكونة كلية من شبان تكونوا في المدارس الكروية الفرنسية، فتح محمد روراوة النار في كل الاتجاهات، ودعا الجميع إلى التزام حدوده، بدل التهجم أو التحامل على الطاقم المسيّر أو اللاعبين، ونفى أن يكون بعض لاعبيه هم سبب رحيل المدرب الصربي.

وقال حول ذلك “التعادل ليس نهاية العالم، فحظوظنا مازالت قائمة بوجود 15 نقطة في المزاد، الآن نحن بدأنا التحضير لمباراة نيجيريا الشهر المقبل، ولقد أرسلنا وفدا لتحضير إقامتنا في مدينة أويو، وكل هذا للعمل على العودة بنتيجة إيجابية من هنالك، وأنه سيتم الكشف عن هوية المدرب القادم قريبا، فقد تم وضع لجنة مختصة للنظر في العروض المتوفرة، ووضعت شروط ومواصفات معينة للكادر الذي يشرف على رفاق رياض محرز”.

ونفى المتحدث حدوث مناوشات وخلافات بين اللاعبين والمدرب ميلوفان راييفاتش، وهوّن من حادثة تمرد اللاعبين سفيان فيغولي وياسين إبراهيمي، على مدرّبهم السابق بسبب عدم إشراكهما في مواجهة الكاميرون.

الجدل المحتدم حول منتخب المحاربين، يطرح العديد من الاستفهامات حول مهام وصلاحيات الخضر خارج كرة القدم، خاصة مع تدخل حكومي غير معلن لدى الاتحاد لضرورة التحرك السريع والناجع لتلافي أيّ إخفاق في المرور إلى نهائيات كأس العالم

وحمّل روراوة البعض من وسائل الإعلام المحلية مسؤولية تهويل القضية والمبالغة في تقديم التفاصيل، وقال “هناك مبالغة من بعض وسائل الإعلام حول تمرد اللاعبين وتسببهم في رحيل المدرب، أنا أؤكد الآن أنه لم يكن لديهم أيّ دخل في هذه القضية، ما جرى أمور عادية رأيناها في كبرى الفرق والمنتخبات ولا تستحق كل هذا التهويل، فمثلا رأينا في السابق مناوشات بين سوداني وبراهيمي خلال لقاء السنغال الودي، أو ما جرى خلال لقاء لوزوتو بين سليماني وبودبوز، لكنها كانت أمورا عادية جدا والآن جميع اللاعبين يشكلون عائلة واحدة في المنتخب ولا وجود للتكتلات التي يتحدثون عنها في الإعلام”.

وأضاف “رفض إبراهيمي وفيغولي لكرسي الاحتياط غير صحيح ومجرد كلام فقط، فلقد رأينا كيف كانا يساندان بقية الاعبين من دكة البدلاء، وحتى الكلام الذي قيل أيضا عن تقديم المدرب السابق شكوى للاتحاد ضد المناجير يزيد منصوري وثلاثة لاعبين غير صحيح أيضا، هذا ما يمكن أن نقوله في هذه القضية، ونحن أردنا أن يكون هناك استقرار في الطاقم الفني لأن هذا أساس النجاح، لكن المدرب رأى صعوبة في التواصل مع المجموعة فاتخذ قرار الرحيل، وهذا يبقى قراره هو في الأخير”.

أصابع الاتهام

وجّه روراوة أصابع الاتهام إلى البعض من قدماء اللاعبين في منتخب ثمانينات القرن العشرين، واتهمهم بزرع البلبلة والفتنة في صفوف المنتخب والإدلاء بتصريحات خطيرة تهدد استقرار المنتخب، في إشارة إلى بعض اللاعبين الذين يظهرون بقوة في بعض القنوات الخاصة للتحليل والتعليق على المباريات الكروية، ويوجهون انتقاداتهم لطرق تسيير وإدارة المنتخب أو النوادي المحلية.

وقال “هناك بعض من جيل ثمانينات القرن الماضي تجده يحلل في البلاتوهات وهو ليس لديه أدنى شهادة، أظن أنه من الأفضل له أن يتوجه للدراسة والحصول على الشهادات، قبل أن يتوجه لنا بانتقادات لا تفيد المنتخب في شيء، ومثلما يقول المثل (يعاونونا بسكاتهم).. هناك من ذلك الجيل من يظن نفسه أنه مازال بطلا، والأبطال لم يبقوا من ثمانينات القرن العشرين وإلى يومنا هذا، جيل 2016 هو البطل، ولا ننسى أنه جيل تأهل مرتين متتاليتين للمونديال، ومن ينتقد سياستنا بجلب اللاعبين المغتربين، فليتفضلوا ويجلبوا لنا فيغولي محلي، إبراهيمي محلي وبن طالب محلي، وحتى سليماني آخر، أم أن الأمر هو مجرد كلام وفقط".

وانتقد الإعلامي والمعلق الرياضي حفيظ دراجي، مساعي توظيف المنتخب في أغراض غير رياضية وكروية، واستغلال إنجازاته في حسابات أخرى، للتغطية على إخفاقات الآخرين أو استعماله لإلهاء الشارع الجزائري عن الاهتمامات والانشغالات الحقيقية للمجتمع، بصناعة شماعة المنتخب ليتعلق به الأنصار، للاستمرار في وهم الاستقرار والسلم الاجتماعي الهش.

روراوة: بعض وسائل الإعلام تبالغ حول تمرد اللاعبين وتسببهم في رحيل المدرب

كما لم تسلم من انتقاداته بعض الأصوات التي خاضت في جوانب هامشية لكنها حساسة، بغرض النيل من استراتيجية الاتحاد في تسيير شؤون المنتخب خلال السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بالاعتماد على العناصر المتكونة في المدارس الفرنسية، وتقليص فرصة اللاعبين المحليين في تقمص ألوان المنتخب، وذهبت إلى حد التشكيك في وفاء والتزام اللاعبين بالدفاع عن الألوان الوطنية، واستغلاله لخدمة مصالحهم المادية والمالية.

وقال في منشور على صفحته الشخصية على شبكة الفيسبوك “لكل من يشكك في وطنية لاعبي المنتخب الوطني ويتهمهم بالتهاون والتآمر، ولكل من يشكك في صدق نواياهم ويصفهم باللاعبين (المغتربين) وذوي (الجنسية المزدوجة)، يجب أن يعلم بأنهم (جزائريون) أبا عن جد، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولا أحد بإمكانه اختزال الوطنية في نفسه ويمنعهم من الدفاع عن ألوان بلادهم، إذا كانوا يستحقون ذلك من الناحية الفنية”.

وأضاف “لاعبونا ليسوا مجنسين مثل لاعبي منتخب ألمانيا في صورة سامي خضيرة (التونسي) وأوزيل (التركي) وبودولسكي (البولندي) وبواتينغ (الغاني)، وليسوا مجنسين مثل أرمادة اللاعبين الفرنسيين من جنسيات أفريقية مختلفة، ولا مثل أرمادة اللاعبين الإنكليز الذين ينحدرون من أصول عديدة، ولا مثل كوستا البرازيلي الذي يلعب لصالح أسبانيا.. وغيرهم من اللاعبين في مختلف بقاع العالم، لكن لا أحد اتهمهم بأنهم ليسوا أبناء البلد!”.

وتابع “من يعتقد بأن لاعبينا جاؤوا للمنتخب من أجل الأموال، فيجب أن يعلم بأن مكافأة الفوز أمام الكاميرون لم تكن لتتعدى عشرة آلاف يورو، وهو مبلغ يتقاضاه محرز في يوم واحد في ناديه ليستر، ومن يعتقد بأن الجهاد أثناء ثورة التحرير كان مقتصرا على الجزائريين في الداخل، فيجب أن يعلم بأن المغتربين قدموا بدورهم تضحيات كبيرة من أجل الحرية، ومن حق أبنائهم أن ينالوا الفرص نفسها في خدمة وطنهم، ويجب أن يعلم بأن أول منتخب للجزائر كان مشَكّلا من مغتربين يلعبون في نواد فرنسية، لبّوا نداء جبهة التحرير أثناء الثورة”.

فالتشكيك في وطنية لاعبينا الذين ننقلب عليهم عندما “يتعثر المنتخب” هو تصرف غير لائق تجاه جيل مبدع ذنبه الوحيد أنه ولد خارج الجزائر لأسباب خارجة عن إرادته، والانقلاب عليهم بهذا الشكل من طرف “الفلاسفة” بعد التعثر أمام الكاميرون يراد منه التأثير على مسيرتهم في التصفيات والعودة بنا إلى نقطة الصفر، ويراد منه تصفية حسابات قديمة على حساب المنتخب الذي سنبقى نسانده ونقف معه حتى ولو كان يضم في صفوفه أطفالا صغارا أو شيوخا وعجائز لأننا لا نملك منتخبا آخر نناصره، ولا بلد آخر نعتز ونفتخر بمنتخبه.

التآمر والتمرد

هوّن حفيظ دراجي من حدة ما راج حول مشاكل غرفة ملابس الخضر، واعتبرها عادية لأنها تحدث في مختلف المنتخبات والنوادي، وأنها ليست الوحيدة في مسار المنتخب الجزائري، فقد سبق لبيت الخضر أن عاش أحداثا مماثلة، وهي رسالة منه لعدم تحميل الجيل الحالي كل شيء، مقابل نسيان مسؤولية اللاعبين الأوائل في بعض التصرفات الأنانية والمصلحية.

روراوة وجه أصابع الاتهام إلى البعض من قدماء اللاعبين في منتخب ثمانينات القرن العشرين، واتهمهم بزرع البلبلة والفتنة في صفوف المنتخب والإدلاء بتصريحات خطيرة تهدد استقرار المنتخب

وقال “من يتحدثون عن التآمر والتمرد في صفوف المنتخب الحالي، فندعوهم للعودة إلى ما حدث سنوات ثمانينات القرن العشرين من تآمر وتمرد على خالف وسعدان وزوبا وغيرهم، وندعوهم لتذكر رفضهم الجلوس في كرسي الاحتياط ورفضهم الالتحاق بالمنتخب للعديد من المرات لأسباب تافهة، وندعوهم لاستعادة شريط أحداث مونديال 1982 ومونديال 1986، وما حدث في نهائيات كأس أمم أفريقيا 1986 و1988 و1992، وكل الذي كان يحدث في غرف تغيير الملابس بسبب أنانية البعض التي فوّتت علينا فرص التتويج بكأس أمم أفريقيا في العديد من المرات، وفوتت علينا الذهاب بعيدا في مونديالي أسبانيا والمكسيك.

دعوة إلى الرحيل

دعا النجم الجزائري والعالمي رابح ماجر، بصريح العبارة رئيس الاتحاد محمد روراوة، إلى الرحيل، واعتبر بأنه لو يتحقق ذلك سيكون خدمة كبرى للكرة الجزائرية، وهو رد يترجم حالة التوتر السائدة بين الرجلين منذ سنوات، والصراع المحتدم بين أقطاب الكرة الجزائرية، في ظل هيمنة ذهنية صراع الأجيال وبعض النرجسية.

وقال بطل أوروبا العام 1987 “هو يقول إن صمتي سيكون أمرا جميلا، وأنا من جانبي أطالبه بالاستقالة وسيكون ابتعاده أجمل شيء، وهذا الشخص (محمد روراة) يزعم أني حصدت نقطة يتيمة في كأس أفريقيا للأمم 2002، أتساءل كم من لقب أفريقي حصده على مدار 15 عاما من حكمه؟ كما ادّعى أيضا أني درّبت ثلاثة لقاءات فقط في أحد النوادي، هو تناسى أنه لدى إشرافي على الوكرة القطري الذي لم ينل شيئا قبل تدريبي له، كنت وراء تتويجه ببطولة قطر إضافة إلى كأسين محليتين”.

ويظهر أن ماجر لم يهضم توصيف "محللي الأستوديوهات" الذي أطلقه روراوة على بعض اللاعبين القدماء، وقال "تحولنا إلى محللين بماض مجيد، نمارس مهمتنا باحترام وموضوعية في قنوات محترمة، كثيرا ما تكون محلّ انتقاد الجماهير.. للأسف احترافيتنا وملاحظاتنا البناءة تزعج رغم أننا نتطرق إلى مسائل حساسة، لذا أحيي كل المحللين النزهاء مع تعدد القنوات التي ينشطون فيها، وفي النهاية نحن في الطريق الصحيح على درب كشف القبح في كرتنا".

وتابع “هؤلاء الناس يتسلّون بالتغيير، وأعتقد أنه حان الوقت لتغيير العلبة بالكامل، لا بد من تغيير راديكالي إذا أردنا إنقاذ كرتنا، ينبغي الإقدام على إصلاح جذري، وأنا لست ضد اللاعبين الناشطين في الخارج، لكن ينبغي الالتفات إلى مواهب الداخل، مؤسف حقا أن البعض لا يحب ما هو محلي، وإذا واصلنا في هذا المسار لنقل وداعا للكرة الجزائرية، لا سيما عندما نرى ما يحدث لأندية تُركت وحيدة لمصائرها".

كاتب من الجزائر

22