محاكمات عسكريين جزائريين بتهم فساد تلبس رداء تصفية حسابات سياسية

حالة استقطاب حادة بين أجنحة السلطة في الجزائر حول مرشح الانتخابات الرئاسية المقبلة.
الاثنين 2018/10/15
استشراء الفساد داخل المؤسسة العسكرية

الجزائر - أحالت قيادة المؤسسة العسكرية في الجزائر، خمسة من كبار الضباط الذين تمت تنحيتهم مؤخرا، على القضاء العسكري للتحقيق معهم في قضايا فساد تتعلق بالثراء غير المشروع واستغلال وظيفة سامية، حيث تم تداول الاستماع إليهم من طرف قاضي التحقيق، الأحد، بالمحكمة العسكرية بالبليدة.

وتعتبر الخطوة سابقة نادرة في تاريخ المؤسسة، فباستثناء المحاكمة المثيرة للجنرال السابق في ثمانينات القرن الماضي مصطفى بلوصيف، لم يحدث أن أحالت المؤسسة عددا من ضباطها السامين بهذا الشكل للقضاء العسكري، الأمر الذي يؤكد استشراء الفساد داخل المؤسسة التي كانت بعيدة عن الرقابة والمساءلة البرلمانية.

وأفادت قناة النهار الفضائية الخاصة المقربة من مؤسسة رئاسة الجمهورية، بأن “قاضي التحقيق في المحكمة العسكرية بالبليدة (50 كلم جنوبي العاصمة)، شرع في مساءلة ضباط سامين والاستماع إليهم حول تهم فساد وجهت لهم من طرف قيادة الجيش”.

وفيما لم يصدر أي بيان رسمي عن المؤسسة أو برقية في وسائل الإعلام الحكومية كالوكالة الرسمية ومؤسستي الإذاعة والتلفزيون، تبقى التساؤلات مطروحة عن سر انفراد القناة المذكورة بالأخبار الهامة المتعلقة بالمؤسسة العسكرية، رغم دخولها في غضون الأسبوع الماضي في سجال مع دائرة التحريات التابعة لجهاز الأمن (الاستخبارات).

وذكر المصدر أن الضباط الخمسة وجهت لهم تهم الثراء غير المشروع واستغلال وظيفة سامية، ويتعلق الأمر بكل من قائد الدرك مناد نوبة، وقادة النواحي العسكرية الأولى والثانية والرابعة (تقسيم جغرافي) وهم حبيب شنتوف وسعيد باي وعبدالرزاق شريف، فضلا عن مدير المالية في وزارة الدفاع بوجمعة بودواور.

وكان الجنرالات الخمسة قد تمت تنحيتهم خلال الأسابيع الماضية ضمن 12 جنرالا في ظرف ستة أسابيع، في حركة تغيير غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة لا تزال تطرح الكثير من الأسئلة حول خلفياتها ودلالاتها، لا سيما وأنها تزامنت مع حراك قوي في مختلف مؤسسات الدولة يتصل بالاستحقاق الرئاسي المنتظر في شهر أبريل القادم.

ويعتبر هؤلاء من الرموز العسكرية التي كانت إلى غاية صدور قرار تنحيتها، توصف بـ”القوية والنافذة” في مؤسسة الجيش، ومنها من كان مرشحا لخلافة الجنرال أحمد قايد صالح، في منصب قيادة الأركان، كما ارتبطت بمرحلة محاربة الإرهاب، وبتثبيت أسس سلطة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة منذ مطلع الألفية، بعد تخلصه من المقاومة التي أبداها عسكريون سابقون له، كقائد أركان الجيش الراحل الجنرال محمد العماري.

وسبق لتسريبات إعلامية أن تحدثت عن سحب جوازات سفر عدد من الضباط الذين أنهيت مهامهم، وعن فرار الجنرال سعيد باي خلال الأيام الماضية، مما كلف مدير أمن مطار هواري بومدين بالعاصمة منصبه، قبل أن يعود الجنرال ويتبين أنه كان في رحلة علاجية لم تكتمل في بروكسل.

Thumbnail

وباستثناء المحاكمة المثيرة التي طالت في ثمانينات القرن الماضي الجنرال الراحل مصطفى بلوصيف، بتهم فساد وسوء تسيير، تبين في ما بعد تلفيقها من طرف نافذين في محيط الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، في سياق صراعات داخلية، فإن التهم المماثلة لم تطل أي ضابط سام إلى غاية إحالة الجنرالات الخمسة المذكورين.

وكان القضاء العسكري قد أحال العام 2015، كلا من الضابط المتقاعد رشيد بن حديد بتهم تصريحات مغرضة تمس باستقرار وتماسك المؤسسة العسكرية وإهانة الجيش، على خلفية التهم التي وجهها إلى بعض الضباط بالضلوع في المجازر الجماعية التي عاشتها بعض مناطق البلاد خلال العشرية الحمراء 1990-2000، كما قضى بسجن الجنرال عبدالقادر آيت أوعرابي (حسان) لمدة خمس سنوات، وهو الذي كان حينها مكلفا بدائرة محاربة الإرهاب في جهاز الاستخبارات، بتهم التمرد وإتلاف وثائق رسمية.

ولم تستبعد مصادر مطلعة أن تتوسع العملية خلال الأيام القليلة المقبلة، لتشمل ضباطا ومسؤولين آخرين في المؤسسة العسكرية، بالتوازي مع نتائج التحقيق في قضية شحنة الكوكايين الضخمة التي احتجزت نهاية شهر ماي الماضي، ووجهت تهم الضلوع فيها إلى عدد من المسؤولين الكبار في الأمن والجيش والقضاء والإدارة.

وتتداول تقارير محلية أنباء عن فتح تحقيقات معمقة مع عائلات وأقارب عدد من المسؤولين السامين، وحجز جوازات سفر وممتلكات وعقارات، ويأتي على رأس هؤلاء المدير العام السابق لجهاز الأمن الجنرال عبدالغني هامل، الذي تمت تنحيته فور تفجير فضيحة الكوكايين.

وتعيش الجزائر خلال الأسابيع الأخيرة على وقع تجاذبات قوية بين مراكز النفوذ في السلطة، على خلفية الرغبة الجامحة لكل طرف في الاستحواذ على مرشح السلطة في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولا يستبعد أن تتحول إلى تصفية حسابات متهورة، في ظل الفراغ والصمت اللذين يخيمان على موقف الرئيس بوتفليقة من الصراعات الدائرة حوله.

وامتدت عدوى الهزة التي تعرفها المؤسسة العسكرية خلال الشهرين الأخيرين، إلى أزمة برلمانية دخلت أسبوعها الثالث بسبب الاستقطاب القائم بين رئيسه سعيد بوحجة المتمسك بمنصبه كرئيس للهيئة وكرجل ثالث في الدولة، وبين دعاة تنحيته المتمثلين في الكتل النيابية الموالية للسلطة، وإلى تصفية حسابات علنية بين الذراع الإعلامية للرئاسة (قناة النهار) وبين جهاز الأمن (الاستخبارات).

1