محاكمة لاجئين على جرائم حرب سلاح أوروبي لردع المتطرفين

طرح الحكم السويدي الأخير على اللاجئ السوري هيثم سخانة بالسجن مدى الحياة، بسبب ارتكابه جرائم حرب في سوريا، تساؤلات حول مدى فاعلية تلك الأحكام في ردع المتطرفين المتسللين بين اللاجئين إلى أوروبا. وأشار قانونيون إلى أن الولاية القضائية خارج الحدود الإقليمية تعد خرقا للقوانين الدولية وحقوق الإنسان وتفتح باب تلاعب السياسة بأحكام القضاء.
الأربعاء 2017/05/17
بالمرصاد للمتشددين

ستوكهولم – يتسلل إلى أوروبا مقاتلون سابقون في فصائل معارضة سوريا تقاتل ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد منذ قرابة سبعة أعوام. وأثار هؤلاء المقاتلون قلقا غربيا واسعا، إذ يعتنق الكثير منهم أفكارا أيديولوجية متشددة.

في المقابل وصل المئات من الجنود السابقين في الجيش السوري إلى دول مثل ألمانيا، لكن أيا منهم لم يثر شبهات بالقيام بأعمال عنف بعد.

وكانت السويد أول الدول الأوروبية التي أطلقت صافرة الإنذار، إذ أخضعت مقاتل سابق في صفوف المعارضة للمحاكمة بسبب ما قالت إنه جريمة حرب اقترفها عام 2012 ضد جنود في الجيش السوري.

وأصدر القضاء السويدي الأسبوع الماضي حكما على سوري يقيم في السويد بالسجن مدى الحياة في جرائم حرب ارتكبها في سوريا، بعد إدانته بالمشاركة في إعدام سبعة من الجنود في الجيش السوري عام 2012.

وأكدت محكمة ستوكهولم أن هيثم سخانة، البالغ من العمر 46 عاما، ثبتت إدانته في انتهاك القانون الدولي وارتكاب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إن سخانة، الذي ألقي القبض عليه في مارس الماضي، ظهر في فيديو مصور لعمليات قتل، لكن سخانة نفى ارتكاب أي جريمة مؤكدا أن "عمليات الإعدام تمت بعد محاكمة عادلة".

وأفادت المحكمة في بيان "المدعى عليه شارك في الإعدام وأطلق النار على أحد الجنود الأسرى من بندقية".

ووقت ارتكاب الجريمة كان سخانة عضوا في أحد فصائل الجيش السوري الحر، الذي تحالف مع جماعات تحمل أيديولوجيا متطرفة لاحقا، منها جبهة النصرة (ذراع تنظيم القاعدة في سوريا)، قبل أن تغير اسمها إلى هيئة تحرير الشام. والسويد هي الدولة الوحيدة التي أخضعت سوريين للمحاكمة لارتكابهم أعمال عنف خارج أراضيها.

والعام الماضي قضت محكمة في شمال السويد بالسجن خمس سنوات على مواطن سوري يدعى مهند دروبي بسبب شريط مصور أظهره وهو تعدى فيه بالضرب المبرح على أحد زملائه من المقاتلين الذين ينتمون إلى فصائل المعارضة في سوريا.

الادعاء العام السويدي استند إلى مقطع فيديو نشرته صحيفة 'نيويورك تايمز' الأميركية يظهر سخانة وهو يطلق النار على الجنود السوريين

وأوضح مراقبون أن الإجراءات السويدية من شأنها تقويض أي تسلل لمتورطين بأعمال مخالفة للقوانين الدولية وخصوصا جرائم الحرب والإرهاب.

الولاية القضائية خارج الحدود

تطرح القضية تساؤلات حول مدى قانونية الولاية القضائية خارج الحدود الإقليمية وفاعلية استخدامها في دول أوروبية لردع أي عمل إرهابي في المستقبل يقوم به متسللون من بين اللاجئين النازحين إلى أوروبا.

وتعاني دول أوروبية كفرنسا وألمانيا والدنمارك من عمليات إرهابية متلاحقة قام بها لاجئون سوريون، كان آخرها هجوم وقع بالشانزليزيه في باريس في 19 أبريل الماضي، وأسفر عن مقتل شرطي وإصابة إثنين آخرين.

وارتفع منسوب التشدد الديني في قرى ومدن سيطر عليها معارضون سوريون إسلاميون، وأدى ذلك إلى تعرض هذه المناطق لقصف مكثف من قبل الطيران الحربي للجيش السوري، وهو ما دفع مئات الآلاف من السكان المحللين إلى عبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

ومنذ ذلك الحين تعمل أجهزة الأمن الأوروبية على قدم وساق للتحقيق في خلفيات هؤلاء اللاجئين، الذين بات بعضهم يشكل خطرا على المجتمعات المحلية في هذه الدول.

واستند الادعاء العام السويدي إلى مقطع فيديو نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية على موقعها الإلكتروني في سبتمبر 2013 يظهر سخانة وهو يطلق النار على الجنود السوريين، برفقة مسلحين آخرين يتبعون فصيلا يسمى “فرقة سليمان المقاتل” وهي من فصائل المعارضة السورية المسلحة التي تقاتل نظام الأسد.

ولأن الجريمة حدثت خارج الأراضي السويدية، قامت المحكمة بتشكيل لجنة قانونية متخصصة بحثت عن تفاصيل القصة في سوريا وتحديدا المنطقة التي وقعت فيها الجريمة لمعرفة حيثيات ما قبل الجريمة والتفاصيل التي مرت بها.

وحسب الصحافة السويدية، لم ينكر المتهم أنه هو من ظهر في المقاطع المصورة، لكنه ادعى خلال جلسات المحاكمة "إن عملية إعدام الجنود التابعين للنظام السوري تمت بناء على محكمة شرعية مستندة إلى القانون السوري، وإن المحكمة أدانت الجنود بتهمة قتل المدنيين".

واعتمد فريق التحقيق على تجميع فيديوهات منشورة على موقعي فايسبوك وتويتر لإعداد ملف القضية وتوجيه الاتهامات إلى سخانة.

ولم تقتنع المدعية العامة لدى محكمة ستوكهولم الابتدائية كريستينا كارليسون بتبرير المتهم بأن إعدام الجنود تم وفق قرار محكمة، حيث لم يكن هناك إمكانية لإقامة محاكمة سورية وفي حال تمت محاكمة الجنود فلم تتوفر شروط المحاكمة العادلة لأن الفترة ما بين إلقاء القبض على الجنود حتى تصفيتهم لم تتجاوز 41 ساعة.

الإجراءات السويدية من شأنها تقويض أي تسلل لمتورطين بأعمال مخالفة للقوانين الدولية وخصوصا جرائم الحرب والإرهاب

ولم يلق جنود سابقون نفس المعاملة. وقال مراقبون إن شح الأدلة ربما لعب دورا في التركيز على مقاتلين حاربوا في صفوف المعارضة فقط، لكن مراقبين أكدوا أن اعتناق الكثيرين من بين اللاجئين المناصرين للمعارضة لأيديولوجيا متشددة وتدعو إلى شن هجمات على الأراضي الأوروبية حول مسار اهتمام الغرب كي يصبح مركزا بشكل أكبر على المنتمين إلى المعارضة فقط.

وقال توماس ولسون، محامي الدفاع عن سخانة، إنه لم يستطع معرفة كيف تمت عملية المحاكمة في ظل غياب شهود عيان. وأكد أن "موكله كان واضحا بأنه نفذ حكما بالإعدام صدر من قبل محكمة عادلة، وأن موكله لم يطلع بنفسه على مجريات المحاكمة”.

وتم اعتقال سخانة في 2012 نتيجة احتلال السفارة، وبعد خروجه من الاعتقال سافر إلى سوريا لينضم إلى الفصائل المقاتلة ضد الأسد. وسافر سخانة إلى السويد في 2013 بعد ارتكابه جريمة الإعدام في سوريا، بعد أن طلب اللجوء إليها.

وسيلة ردع

بموجب القانون السويدي، يمكن للمحاكم أن تقاضي المواطنين السويديين وغيرهم على جرائم ارتكبت خارج البلاد. ولا تمتلك دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا حق مقاضاة أفراد مقيمين على أراضيها ارتكبوا جرائم خارج حدودها، وهو ما يهدد تكرار التجربة السويدية كوسيلة ردع للمتطرفين في بلاد آخرى.

وألغى القضاء السويدي حكمه الأول بالحبس على مهند دروبي لاتهامه بارتكاب جرائم حرب بعد أن تبين أن الشخص الذي اعتدى عليه دروبي هو زميل له في الجيش السوري الحر. وعاد القضاء السويدي وأصدر حكما أقسى على دروبي بترحيله من البلاد بعد انتهاء مدة سجنه وعدم السماح له بدخول البلاد مرة أخرى طوال حياته.

وكان دروبي الذي يعيش في السويد منذ عام 2013 قد نشر الفيديو على فيسبوك عام 2012 لإثبات انتمائه إلى الجيش السوري الحر. ويظهر مقطع الفيديو 5 رجال كان دروبي بينهم، يهاجمون رجلا جريحا مقيدا إلى مقعد، ويداه وقدماه مربوطة. وضُرب الرجل بعصا وسوط، بحسب وثائق المحكمة.

وفي المحاكمة الأولى لدروبي، اعتقدت المحكمة أن الرجل المقيد كان أحد جنود القوات الحكومية، وهو ما يعني أن الضرب يمثل مخالفة لاتفاقات جنيف وبالتالي يصبح جريمة حرب.

6