محاكمة مرسي.. مطلوب قائمة بجرائم الإخوان لإعادة بناء مصر

الخميس 2013/11/28
مرسي ومبارك.. التاريخ يعيد نفسه

عرفت مصر في فترة حكم محمد مرسي العديد من التجاوزات التي ارتكبت بقرارات صادرة عن مكتب الإرشاد للتنظيم الذي أصبح يتحكم في مصير البلاد، في ظل تصاعد جدل سياسي سببه عدم توجيه تهم للتجاوزات التي حصلت بموافقة منه.

تثير محاكمة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي جدلا واسعا، زاد من احتدامه عدم نجاح المحاكمة في الإجابة عن أسئلة عديدة ملحة، تتعلق بالاتهامات التي حتمت مثول مرسي أمام المحكمة، وتركت المطالبين بمحاكمته في حيرة من أمرهم، بشأن ما إذا كانت تلك المحاكمة تمثل فعليا خطوة على طريق "عدالة ناجزة"، في ضوء التسريبات التي تحدثت عما اقترفه مرسي، ويصل إلى درجة الخيانة العظمى. أم أنها مجرد مسرحية لإلهاء الرأي العام، بأن هناك جرائم تبرر المحاكمة، ومع مرور الوقت وتوالي جلسات متباعدة للنظر في القضية، يكون وجود مرسي في قفص الاتهام كافيا وشافيا. ومع انحسار موجة المظاهرات المطالبة بعودته، يمكن طي الصفحة، على نفس النحو الذي حدث في محاكمة سلفه في المنصب "المخلوع" حسني مبارك.

رغم تشابه الظروف التي أدت إلى اندلاع ثورتي 25 يناير و30 يونيو إلا أنه توجد اختلافات بينهما، فكما يطالب "أبناء مبارك" والمجموعة التي ترفع شعار "آسفين يا ريس"، ببراءة مبارك، مازالت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها يطالبون بعودة ما يسمونه "الشرعية"، وبإعادة مرسي إلى منصب الرئاسة. ويكمن الفرق بين الحالتين في أن "أبناء مبارك" والمعتذرين له، يقرون على الأقل ضمنيا بأحقية ثورة 25 يناير 2011، لكن الإخوان، ومن والاهم، ينكرون مسؤولية تنظيمهم الأم والرئيس مرسي عن تفجير موجة 30 يونيو الثورية، التي أوقفت تنفيذ المخطط الإخواني قبل أن يكتمل، وإن كانت ملامحه التي اتضحت كافية لتفجيرها.

في ثورة 25 يناير كانت الشعارات "خبز .. حرية .. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية"، وهي جميعا طلبات كانت مفقودة قبل ذلك التاريخ، وعجزت الحكومات المتوالية بعده عن تحقيقها، سواء كان ذلك العجز ناتجا عن صعوبة الإنجاز، أو لأن تلك الحكومات رأت أن ولايتها "انتقالية"، ومن ثم لم تفكر في وضع أسس للتجاوب مع تلك المطالب الثورية الأساسية.


تجاوزات الإخوان


يمكن القول إن سبب تردد المؤسسات الأمنية في الإعلان عن حقيقة ما اقترفه مرسي باسم جماعة الإخوان، كان بسبب قصور الإعلام المصري في طرح الحجج والأدلة، وكذلك نتيجة للقصور في عمل مؤسسة النيابة العامة في إعداد قائمة الاتهام، حيث يعاني كثيرون في مصر من عدم وجود أدلة واضحة ومحددة على مسؤولية حكم الإخوان ومبعوثهم إلى القصر الجمهوري محمد مرسي، ويترتب على ذلك تعاطف – ليس له في الحقيقة ما يبرره – مع قتلى المظاهرات من الإخوان ومؤيديهم، في تجاهل لممارساتهم الاستفزازية، الناتجة عن أوهامهم "الاستشهادية" الانتحارية.

صحيح أن الحكم المؤقت في مصر يتسامح مع خروج مظاهرات الإخوان، في ظروف الطوارئ وحظر التجوال، اعتقادا بأن تلك المظاهرات تتضاءل في حجمها وتخفت في حدتها بشكل تدريجي، ورغم أن ذلك ثبتت صحته، إلا أنه يعطي فرصة للمتحدثين باسم تنظيم الإخوان، للقول إنهم قادرون على الحشد والتظاهر، وخرق حظر التجول ومخالفة مقتضيات الطوارئ، بما لذلك من آثار في أوساط الرأي العام المصري.


جرائم مرسي

محمد مرسي تسلم نص الإعلان الدستوري من مكتب الإرشاد، ويثير ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كان الرئيس المنتخب هو الذي يحكم، أم أن أعضاء مكتب الإرشاد هم الحاكمون


من ثمة فإن هناك ضرورة لإعلان الجرائم الحقيقية التي اقترفها مرسي والإخوان، بعد تكييفها وفق المدونات القانونية السارية في مصر، ويمكن تلخيص تلك الجرائم على النحو التالي:


أولا: جرائم سياسية


1– وجه مرسي خطابه السياسي إلى "أسرته وعشيرته"، والمعني بذلك جماعة الإخوان المسلمين، مستبعدا من حسابه بقية المصريين، بمن في ذلك بقية فصائل تيار الإسلام السياسي من السلفيين، ناهيك عن القوميين والليبراليين والأقباط واليساريين. ومن ثم قسم الشعب المصري، ولم ير نفسه رئيسا لكل المصريين.


2– لم يكتف الإخوان ورئيسهم باعتماد الأدوات الدستورية لممارسة السلطة، وإنما لجأوا إلى أسليب شعبوية غوغائية، فحشدوا أعضاءهم لمحاصرة المحكمة الدستورية، ومنعوا القضاة من الوصول إلى مقار أعمالهم لممارسة عملهم.


3– عندما وصل متظاهرون محتجون على حكم مرسي إلى القصر الجمهوري (مقر الرئاسة)، ورفض الحرس الجمهوري تفريقهم باعتبار أن ذلك مناف لحرية التظاهر، حشد الرئيس ميليشيات حزبه لتعتدي عليهم وتقتل وتصيب العديد منهم.

ثانيا: جرائم دستورية


1– في 22 نوفمبر عام 2012، وبعد أقل من خمسة أشهر على تولي مرسي منصب الرئاسة، وأدائه قسم الحفاظ على الدستور، أصدر إعلانا دستوريا، أوقف به العمل بالدستور، وحصّن قراراته من الطعن فيها أمام القضاء، فأصبح حاكما مطلقا ليس لسلطته حدود.


2– في ضوء حالة تردد الرئيس وعجزه عن اتخاذ قرارت، وتراجعه عن قرارات اتخذها، لم يكن واضحا ما إذا كان الرئيس هو الذي يمسك بمقاليد الحكم، أم أن الذي يحكم هو المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، أومكتب إرشاد الجماعة بشكل جماعي.

في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الرئيس تسلم نص الإعلان الدستوري وقت صلاة الفجر من مكتب الإرشاد، وأصدره في اليوم ذاته. ويثير ذلك تساؤلات دستورية بشأن ما إذا كان الرئيس المتنخب هو الذي يحكم، أم أن المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد هم الحاكمون.


ثالثا: جرائم مؤسساتية


1– عمد حكم الإخوان، تحت رئاسة محمد مرسي، إلى خلق مؤسسات إخوانية لدولة موازية للمؤسسات القائمة، فقد استبعد مسؤولون من جماعة الإخوان السفارات في عواصم أجنبية، وأجروا اتصالات مباشرة مع مسؤولي تلك الدول باسم الرئاسة. ولم يقتصر ذلك على وزارات خارجية تلك العواصم، وإنما حدث مع مؤسسات أمنية فيها أيضا. ونقل وزراء الإخوان أعدادا من أعضاء جماعتهم لتولي مناصب حساسة، في مواقع مثل مدراء مكاتب السجل المدني والشهر العقاري، تولاها أشخاص كانوا مدراء مدارس، لكي يطلعوا على معلومات أساسية مهمة ذات طبيعة خصوصية للمواطنين.


2– رفض الرئيس مرسي على مدى الستة أشهر الأخيرة من حكمه دعوات متكررة من أوساط وطنية عديدة لتعيين حكومة أخرى مؤهلة لمعالجة مشكلات مصر المعقدة، وأصر على الإبقاء على حكومة هشام قنديل العاجزة".


جدل قانوني وسياسي


هل الاتهامات الموجهة إلى مرسي الآن، تفتح آفاقا لتوجيه اتهامات تتعلق بالجرائم المذكورة؟ ليست هناك إجابة واضحة عن هذا السؤال. وهذا أمر يحتاج إلى توضيح عاجل. فالاتهامات التي وجهت إلى حسني مبارك، جعلت المحاكمة تنتهي بتبرئته من معظمها. وما جرى مع مبارك لم يكن "عدالة ناجزة"، وما يجب التأكيد عليه، أن ما يراد ليس انتقاما، وإنما هو إقرار للحق.

وتسود مخاوف من أن يكون ما يجري في حالة مرسي، مجرد مظاهرة سياسية بشكل قانوني. فمن الضروري تنظيف الساحة من الشكوك في المرحلة الانتقالية التي قاربت على الانتهاء.
7