محاكمة فكرية لابن رشد فيلسوف قرطبة

الباحث مدحت صفوت يؤكد أن ابن رشد لم يكن تنويريا ولا فرق بين السلفيين والتنويريين العرب في تبنيهم شعار "لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح أولها".
الاثنين 2018/10/15
ابن رشد والغزالي ليسا متخاصمين
إن ارتهان العرب إلى الماضي والأسلاف يشكل ظاهرة لا بد من تحليلها بدقة، حيث لا يتوقف هذا الارتهان عند الأصوليين الدينيين بل يذهب أيضا إلى التنويريين الذين يحاولون تأصيل أفكارهم فيصبحون وجها آخر من الأصوليين، وهذا ما نجده مثلا في المرتهنين إلى ابن رشد اليوم دون نقد أو تمحيص.

جرت في ندوة، شهدت حضورًا متنوعًا ضم كتابا وأكاديميين، محاكمة فكرية لفيلسوف قرطبة الوليد ابن رشد، والتيار الرشدي العربي، في ضوء مناقشة قدمها الباحث مدحت صفوت حول ابن رشد وكتابه الشهير “فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال” الصادر مؤخرًا عن سلسلة التراث الحضاري بالهيئة المصرية العامة للكتاب.

الندوة التي استضافها مركز دال للأبحاث وأدارتها الروائية سلوى بكر وشارك فيها مدرس الفلسفة بجامعة القاهرة الدكتور كريم الصياد، جاءت بعنوان “هل كان ابن رشد تنويريًا؟”.

التنويري الأصلي

 منذ بداية الندوة رأى المتحدثون أن قاضي قضاة قرطبة ليس نقيضًا للإمام الغزالي، متهمين الرشديين العرب بإنتاج صورة متخيلة عن أبي الوليد.

وكان مدحت صفوت أصدر مؤخرًا دراسة عن ابن رشد بعنوان “صوت الغزالي وقِرطاس ابن رشد”، ملحق بها دراسة ابن رشد الشهيرة “فصل المقال”، نسف فيها الصورة النمطية السائدة عن فيلسوف قرطبة التي تقدمه على أنه “التقدّمي” و”التنويري”، المغاير والنقيض للغزالي، فيما رأى صفوت الأمر على النقيض مما سبق، فضلاً عن كشفه لعمليات الامتطاء الأيديولوجي التي مارسها المفكّرون العرب للتراث العربي بصفة عامة، ولتراث ابن رشد خصوصاً، وقد خصّ المؤلّف ثلاثة من هؤلاء المفكّرين، وهم: الراحلان محمد عابد الجابري وعاطف العراقي، والدكتور مراد وهبة، مترصدًا الأشباح المتناقضة التي سكنت خطاب ابن رشد، بخاصة شبح الغزالي.

مدحت صفوت يكشف عمليات الامتطاء الأيديولوجي التي مارسها المفكرون العرب للتراث العربي ولتراث ابن رشد خصوصا

من جهته، أوضح كريم الصياد أن مدحت صفوت يتعرض في دراسته “صوت الغزالي وقرطاس ابن رشد” لظاهرة مهمة من ظواهر الفكر العربي المعاصر، ألا وهي استدعاء أصوات القدماء من أجل تأصيل أطروحات فلسفية، وذلك في إطار استراتيجية بعض المفكرين العرب المعاصرين لمواجهة أصل بأصل، وتحديدًا لمواجهة الأصولية بعلمانية متأصّلة، أو بأصل مُعَلْمَن.

وفي سعي المفكر العربي المعاصر لإحداث هذه المواجهة، وبرغم اختلاف مضمون استدعاء الغزالي أو ابن تيمية عند الأصوليين عن مضمون ابن رشد المستدعَى من جهة التنويريين والعلمانيين العرب، فإن هذا المفكر يؤكّد بهذا على آلية الاستدعاء ذاتها، وميكانيزم التأصيل. هو اختلاف في المضمون واتحاد في المنهجية العامة، يرسّخ، بدلاً مِن أنْ ينقد أو يفكك، هذه المنهجية.

ولفت الصياد إلى أن هذه المنهجية طبعت أغلب أطروحات المشروعات الفكرية العربية في قراءة التراث في النصف الثاني من القرن العشرين وإلى الآن هي تجَلٍّ لحركة “ارتكاسية”، تفترض تلقائيًا قدرة السابق على التحكم في اللاحق، وبالتالي تأسيس الحاضر في الماضي واستنساخ الماضي في الحاضر. وإذا كانت الثقافة العربية تشكو من طغيان نسق معرفي سلطوي واحد، هو النسق الأصولي، فإن هذا الارتكاس مِن شأنه أنْ يدعم هذا النسق، وذلك حين يدعم منهجيته الارتكاسية العامة؛ لأن النسق الأصولي ارتكاسي في جوهره.

ابن رشد استبعد عامة الجمهور من البرهان الفلسفي
ابن رشد استبعد عامة الجمهور من البرهان الفلسفي

وأبعدَ مِن ذلك رأى الصياد أن مواجهة أصل بأصل، أصل أصولي بأصل علماني أو تنويري –ابن رشد في هذه الحالة- لا يستعمل سلاح الخصم بقدر ما يقرر بتصميم أن يلعب على أرض المناوِئ الأيديولوجي، الذي لا يجد أي صعوبة في فهم أنّ التنويري العربي أصولي هو الآخَر، لكنه يستعمل أصلاً أضعف أيديولوجيًا، إذ لا يمثّل ابن رشد بذاته سلطة معرفية ما، تمنح التنويري العربي قوة خارقة، قد تتفوق على القوة التي يمنحها ابن تيمية مثلاً لأتباعه إلى اليوم من خلال التصوّر الواحد المغلَق للنسق المعرفي الديني. بل وأعمق من ذلك يقطع التنويري العربي بآلية الاستدعاء الطريقَ على محاولات الإبداع الأصيلة في الفلسفة العربية المعاصرة باعتبارها، صراحةً أو ضمنًا، منبتّة الصلة عن “أصول” الثقافة.

وأضاف الصياد “بما أننا لا يمكننا إغفال ما للثقافة من دور بطبيعة الحال في طبيعة تلقّي القارئ العربي للطرح الفلسفي، فإن ما نحتاج إليه هو نقد أصول هذه الثقافة نقدًا علميًا، لا محاولة تأصيلها أيديولوجيًا على أساس مختلف، لأن معركة التأصيل معركة لاعب واحد في النهاية، هو الأصولي. وبدلاً من سعي التنويري العربي إلى تفكيك سلطة المعرفة، فإنه يتعلّم من هذه السلطة آليتَها الأساسية، ويقلدها، كما يتعلم الطالب من المعلم عن طريق التقليد، بالرغم من بيانات شجب التقليد، التي أمطرنا بها الفكر العربي الإصلاحي من الأفغاني ومحمد عبده إلى اليوم”.

صك المشروعية

سلط مدحت صفوت ضوء النقد على طبيعة الفكر الرشدي المستدعَى، وسعيا لاستكشاف كيف أنه لم يكن تنويريًا في الأصل، حيث يستبعد ابن رشد عامة الجمهور من البرهان الفلسفي، وهذا نوع من التعتيم، لا التنوير، وصنف من احتكار الثقافة، لا التثقيف.

وتعرض صفوت لبعض من أهم وجوه الرشدية العربية المحدثة كالعراقي ووهبة والجابري، الذين قدّموا صورة مُعاد بناؤها لابن رشد من حفريات، ليست فقط ناقصة، بل مختلفة بوضوح عن الهيكل الخارج من متحف التاريخ، ليسير كخرافة على أرض الحاضر بقدرة إعجازية ما، هي قدرة إعادة بناء النماذج التاريخية المزيَّفة، والتي يراها خصيصة استراتيجية ومنهجية أساسية في المشروعات الفكرية العربية المعاصرة.

العودة إلى الماضي للحصول على صك المشروعية، خطوة مربكة يلجأ إليها التنويريون العرب، في مسار السير نحو الأمام
 

من جهة ثانية، بيّن مدحت صفوت أن العودة إلى الماضي للحصول على صك المشروعية، خطوة مربكة يلجأ إليها التنويريون العرب، في مسار السير نحو الأمام تتراجع الرؤى التنويرية خطوة إلى الوراء، تبحث عن أب شرعي للخطاب الوافد، عن جذر يمكن من خلاله تمرير المنتج الجديد، عن قناع يمرر من خلاله التنويري خطابه “الغريب” عن السياق السائد، استحضار صوت ماضوي يحمل عبء تحقيق النهضة المرجوة. خطوة عرفها بـ”إرادة العودة”، وهي إجراء ارتدادي، يعود بالذات إلى الوراء، وعبرها لا يكتسب الإجراء الفكري الحديث معنى أو مصداقية إلا بقدر ما يكون متطابقًا مع الماضي وخطاباته. وهو إجراء استقوائي أيضًا أمام أفكار الآخر المتفوق في الكثير من المجالات، عبر استدعاء الأسلاف وخطاباتهم، باعتبارهم –نقصد الأسلاف- الموتى الأحياء فينا بتعبير عابد الجابري.

وأضاف صفوت “إذن يتفق السلفيون الدينيون والكثير من التنويريين العرب، في شعار ‘لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح أولها’، وإن بدا نفورا تنويريا من العبارة السلفية، لكنه يظل نفورًا خطابيًا لا أكثر، وتنخرط الممارسة في تحكيم التراث على الواقع الراهن، واعتبار الأول أصلًا، ليتم استحضار روح ابن رشد وبعث خطابه من جديد، وتنحصر مساحات الاختلاف في تحديد أيّ جزء من التراث الذي يجب استدعاؤه، فالخلاف جزئي وليس جذريًا، ليصبح الخطاب التراثي مطية للأيديولوجيا والغايات الذاتية، ويسقط عن التراث تاريخيته وينتهك الجميع السياق والفضاء الذي تشكلت فيه الثقافة العربية قديمًا، وهو فضاء ديني له خصوصيته التاريخية والنصيّة أيضًا”.

15