محاصرة الإعلام المصري تكتمل بلائحة عقوبات جديدة

صحافيون مصريون غاضبون من منح مجلس الإعلام سلطة مطلقة للحجب ووقف البث ومنع الظهور وغلق البرامج.
الخميس 2018/11/22
صحافيون يعتبرون اللائحة كارثة جديدة

ينظر الصحافيون المصريون إلى لائحة الجزاءات الخاصة بالمخالفات الإعلامية، المقرر صدورها قريبا، على أنها قيود مضاعفة تستهدف عملهم وتقضي على ما تبقى من أمل في حرية للرأي والتعبير، بسبب المصطلحات الفضفاضة التي تحتمل التأويل لمعاقبة الصحافي ووسيلة الإعلام.

القاهرة - أصبحت وسائل الإعلام المصرية على موعد مع التأميم الحكومي، في حال وافق مجلس الدولة (جهة قضائية) على قانونية المسودة النهائية للائحة الجزاءات الخاصة بالمخالفات الإعلامية التي أعدها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لوقف ما وصفه بـ”الفوضى الإعلامية”.

ويبدي صحافيون وإعلاميون مصريون مخاوف كبيرة بشأن بنود اللائحة التي أعلن عنها مؤخرا، ويعتبر الكثير منهم أنها كارثة جديدة تقضي على ما تبقى من أمل في حرية للرأي والتعبير، وتضع أبناء المهنة ومؤسساتهم أمام محاكم تفتيش المجلس في أي وقت إذا خرجوا عن المألوف، وبشكل خاص عند انتقاد مسؤول حكومي حتى في ما يخص عمله.

وتتألف اللائحة من 30 مادة، تتراوح العقوبات فيها بين الإنذار والغرامة المالية والحجب ووقف البث، لفترة مؤقتة أو دائمة، بما يعارض بعض مواد الدستور وقوانين الإعلام التي تؤكد على حرية الرأي.

وقال جمال شوقي، رئيس لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى للإعلام لـ”العرب”، إن “المجلس لم يضف جديدا عن المعمول به في كل دول العالم، لأن حرية الإعلام لها معايير وضوابط دولية، ونحن نطبقها، ولم نخترع شيئا يستدعي الغضب من اللائحة ونهدف إلى وقف الفوضى الإعلامية، وهناك فرق بين الحرية والفوضى، ولا تراجع عن تطبيق كل البنود”.

وتحدثت المادة الأولى عن معاقبة كل من استخدم أو سمح باستخدام ألفاظ واضحة وصريحة تشكّل جريمة سب أو قذف، وتكون العقوبة للوسيلة الإعلامية بغرامة مالية مع لفت النظر (التنبيه)، والإنذار، وإحالة الصحافي أو الإعلامي إلى التحقيق، وإلزام الوسيلة بالاعتذار، كما يتم وقف بث البرامج المخالفة أو الأبواب والصفحات أو حجب الموقع الإلكتروني لفترة مؤقتة، على أن يُمنع الصحافي أو الإعلامي من الكتابة أو الظهور في أي وسيلة لفترة محددة.

ومع أن المادة تتضمن عقوبات قاسية، لكنها لم تتطرق إلى نوعية الألفاظ التي تشكل جريمة، وهي الإشكالية الموجودة في كل بنود لائحة الجزاءات، من حيث استخدام توصيفات فضفاضة، ما يثير مخاوف الصحافيين والإعلاميين من تعمّد مجلس الإعلام ترك الباب مفتوحا أمام الأهواء، وإمكانية الانتقام من شخصيات ومؤسسات بعينها عند الضرورة.

وتخضع غالبية وسائل الإعلام إلى ملكية جهات حكومية، أو رجال أعمال تربطهم مصالح مع السلطة، وهو ما يدفع للتساؤل حول الهدف من فرض عقوبات تستهدف أشخاصا يعملون تحت مظلة الحكومة بشكل غير مباشر، ويمكنها إلزامهم بإطار عمل محدد.

يحيى قلاش: اللائحة تحمل رسالة، أن البقاء في المشهد الإعلامي للمسرف في المديح
يحيى قلاش: اللائحة تحمل رسالة، أن البقاء في المشهد الإعلامي للمسرف في المديح

لكن يبدو أن الهدف الأكبر، يستهدف أبناء المهنة ممن لهم تأثير واضح على مواقع التواصل، بعدما تم إلحاق رقابة الصفحات التي تحتوي على 5 آلاف متابع إلى المجلس الأعلى للإعلام.

وتجاهلت لائحة العقوبات إلزام الجهات الحكومية الرسمية بالتعاون مع وسائل الإعلام وإتاحة المعلومات أمام الصحافيين ومقدمي البرامج، بدلا من التضييق غير المسبوق في الحصول على المعلومة، ما تسبّب في زيادة الأخبار مجهولة المصدر وانتشار الشائعات، وهي المعادلة المستحيل تحقيقها، بأن يكون هناك إعلاميون مهنيون ومؤثرون، وفي نفس الوقت يواجهون صعوبات بالغة في تقصي الحقيقة.

وقرّرت اللائحة معاقبة كل من استضاف شخصيات غير مؤهلة أو تقديمها للجمهور على خلاف الحقيقة، ومن سمح بتعميم الاتهامات أو توجيه النقد للشخص مصدر القرار وليس للقرار نفسه، أو خلط الرأي بالخبر، أو مارس التدليس على الجمهور، أو خالف قواعد التغطية للعمليات الحربية أو الأمنية، أو قواعد التغطية الخاصة بالقضايا العربية والأفريقية.

ويرى مراقبون أن وصول الأمر حد التدخل في اختيار الشخصيات أو الضيوف التي تتحدث في وسائل الإعلام، يشي بأن القائمين على إدارة المؤسسات الصحافية والقنوات التلفزيونية، لم يعد يمتلكون حرية وضع السياسة التحريرية، وهم أشخاص يقومون بتنفيذ ما يُملى عليهم، وأصبح مطلوبا منهم الحصول على تصريح مسبق باستضافة المتحدثين في أي قضية.

ويقول هؤلاء إن كل بند في لائحة الجزاءات، يبدو أنه جرى تفصيله لخدمة شخص أو مؤسسة بعينها أو استهداف أناس بعينهم في المهنة، فمثلا، حظر تقصي الأخبار من مواقع التواصل جاء استجابة لطلب الحكومة نفسها.

ويعتقد صحافيون مصريون أن يكون حديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، قبل أيام، عن “الإعلام الذي يريده لمصر” مقدمة لبوادر تغيير في الحرية الممنوحة للمؤسسات الإعلامية في مناقشة القضايا بحرية ليكون الإعلام “صوتا لمصر وليس الرئيس”، كما قال السيسي، لكن جاءت اللائحة في اتجاه يجعل وسائل الإعلام تحت رقابة السلطة، تتحدث بلسانها وتدعم سياساتها وتكون صوتا لها، وليس للدولة.

ولا ينكر أبناء المهنة في مصر أن الفوضى الإعلامية وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة، جراء غياب المساءلة، لكنهم ردوا بأن علاج هذا المرض، لا يمكن أن يكون بتفصيل عقوبات تكرّس تكميم الأفواه، فمن الصعب أن يأتي هذا النوع من الدواء بنتائج ملموسة مع شخص توفي إكلينيكا.

ورأى يحيى قلاش، نقيب الصحافيين السابق، أن لائحة الجزاءات تأميم واضح للإعلام المصري، حتى الصفحات الخاصة بالصحافيين والإعلاميين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحمل رسالة مفادها “البقاء في المشهد الإعلامي للمسرف في المديح”. وقال قلاش “الحكومة اغتالت آخر ما تبقى من حرية رأي، وتهدد بالحجب ومنع البث، بعدما كانت هذه العقوبة مقتصرة على جرائم تهدد الأمن القومي.. كيف يفعلون ذلك، وكل وسائل الإعلام تحت سيطرتهم وهم من يحددون سياستها التحريرية؟”.

ومنح مجلس الإعلام لنفسه حق منع ظهور الصحافي أو الإعلامي أو أحد الضيوف لفترة محددة، حال مخالفة المعايير، ويجوز “منع بث أحد البرامج المرئية أو المسموعة نهائيا لاعتبارات تقتضيها المصلحة الوطنية أو للحفاظ على مقتضيات الأمن القومي”.

ووصف قلاش هذه المادة بأنها “فضيحة”، لأنها لم تحدد سببا لوقف منصة إعلامية بشكل دائم وتركت الباب مفتوحا أمام الأهواء الشخصية للانتقام من مذيعين بعينهم وإقصائهم من المشهد حتى لو لم يرتكبوا مخالفات.

ورأى أن اللجوء إلى مبرر المصلحة الوطنية يعكس أن الحكومة قررت القضاء على أي إعلامي مهني بذريعة الحفاظ على الأمن القومي.

18