محافظة الفيوم المصرية خزان بشري للتنظيمات الإرهابية

في ذروة الحرب التي تخوضها مصر الآن ضد الإرهاب في سيناء، جاء تفجير الكنيسة البطرسية في قلب القاهرة مؤخرا، ليلفت انتباه المتابعين للشأن المصري إلى “الخزّان” الذي يخرج منه الإرهابيون، وهو حزام المحافظات الفقيرة حول العاصمة. ولم تكن مصادفة أن يكون الانتحاري الذي فجّر البطرسية واحدا من أبناء محافظة من تلك المحافظات “الخزان”، وهي “الفيوم”.
الأربعاء 2016/12/21
مفجّر الكنيسة البطرسية ينتمي إلى محافظة الفيوم

القاهرة - خلال سنوات سابقة، سمحت دول عربية كثيرة لشبابها، بما يسمّى “السياحة الدينية”، للمشاركة في القتال الذي دار في أفغانستان وغيرها، إلا أن هناك دولا أكثر من غيرها تخريجا للتطرف. وظلت المناطق القبلية الواقعة على الحدود الباكستانية الأفغانية، المحطة العالمية الأشهر، ويطلق عليها البعض”جامعة إف- باك”، نسبة إلى الأحرف الأولى من أفغانستان وباكستان. ومع ذلك، فإن البذرة الأولى لفكر التكفير، تُزرع منذ الصغر، وسط بيئة منتجة للتكفيريين وأجيال من الإرهابيين.

وفي مصر، تتم محاربة المُنتَج الإرهابي في سيناء (شمال شرق مصر)، بينما البذرة الأساسية تنمو في محافظات محيطة بالعاصمة، أشهرها جنوبا؛ الفيوم وبني سويف والمنيا وريف الجيزة، وصولا إلى حدود القاهرة؛ حيث القليوبية (شمال القاهرة).

ويذهب الخبراء إلى أن المعركة الرئيسية ليست في سيناء، بل يجب أن تكون في المحافظات التي أنتجت زعماء التكفير الذين نقلوا بدورهم المعركة إلى سيناء، وهي مناطق مهمّشة خارج نطاق الخدمات التنموية والثقافية، بل وخارج السيطرة الفعلية للدولة.

وأكد خبراء أمنيون أن المواجهة العسكرية لا تسير بالتوازي مع استراتيجية شاملة لاقتلاع نبتة التكفير والتطرف من جذورها، من خلال مشاريع تنموية وثقافية وفكرية، وهذا ما يفسر تفجير الكنيسة البطرسية في ذروة الحرب على الإرهاب في سيناء. فالخزان التكفيري ممتلئ في محافظات، مثل الفيوم ودمياط والشرقية ومحافظات الصعيد، وهو قابل دائما لضخ أجيال جديدة من الإرهابيين.

محافظة الفيوم، التي ينتمي إليها مفجّر الكنيسة البطرسية، محمود شفيق، هي نموذج مثالي لهذه الحالة، حيث تقع جنوب غرب القاهرة وتحيطها الصحراء من كل ناحية، باستثناء جنوبها الشرقي، وتعاني من نقص شبه كامل في الخدمات ومن الفقر والأمية، ومن غياب كامل لمظاهر الفنون والثقافة، حيث لا توجد دور عرض سينمائية، ولا مسارح، ولا حتى مكتبات عامة.

وترى الأديبة الأردنية، ربيحة الرفاعي، في تصريح لـ”العرب”، أن العقول الفارغة من المعرفة والفكر والفلسفة والفنون والآداب، أكثر من غيرها تقبلا لأفكار التطرف والتكفير، كما أن واقع التنظيمات التكفيرية غير منتج للثقافة، ومن المستحيل أن ينتج مفكرا أو مبدعا، كما أن البيئات المهتمة بالثقافة والفنون والفكر تكون الأكثر رفضا وتمنعا واستعصاء على الفكر المتطرف.

الفيوم تعاني من ضعف أداء خطباء ودعاة وزارة الأوقاف، ما يمنح الجماعات المتطرفة فرص السيطرة على العقول من خلال إدارة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية الخاصة

ويُحمّل الأديب المصري ياسر أنور، وزارة الثقافة المصرية المسؤولية إلى جانب مسؤولية الأزهر ووزارة الأوقاف وجهاز الإعلام، فالمحافظات المصرية تعيش حالة “تصحر ثقافي”، ولا تحظى باهتمام الدولة، بداية من إنشاء قصور الثقافة ومكتبات عامة، مرورا بالمسارح وانتهاء بدور السينما. ويرى أن نشاط الوزارة نخبوي وتقليدي ويفتقر للإبداع والانتشار الجماهيري.

وطالب أنور، في حديثه مع “العرب”، القائمين على الشأن الثقافي المصري بتوظيف رموز الفن التي تلقى رواجا عند الجمهور، في نقل قيم التسامح والمفاهيم الصحيحة للدين، من خلال مسلسلات ترعاها الوزارة.

ويرى خبراء في شؤون الحركات الإسلامية أن محافظة الفيوم شهدت نشأة وتطور مختلف اتجاهات الحركة الإسلامية. وتاريخيا كانت منطلقا لفكر التكفير والجهاد وجماعة الإخوان، وكذلك لفكر الجماعة الإسلامية، من خلال جهد أميرها عمر عبدالرحمن، الذي عمل خطيبا بأحد مساجدها.

وعمر عبدالرحمن، هو الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية، وولد في محافظة الدقهلية بشمال مصر عام 1938، ومسجون حاليا في سجن بالولايات المتحدة الأميركية لاتهامه بالتخطيط لتفجيرات هناك.

وبين مشكلات الفقر والتهميش والبطالة والتصحر الثقافي من ناحية، والحضور الطاغي للتيارات السلفية والتكفيرية من ناحية أخرى، تعاني المحافظة من ضعف أداء خطباء ودعاة وزارة الأوقاف، ما يمنح الجماعات المتطرفة فرص السيطرة على العقول من خلال إدارة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية الخاصة مثل الدروس الخصوصية وغيرها.

وقال خالد الزعفراني، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، والذي عايش نشأة التيار التكفيري في مصر، إن واقع محافظة الفيّوم والمحافظات الأخرى التي تشبهها، غير مناسب لتنشئة أجيال واعية متشبعة بمفاهيم المواطنة والتعددية والتنوع الديني، كما أن بقاءها على حالها يجعلها مصدر إمداد دائم للتنظيمات الإرهابية المسلحة.

وعلى سبيل المثال، فإن نشأة تنظيم أنصار بيت المقدس تعود إلى فصائل تكفيرية خرجت من محافظة الفيوم. وأكد الزعفراني لـ”العرب”، أن شيئا لم يتغير منذ السبعينات من القرن الماضي حتى الآن، فأفكار جماعات “الناجون من النار”، و”التوقُف والتبيُّن” و”الشوقيون”، وهي جماعة انشقت على عمر عبدالرحمن وتزعمها شوقي الشيخ، وانتهجت التكفير، ظلت كما هي إلى اليوم.

كاتب مصري

7