"محاكمة شيكاغو" فيلم يكشف الوجه الآخر لأميركا

وقائع يوميات المعارضة الشعبية لحرب فيتنام في محاكمة دراماتيكية.
الأحد 2020/11/01
يوميات العنف في الحياة الأميركية ضد الحرب

لا شك أن قصص المحاكمات كانت وما تزال من القصص المفضلة عبر تاريخ السينما. تلك المحاكمات التي شهدت تحولات كبرى وتعرضت لشخصيات وأنظمة سياسية كانت كافية لتجتذب إليها مخرجين وكتاب سيناريو تناولوا أبرز القضايا في مزج بين المتخيل والواقعي، ما يخلق دراما مثيرة لها رسالة فكرية وسياسية وإنسانية علاوة على رسالتها الفنية.

ما يميز هذه الأفلام التي تتناول قصص المحاكمات والأحداث التاريخية أنها مرتبطة بشكل وثيق بقصص واقعية وأحداث موثقة تاريخيا وتعرض لشخصيات مرت بتلك المحاكمات.

وعلاوة على جوانب التشويق والإثارة التي تنطوي عليها عملية كشف الحقائق وظهور المفاجآت غير المتوقعة، فإن هنالك العودة إلى جذور الشخصيات وسيرها الحقيقية في الحياة وما تضمره أو تخفيه من أسرار.

ويمكننا هنا أن نتذكر أفلاما مثل “بضعة رجال محترمون” 1993، “12 رجلا غاضبون” 1957، “مارشال” 2017، “مايكل كلايتون” 2016، “إيرين بروكوفيتش” 2000، “السر في عيونهم” 2009، “الداخل” 1999، “محامي لينكولن” 2011، “حركة مدنية” 1998، وغيرها.

غالبا ما تراوحت قصص المحاكمات ما بين القصص السياسية أو القصص المرتبطة بالجريمة.

وجه آخر لأميركا

في القصص السياسية، هنالك اهتمام ملحوظ بعرض جانب من الحياة السياسية وحياة الزعامات والتيارات، وهو ما ينطبق على فيلم “محاكمة شيكاغو” الذي يعرض حاليا ومن إخراج آرون سوركين.

هو في الواقع مقطع مهم وبالغ الحساسية من الحياة الأميركية وواحدة من أكبر وأخطر الأزمات التي عصفت بالحياة السياسية الأميركية، ونقصد بها حقبة حرب فيتنام وصعود الرئيس الديمقراطي ريتشارد نيكسون ثم سقوطه المدوّي بفضيحة ووترغيت.

ميزة هذا الفيلم هي تمثيل الأحداث كالمظاهرات وتجمعات المتنزه ثم مزجها باللقطات الوثائقية الحقيقية بالأبيض والأسود
ميزة هذا الفيلم هي تمثيل الأحداث كالمظاهرات وتجمعات المتنزه ثم مزجها باللقطات الوثائقية الحقيقية بالأبيض والأسود

كانت الحياة الأميركية تموج بالصراعات والمواقف المتعارضة ما بين شتى التيارات وخاصة لجهة تيارات اليسار ودعاة الحريات المدنية والمدافعين عن حقوق السود ثم التيارات المناهضة لحرب فيتنام.

هنا يتوقف المخرج عند عيّنة مختارة من تلك الحقبة لسبعة من أشرس المعارضين لحرب فيتنام والذين انتظموا في تيارات وجماعات مناوئة للحرب وبما في ذلك تنظيم المظاهرات الحاشدة وخاصة إبان انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي في العام 1968. إنه وجه آخر لأميركا شاهده العالم أجمع أو على الأقل سمع عنه، وجهها العنفي وحيث هجمات قوات الأمن ورجال الشرطة والشرطة السرية لا تتوقف عن استهداف التجمعات المناوئة للحرب.

اللقطات الوثائقية التي استخدمها المخرج تظهر عمليات الاستدعاء المتواصلة للآلاف من الشباب للالتحاق بالحرب في فيتنام وحيث تتدفق الرسائل لتصل إلى عشرات الألوف من الشباب الأميركيين تدعوهم للالتحاق بمراكز الجيش لغرض إعدادهم وإرسالهم إلى الحرب.

يخوض الفيلم في وسط هذه الدراما في مسارات متعددة، فتلك المظاهرات والاحتجاجات الشعبية العارمة تكمن ميزتها في انتمائها إلى تيارات شتى، كما ذكرنا وكذلك الحال مع المتهمين السبعة الذين ينتمون إلى توجهات مختلفة.

ولتجذير قوة الصراع في تلك المحاكمات التي استغرقت شهورا فقد حشدت الحكومة من جانبها أعتى أدواتها الاستخبارية وطواقمها من المدعين العامين الشرسين لغرض الإيقاع بالمحتجين وإثبات كونهم مجرد عناصر للشغب والتخريب، وتعمّد التصادم مع أجهزة الأمن ورجال الشرطة يتقدمهم القاضي جوليوس هوفمان (الممثل فرانك لانغيلا) في تجبّره وغطرسته.

على أن ما يميز هذا النوع من الأفلام، علاوة على كونها ترتبط بشكل وثيق بالأحداث التاريخية والموثقة، هو اتكاؤها على الحوار، وبذلك تقترب مثل هذه الدراما من النمط المسرحي مما يدفع بالمخرج إلى إيجاد مقتربات أخرى لغرض التخلص من هذه النمطية ومن هذا القيد وذلك من خلال الانتقال من جلسات المحاكمة إلى المشاهدة واللقطات الأرشيفية أو إلى ما يدور في خارج المحكمة.

وميزة هذا الفيلم هي تمثيل الأحداث كالمظاهرات وتجمعات المتنزه ثم مزجها باللقطات الوثائقية الحقيقية بالأبيض والأسود.

البناء الدرامي

أما لجهة الشخصيات السبعة الرئيسية، فلقد اختار نخبة من الممثلين المتميزين والوجوه السينمائية المعروفة وحيث كل منهم ينتمي لوجهة نظر وموقف محدد.

وما بين الوجوه السبعة التي برز من بينها آبي وهادين، كان التوازن في تلك الدراما من خلال القاضي المتغطرس وصعب المراس والذي لا يتيح أية فرصة للخروج عن سياقات المحكمة إلا بعقوبة الازدراء التي طالت محامي الدفاع، كما طالت عددا من المتهمين، ولنتوقف عند محطات درامية مهمة شهدت ذلك النوع من السجال الشرس مع القضاء والادعاء العام، وكانت تفاصيل تلك الجلسات يتم نقلها يوميا إلى الرأي العام.

من بين تلك الشخصيات آبي (الممثل ساشا كوين) الذي يقود تيارا شبابيا مناوئا يسعى إلى الوصول إلى منصة سياسية قادرة على المنافسة، لكن انتماءه ووجهة نظره السياسية يتقاطعان مع رؤية ووجهة نظر نظيره توم هايدن ( الممثل إيدي ريدماين) وحيث يقود السجال بينهما إلى العراك.

وإذا توقفنا عند البناء الدرامي للشخصيات فلا شك أن توم يبدو مختلفا، فهو الذي وقف احتراما للقضاء بينما امتنع الكل عن الوقوف، وهو الذي أدخل التيارات المناوئة للحرب في صراع صعب مع أجهزة القضاء بسبب دعوته الشهيرة “ما داموا قد أراقوا دماءنا فلنغرق المدن بالدماء”. وذلك رد فعل انفعالي على ضرب زملائه وإدماء رؤوسهم من طرف الشرطة مما أدى به إلى أن يلقي خطبة في الحشود المتظاهرة داعيا إياها إلى مواجهة رجال الشرطة.

أما على الجهة الأخرى، فإن شخصية آبي الإشكالية الانتهازية وكثيرة الجدل وتصادماتها الكثيرة قد ظهرت في الفيلم من خلال عدد من المواقف التي وازنت ما بين العنف ومهادنة السلطات.

محاكمة الوجدان الأميركي بسبب حرب فيتنام
محاكمة الوجدان الأميركي بسبب حرب فيتنام

والحاصل أن آبي وتوم والآخرين كانوا في نقطة منتصف الدائرة يلاحقهم سؤال مفاده هل هم المسؤولون عن العنف والمفجّرون له أم أنه من صنع رجال الشرطة وأجهزة الأمن وهل أن ضرب المتظاهرين والمحتجين واستخدام العنف المفرط ضدهم هو قرار سياسي أم أنه مجرد رد فعل لاستفزازات تقع ما بين الطرفين؟

هذه الإشكالية المحورية هي التي دفعت قدما باتجاه المزيد من الحبكات الثانوية والتي كما ذكرنا كانت الأهداف منها هي التخلص من رتابة أجواء الحوار المجرد في قاعة المحكمة إلى ما يعمق الدراما مع أن هنالك العديد من الانتقادات التي رافقت عرض الفيلم من خلال مقالات العديد من النقاد السينمائيين في عدم قناعتهم بمستوى البناء الدرامي والمعالجة السينمائية لتلك الأحداث التاريخية العاصفة التي كانت قد شهدتها الولايات المتحدة في حقبة الستينات وخاصة حقبة حرب فيتنام التي هي محور هذا الفيلم.

لنعد إلى شكل المعالجة الفيلمية، فمنذ المشاهد الأولى يظهر الموقف السياسي المتصاعد، والذي سوف يؤسس لتلك الدراما ويرسم مسارات الصراع في الفيلم، صور وثائقية بالأبيض والأسود للرئيس جونسون في خطاب إلى الأمة بتعزيز الحشود العسكرية التي يتم إرسالها إلى فيتنام بآلاف جديدة من الجنود.

وهو يحدد عديد الجنود الذين سوف يتم إرسالهم إلى الحرب من 17 ألفا إلى 35 ألفا شهريا، وهو ما انعكس بشكل مباشر على التيارات المناوئة للحرب وسعّر من المواجهة.

يمهّد المخرج للأجواء السائدة بتحذير قادة سياسيين من البيض والسود من تأجج السموم في الحياة الأميركية من جراء أجواء الكراهية والعنصرية التي كانت حرب فيتنام سببا مباشرا فيها، وهو ما يعلنه مارتن لوثر كينغ في خطابه إلى الأمة.

من هنا يمكننا أن نلحظ أجواء المواجهة التي لا بد منها والتي سوف تشهدها المحاكمات ودراميا هنالك الاستقطاب الشديد بين طرفين متعارضين.

ويحسب للمخرج، وهو نفسه كاتب السيناريو، أنه كتب المناقشات وإفادات الرأي العام والمتهمين والسجالات في ما بينهم بحرفية عالية وبلاغة ملفتة للنظر. الحوار هنا يستند بالطبع إلى تراكم متاح لتوثيق تلك المحاكمات وما دار فيها، ولكن وفي الوقت نفسه تم إعداد الحوار بطريقة مميزة.

ومع تدفق المشاهد الأولى التوثيقية للحرب، سوف نتعرف على الشخصيات الرئيسية ومن بينهم كما ذكرنا توم وزميله ريني ديفيز (الممثل أليكس شارب) وهما من قادة التجمع الطلابي من أجل الديمقراطية، وجيري روبن (الممثل جيرمي سترونغ) وآبي هوفمان من حركة حزب الشباب العالمي وعلى الجهة الأخرى الحركة الشعبية لمناهضة الحرب في فيتنام ومن خلال زعيمها ديفيد ديلينغر (الممثل جون كارول لينتش) حركة الفهود السود الشهيرة من خلال رمزها بوبي سيل (الممثل يحيى عبدالمتين).

الرموز السبعة

المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو كتب المناقشات وإفادات الرأي العام والمتهمين والسجالات في ما بينهم بحرفية عالية وبلاغة لافتة
المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو كتب المناقشات وإفادات الرأي العام والمتهمين والسجالات في ما بينهم بحرفية عالية وبلاغة لافتة

يشتبك المعارضون السبعة في صراع لا تعرف نهاياته لاسيما وأنه يأتي متزامنا مع التغيير الحاد في النظام السياسي بانتهاء حقبة الرئيس جونسون وبدء حقبة الرئيس نيكسون، وما تخلل ذلك من حملات متصاعدة ضد حرب فيتنام، ولهذا يمكن رسم كثير من ملامح البيوغرافيا الشخصية المرتبطة بزعماء الحراك، والذين ليسو بالضرورة منسجمين مع بعضهم البعض في أداء مهمتهم.

وهو واقعيا فعل السوسيولوجيا بوصفها عاملا إضافيا في تلك الدراما، إذ يوظف الفيلم الانقسام المجتمعي الفاضح والقوى الفاعلة في المجتمع فضلا عن أن واحدة من ركائز تلك السوسيولوجيا هي قوى الصراع وهذه أيضا كانت واضحة ما بين فوضويين وحركات تقدمية ومدافعين عن حريات السود ومدافعين عن الحريات المدنية وحقوق المرأة.

وعلى هذا تم تأسيس الدراما الفيلمية على ركائز ترتبط بالمجتمع وبعمق الصراعات المتفاقمة فيه، وبهذا فارقت الأحداث أية شعارات سطحية أو مجرد تأجيج للمشاعر، ومن ثم فإن الأرضية كانت مهيئة تماما للمضي في تصعيد الدراما لاسيما وأن قاعة المحاكمة في حد ذاتها لم تكن إلا امتدادا لما كان يجري في الخارج من انتفاضة شعبية متصاعدة ضد الحرب.

تتحول الانتفاضة ضد الحرب إلى رمز اجتماعي من خلال ارتباطها بمدينة شيكاغو، ملتقى التجمع الشعبي الواسع المناهض للحرب، وحيث لا يربط المنتفضين من رابط سياسي بسبب انتماءاتهم السياسية المتعددة إلا أن شيكاغو تجمعهم في بؤرة ثورية تؤرق السلطات.

هنا سوف يتحول المكان/ المدينة إلى قيمة رمزية دالة وعنوان مباشر للتأثير في جيل بأكمله لغرض الانخراط في التيار المعارض للحرب، وهو ما يظهر جليا من خلال اللقطات الوثائقية والأرشيفية التي توثق لتلك التجمعات ومتى وكيف وقع التصادم مع أجهزة الأمن وكيف سقط العشرات من الضحايا واعتقال المئات.

كل ذلك تجري وقائعه من خلال جلسات المحاكمة وكيف تم تفصيل إفادات الأطراف المتعددة ومواقفهم إلى أرضية تم تأسيس الدراما الفيلمية عليها وتم تعزيزها بمزيد من المقاطع الوثائقية التي كانت في حد ذاتها وفي كثير من الأحيان بالغة الأهمية وأسهمت في تصعيد الدراما الفيلمية.

15