محاكمة مدنيين أمام القضاء العسكري تثير غضب الحقوقيين في تونس

لا يزال قانون الطوارئ يثير جدلا في تونس منذ اعتماده عقب هجمات إرهابية راح ضحيتها عسكريون ورجال أمن، ومدنيون. ويتصاعد النقاش هذه المرة حول مثول مدنيين أمام المحاكم العسكرية. وتم إيقاف رجال أعمال وموظفين كبار في الدولة خلال الأيام القليلة الماضية في إطار حملة تنفذها الحكومة ضد المتورطين في شبهات فساد.
الجمعة 2017/06/02
موقف قديم جديد

تونس – تفاعل ناشطون حقوقيون في تونس مع أخبار انتشرت في الأيام الأخيرة تفيد ببدء القضاء العسكري تحقيقات مع رجال أعمال تم إيقافهم ضمن حملة شنتها الحكومة التونسية لمحاربة الفساد.

وأعلنت منظمات حقوقية عن موقفها الرافض لمثول مدنيين أمام القضاء العسكري، مبررة وجهة نظرها بكون هذا الإجراء ليس دستوريا وأن ملفات غير العسكريين من اختصاص القضاء المدني.

وقال شرف الدين القليل المحامي والناشط الحقوقي التونسي، في تصريح لـ”العرب”، إن “الموقف الرافض لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري مبدئي وقديم” مذكرا بملفات أخرى جرت في ظروف مماثلة حدثت في السابق.

واستنكر حقوقيون في مناسبات سابقة مثول مدنيين أمام محاكم عسكرية. كما ترفض المنظمات الحقوقية التمديد في حالة الطوارئ بالبلاد تخوفا من حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان.

وأشار القليل إلى أن المعايير والاتفاقيات الدولية تنص على أن القضاء العسكري هو قضاء استثنائي، مضيفا أن “الفصل 110 من دستور الجمهورية الثانية ينص على ذلك”.

ويقر الفصل 110 من دستور 2014 بأن أصناف المحاكم تحدث بقانون. وتمنع أحكام الفصل “إحداث محاكم استثنائية أو سن إجراءات استثنائية من شأنها المساس بمبادئ المحاكمة العادلة”. وينص الفصل على أن “المحاكم العسكرية محاكم مختصة في الجرائم العسكرية”.

وأكد القليل أن “رفض مثول المدنيين أمام المحكمة العسكرية ليس تشكيكا في القضاء العسكري”، بل لأن هذا القضاء متخصص في جرائم الثكنات وغيرها من الجرائم التي يرتكبها العسكريون.

شرف الدين القليل: رفض مثول المدنيين أمام المحاكم العسكرية ليس تشكيكا فيها

ولفت القليل إلى أن هناك البعض من الملفات ترفعها النيابة العمومية للقضاء العسكري. ووصف القليل اعتماد الحكومة التونسية على قانون الطوارئ في إحالة الموقوفين في إطار حملتها ضد الفساد على المحكمة العسكرية بأنه “لا دستوري”، إذ لم يأت نص القانون على ذكر اختصاص

القضاء العسكري في ملفات مشمولة بحالة الطوارئ.

ومددت الرئاسة التونسية، في 16 مايو الماضي، شهرا إضافيا في حالة الطوارئ التي فرضتها منذ نوفمبر 2015 عقب هجوم قتل فيه 12 عنصرا من الأمن الرئاسي وتبناه تنظيم الدولة الإسلامية. وقالت الرئاسة إن التمديد في حالة الطوارئ اقتضاه “تواصل الحرب على الإرهاب”، لكنها أشارت في نفس الوقت إلى أن الوضع الأمني في البلاد “يشهد تحسنا ملحوظا”.

وفرضت الرئاسة بعد الحادثة حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوما، ثم مددت العمل بها مرات عدة لفترات تراوحت بين شهر وثلاثة أشهر.

وقال القليل إن “جريمة الاعتداء على أمن الدولة تشملها أيضا المجلة الجزائية” وليست من اختصاص القضاء العسكري فقط. وتعرف المجلة الجزائية في تونس أفعال الجرائم بمختلف أنواعها وتحدد العقوبات المترتبة عنها.

وأصدر القضاء العسكري التونسي الثلاثاء، مذكرة توقيف بحق مسؤول أمني كبير يشتبه بعلاقته مع رجل الأعمال شفيق جراية الموقوف بتهم “الخيانة” و”الاعتداء على أمن الدولة” و”وضع النفس تحت تصرف جيش أجنبي”.

وتم إصدار بطاقة جلب بحق المدير العام الحالي للأمن السياحي والرئيس السابق للوحدة الأمنية للبحث في جرائم الإرهاب للتحقيق معه.

وتشتبه جهة التحقيق في أن شفيق جراية توسط (في وقت سابق) لصالح موقوفين مشتبه بهم في جرائم إرهابية لدى المسؤول الموقوف عندما كان رئيسا لوحدة البحث في جرائم الإرهاب في منطقة القرجاني.ومدير الأمن السياحي أول مسؤول في الدولة يتم توقيفه للاشتباه في علاقته بشفيق جراية.

مختار بن نصر: تحال القضايا إلى المحاكم المدنية عند عدم اختصاص القضاء العسكري

وأوقفت السلطات التونسية، منذ 23 مايو الماضي، 12 شخصا، أغلبهم رجال أعمال ومهربون بتهم الفساد و”التآمرعلى أمن الدولة”.

وقالت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب إن مقاومة الفساد لا بد أن تكون في نطاق محاكمات عادلة تحترم فيها أحكام الدستور وحقوق الدفاع واتباع الإجراءات الجزائية العادية والمحاكمة أمام المحاكم المدنية مع احترام قرينة البراءة. ورفضت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، منتقدة “الغموض الذي شاب الإجراءات المتعلقة بالوضع تحت الإقامة الجبرية والإيقافات والتجاوزات التي رافقتها”.

وأكدت في بيان الأربعاء، ضرورة شن حرب فعالة على الفساد ضمن خطة شاملة وناجعة وشجاعة في كنف الشفافية واحترام الحق في المعاملة الإنسانية اللائقة والمحاكمة العادلة واحترام القانون.

وذكرت بمواقفها المبدئية والتاريخية من استشراء الفساد والرشوة والمحسوبية وتمكنها من مفاصل الدولة ومؤسساتها، وقالت “إن الفساد عائق حقيقي في مسار البناء الديمقراطي والتنمية العادلة واحترام المؤسسات وحقوق الإنسان”.

وقال مختار بن نصر رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، في تصريح لـ”العرب”، إن إحالة الأشخاص الذين تم إيقافهم في إطار شبهة المس بأمن الدولة الداخلي “يدخل في اختصاص القضاء العسكري” الذي توكل له قضايا معينة بموجب قانون الطوارئ. وتابع بن نصر أن الدستور التونسي أعطى للقضاء العسكري صلاحية النظر في كل قضية فيها عسكري أو رجل أمن.

وأكد على وجود الضمانات القانونية اللازمة في الملفات التي يتعهد بها القضاء العسكري، مشيرا إلى أن قضاة المحاكم العسكرية في حال تبين لهم أن قضية معينة ليست من اختصاصهم يحيلونها مباشرة إلى أنظار القضاء المدني للبت فيها.

وأخضعت وزارة الداخلية الموقوفين للإقامة الجبرية عملا بقانون الطوارئ الساري في البلاد منذ التفجير الإرهابي. كما أعلنت لجنة مصادرة حكومية قرارا بمصادرة أملاك الموقوفين لجنيهم أرباحا طائلة بطرق غير قانونية.

وقالت منظمة مناهضة التعذيب إن إخضاع الموقوفين للإقامة الجبرية عبر استخدام قانون الطوارئ أمر مخالف للدستور ويعطي صلاحيات واسعة للإدارة في مجال الحد من الحقوق والحريات.

وأعربت عن “رفضها محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية مهما كانت التهم المنسوبة إليهم”.

وأكدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان رفضها استعمال قانون عام 1978 المتعلق بحالة الطوارئ الذي اعتبرته “مخالفا لدستور 2014 وتم سنه لقمع الحركة النقابية والزج بقياداتها في السجن”.

وأبدت رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان “خشيتها وخوفها على واقع الحريات العامة والفردية بقدر ارتياحها ودعمها لأي خطوة جريئة وجدية لمؤسسات الدولة والهيئات الدستورية لإيقاف نزيف الفساد ومحاسبة الفاسدين”.

وأكد رضا السعيدي مستشار رئيس الحكومة أن “الإيقافات لها سند قانوني”. مضيفا أن اللجوء إلى قانون الطوارئ يسمح بتفادي إجراءات قضائية “أكثر تعقيدا واستنزافا للوقت”.

وقالت وزارة الداخلية إن قرار الإقامة الجبرية إجراء ذو صبغة تحفظية ومحدد الزمن أملته الضرورة في إطار حماية الأمن العام ومكافحة الفساد، وينتهي بانتهاء حالة الطوارئ.

4