محافظة إدلب المعقل الأخير للمعارضة وهيئة تحرير الشام

النظام السوري يخطط لعملية محدود جغرافيا، مؤثرة استراتيجيا.
الأحد 2018/08/19
المعركة الفصل

تدق طبول معركة مصيرية على أبواب محافظة إدلب السورية، يعتبر الخبراء أن أرضها ستكون جبهة المواجهة الأعنف والمواجهة الأشدّ بين فصائل المعارضة التي ستدافع عن معقلها الأخير وقوات النظام، التي يقول خبراء إنها تخطط لمعركة محدودة جغرافيا لكن ستركز على مناطق استراتيجية، على الأقل في المدى القصير حتى تتضح التفاهمات بين روسيا وتركيا.

بيروت - خلال سبع سنوات من الحرب السورية، تحولت محافظة إدلب في شمال غرب سوريا إلى وجهة لمقاتلين معارضين ومدنيين يتم إجلاؤهم من مناطقهم، وهي التي لا تزال في معظمها خارجة عن سيطرة قوات النظام.

وتواصل قوات النظام السوري إرسال التعزيزات العسكرية نحو إدلب، ما يوحي بهجوم قريب لاستعادة آخر أبرز معاقل هيئة تحرير الشام والفصائل المعارضة، إلا أن محللين يتوقعون أن تقتصر العمليات العسكرية على مناطق استراتيجية بالنسبة للنظام، في ظل التعقيدات التي تحيط بهذا الملف وتداخل المصالح السورية والروسية والتركية.

وتقع المحافظة على الحدود التركية، ويرجح أن تحدد مصيرها اتفاقات دولية ترسمها خصوصا روسيا، حليفة دمشق، وتركيا الداعمة للمعارضة، لا الهجوم العسكري فحسب.

وتشكل محافظة إدلب مع أجزاء من محافظات محاذية لها إحدى مناطق اتفاق خفض التوتر الذي تم التوصل إليه في مايو في أستانة برعاية روسيا وإيران، حليفتي دمشق، وتركيا الداعمة للمعارضة.

وبدأ سريان الاتفاق عمليا في إدلب في سبتمبر الماضي. لكنها تعرضت في نهاية العام 2017 لهجوم عسكري تمكنت خلاله قوات النظام بدعم روسي من السيطرة على العشرات من البلدات والقرى في الريف الجنوبي الشرقي وعلى قاعدة عسكرية استراتيجية.

وتكتسي المحافظة أهمية استراتيجية فهي محاذية لتركيا، الداعمة للمعارضة، من جهة ولمحافظة اللاذقية، معقل الطائفة العلوية التي ينتمي اليها الرئيس السوري بشار الأسد، من جهة ثانية.

وفي مارس العام 2015 سيطر جيش الفتح، وهو تحالف يضم فصائل اسلامية وجهادية بينها جبهة النصرة سابقا (هيئة تحرير الشام حالياً) على كامل محافظة إدلب باستثناء بلدتي الفوعة وكفريا ذات الغالبية الشيعية.

وشكلت السيطرة عليها ضربة للجيش السوري اذ كانت مدينة إدلب ثاني مركز محافظة يخسره بعد مدينة الرقة التي تحولت الى معقل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، قبل طرد الجهاديين منها العام الماضي.

وطوال سنوات، شكلت إدلب هدفا للطائرات الحربية السورية والروسية، كما استهدف التحالف الدولي بقيادة واشنطن دورياً قياديين جهاديين فيها.

وحققت دمشق خلال السنتين الماضيتين انتصارات ميدانية متتالية على حساب الفصائل التي لم تعد تسيطر سوى على ثمانية بالمئة من الأراضي السورية، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. ومن بين هذه الفصائل هيئة تحرير الشام.

كيف يتم التحضير للعملية على الأرض؟

منذ العاشر من أغسطس، تستهدف قوات النظام السوري بالسلاح المدفعي وبوتيرة أقل بالغارات الجوية، مناطق عدة تحت سيطرة الفصائل تمتد من جنوب إدلب إلى ريف حلب الغربي (شمال) وريف حماة الشمالي (وسط).

ويأتي ذلك بعد إرسالها تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، قالت صحيفة الوطن، المقربة من الحكومة السورية إنها “الأضخم في تاريخ الحرب السورية”. ويقول الخبير في مؤسسة سنتشري فاونديشن الأميركية آرون لوند إن “الدبابات تتجه شمالا، والمسؤولون الروس والسوريون يقرعون طبول الحرب إعلاميا (..) الأرجح أن تكون هناك عملية ما”.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على الجزء الأكبر من محافظة إدلب بينما تتواجد فصائل إسلامية أخرى في بقية المناطق وتنتشر قوات النظام في الريف الجنوبي الشرقي. كما تتواجد الهيئة والفصائل في مناطق محاذية في ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي واللاذقية الشمالي (غرب).

وتأخذ الفصائل أي هجوم مرتقب على محمل الجد. وينهمك مقاتلوها، في حفر الخنادق ووضع السواتر الترابية في مناطق قريبة من تلك الواقعة تحت سيطرة النظام.

ويرجح محللون بينهم لوند أن تكون العملية المقبلة “محدودة” وتقتصر على مناطق عند أطراف محافظة إدلب التي تستضيف أيضا الآلاف من مقاتلي المعارضة الذين تم إجلاؤهم على مراحل من مناطق عدة، إثر رفضهم اتفاقات تسوية مع دمشق.

ويقول الباحث في المعهد الأميركي للأمن نيكولاس هيراس “دمشق تسير في طريق الحرب. بنظر دمشق هناك أجزاء ضرورية يمكنها السيطرة عليها لضمان أمن اللاذقية (الساحلية) والطريق (الدولي) بين دمشق وحلب”.

 ما هي المناطق المرجح استهدافها؟

يشير المحللون إلى عدة مناطق سيتم استهدافها عند الأطراف، بينها تلك الممتدة بين جسر الشغور في جنوب غرب إدلب وسهل الغاب الواصل بين إدلب وشمال حماة، وأخرى تقع على جانبي جزء من الطريق الدولي حلب – دمشق.

وتطلق تسمية سهل الغاب على منطقة زراعية يقع معظمها في شمال حماة وتمتد إلى جنوب غرب إدلب بمحاذاة جسر الشغور. وتكمن أهمية منطقة سهل الغاب وجسر الشغور المحاذي لها في قربها من محافظة اللاذقية ومنطقة الساحل، المعقل الأساسي للطائفة العلوية التي يتحدّر منها الرئيس السوري بشار الأسد.

قوات النظام السوري تواصل إرسال التعزيزات العسكرية نحو محافظة إدلب في شمال غرب البلاد، ما يوحي بهجوم قريب لاستعادة آخر أبرز معاقل الفصائل المعارضة، إلا أن محللين يتوقعون أن تقتصر العمليات العسكرية على مناطق استراتيجية بالنسبة للنظام

ويقول الباحث في مجموعة الأزمات الدولية سام هيلر إن “الروس مقتنعون بأن الطائرات من دون طيار التي تستهدف قاعدتهم الجوية (في حميميم) في اللاذقية تنطلق من هذه المنطقة حول جسر الشغور”. كما لمنطقة سهل الغاب، وفق قوله، “أهمية خاصة بالنسبة لدمشق كونها تهدد مناطق تشكل نواة الموالين لها” في الساحل السوري.

أما الهدف الثاني من العملية فقد يكون استعادة وضمان أمن كامل الأوتوستراد الدولي حلب – دمشق الذي يمر في جنوب وشرق إدلب. ومن أجل ضمان أمنه سيكون على قوات النظام استعادة قرى جنوب غرب حلب وصولا إلى جنوب إدلب.

ويقول الباحث في معهد الشرق الأوسط تشارلز ليستر “سيأتي وقت يرى فيه النظام ضرورة في السيطرة على كامل طريق أم 5 (الأوتوستراد الدولي) وكل المعابر التي تصل الشمال بالجنوب بين دمشق وحلب”.

ما هو دور اللاعبين الدوليين؟

بالنسبة إلى النظام، تشكل استعادة إدلب أهمية رمزية، لأنها ستعني نهاية المعارضة المسلحة ضده. وتندرج محافظة إدلب مع أجزاء من المحافظات المحاذية لها ضمن آخر مناطق اتفاقات خفض التوتر التي ترعاها روسيا وإيران وتركيا بموجب اتفاق أستانة.

ولإدلب خصوصيتها كونها المعقل الأخير لهيئة تحرير الشام. كما تُعد منطقة نفوذ تركي، وتنتشر فيها نقاط مراقبة تركية تطبيقا لاتفاق خفض التوتر.

ويتفق محللون على أن أي عملية عسكرية محتملة في إدلب يجب أن تحظى بموافقة أنقرة التي تخشى موجات جديدة من اللاجئين إليها. ويقول ليستر “من المحتمل أن توافق تركيا على خسارة بعض المناطق عند الأطراف بشرط أن تضمن استمرارية سيطرتها على وسط إدلب والمنطقة الحدودية” شمالا.

وتطلب روسيا من تركيا إيجاد حل لإنهاء وجود هيئة تحرير الشام المصنفة “إرهابية” في إدلب لتفادي عملية واسعة. وتعمل أنقرة حاليا على توحيد صفوف الفصائل لأي مواجهة محتملة مع هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا قبل أن تفك ارتباطها بتنظيم القاعدة).

ويوضح هيراس أن “روسيا كانت واضحة، إما أن تجد تركيا حلا لمشكلة القاعدة في إدلب الكبرى وإما يفعل الأسد ذلك بأي طريقة مناسبة”.

ويرى أن الخيار الوحيد لذلك يكمن في أن “تحمل المجموعات التي عملت على مر سنوات مع هيئة تحرير الشام السلاح ضدها وتنهي نفوذها في إدلب الكبرى مرة واحدة وإلى الأبد”. ويضيف هيراس “ببساطة إنقاذ إدلب هو مقتل هيئة تحرير الشام”.

وفي مواجهة التصعيد، دعت المجالس المحلية والفعاليات المدنية في ريفَي إدلب الشرقي والجنوبي إلى مساعدة فصائل المعارضة السورية في مواجهة القوات الحكومية.

وقال أعضاء المجالس المحلية ووجهاء من ريفي إدلب، عقب اجتماع لهم السبت بمدينة جرجناز “اتفق المجتمعون على مساعدة الفصائل الثورية بعمليات التدشيم والتحصين، والرفض الكامل للقبول بدخول النظام السوري إلى المنطقة مع إعلان استعدادهم للتصدي لقوات النظام ورفض دخولها إلى مناطقهم”.

4