محارق الكلمة

السبت 2017/03/04

يسأل مدير المكتبة الوطنية الفنزويلية مؤلف كتاب “التاريخ العالمي لتدمير الكتب” سؤالا محرجا ومثيراً لأوجاعنا “لماذا يظهر قتلة الذاكرة في البلد الذي ولدت فيه الكتابة والكتب؟”، وقبله كنا نتداول السؤال ذاته بصيغ مختلفة ونحن نشهد محارق الكتب في العراق بعد كل انقلاب واحتلال وتغيير سلطة “لماذا يعمد الانقلابيون والغزاة إلى تدمير ذاكرة البلاد ووثائق الدولة وكتب المبدعين؟”.

شهدنا محارق عديدة للكتب في دوائر الدولة ومؤسّسات الرقابة عندما اقتحم اللصوص والمخربون -عشية احتلال بغداد- مبنى المكتبة الوطنية ودار الوثائق والمتحف العراقي ومكتبته، مثلما شهدنا نهب وتدمير مكتبات الجامعات على نحو منظم وقد زرت شخصيا مكتبة كلية اللغات وشهدت الخراب المروع الذي لحق بها وأتى على الآلاف من الكتب باللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والعربية، ولم يتوقف الأمر عند الحرّاقين واللصوص الذين تولوا التدمير نيابة عن المحتلين، بل عمدت المؤسسات الثقافية الحكومية التي كانت تنتج الكتب في مطابعها وبغباء لا نظير له إلى حرق ما كانت تضمه مخازنها من آلاف الكتب الأدبية والعلمية والفكرية بدعوى أنها تمثل فكر النظام السابق دون جرد أو تمييز أو تفكّر، أحرقوا الروايات ودواوين الشعر وكتب الأطفال والمجلات الثقافية المتخصصة وأرشيف المكتبات، أحرقوا وثائق معظم دوائر الدولة ونقلت وثائق الأرشيف اليهودي إلى الولايات المتحدة مع الآثار والكنوز الذهبية للحضارة الآشورية.

ظل الكتاب على مر العصور موضوعا مخيفا لكل سلطة منذ بدء التدوين على ألواح الطين في بلاد سومر حتى يومنا هذا، ولبث طوال العصور التاريخية أول الأهداف التي يتجه إليها التخريب ولنا في واقعة تدمير المغول لمكتبات بغداد وحرقها أو إلقائها في نهر دجلة خير مثال على عداء الغزاة والقتلة للكلمة ورعبهم من قوتها المكنونة.

نعلم أن الكتاب كائن أعزل لا يملك التحكم بوجوده بل هو طوع أهواء مالكيه أو سارقيه و يحتاج إلى راعٍ أو حامٍ يحرسه ويشكل في علاقته معه وشيجة تتجه إلى مستقبل الاثنين معا، وبالرغم من كون الكتاب ثريا بكنوزه وعوالمه وانطوائه على مدونات الشعوب ونصوص البطولة والحكمة والشعر ومتون القوانين والفلسفة والملاحم والنصوص المقدسة، إلا أنه يبقى الضحية العاجزة الضعيفة وأول المستهدفين في الحروب والنزاعات والغزوات وكوارث الطبيعة، وتلك خاصية يتشارك فيها مع الكائنات الأخرى. فمصير الكتب مرتبط بمصائر البشر في البرهة التاريخية المضطربة حين اشتعال الحرب ونشوب الحرائق، ولا يتأتى هذا من تماثل الكتب مع البشر بل من فرادتها ورمزيتها واختزالها لمعارف وذاكرات الشعوب.

وعندما يجرّدها المحتل والغازي من قيمتها لحظة مواجهة الكارثة تتساوى مع الحجارة والخشب والشجرة الميتة لكنها تتفوق على الأشياء الأخرى من جهة رمزيتها في ذاكرة البشر ووعيهم لوجودهم. يؤمن كارهو الكتب بقدرتهم على تدمير فكرة الكتب وإلغاء حضورها وتداولها، وسواء كان كاره الكتب غازيا أو مغزوّا فلا بد له أن يحرق كتب الآخر أو يهيج الجموع المنفلتة لتقوم بالمهمة. وقد يحرق المغزوّ كتب غزاته إن وجد الوسيلة لذلك.

وقد عمد الاحتلال الأميركي إلى تدمير المكتبات العزلاء التي تضم ثقافة العراق وذاكرته ولم يتذوق نشوة النصر إلا مع لهب النيران تأتي على تراث البلد المحتل ليضعه على نقطة الصفر المطلق مجردا من الذاكرة، وهي عملية مفضوحة تفضي إلى محو هوية البلد بمحو ثقافته وذاكرته لتدمير أي إحساس بثقافة مشتركة بين العراقيين وإحلال ثقافة مهيمنة أخرى محل الذاكرة المهدورة وهو ما حصل عمليا في العراق بعد الاحتلال.

كاتبة من العراق

15