"محاكم التفتيش" تصادر الحريات العامة في لبنان

افتعال المعارك لاخفاء التسويات السياسية وصرف النظر عن الأزمات.
السبت 2019/08/03
حالة الحريات العامة في تقهقر

أثار إلغاء مهرجانات بيبلوس الدولية اللبنانية حفلا لفرقة مشروع ليلى، المشهورة لبنانيا وعربيا وعالميا، جدلا واسعا وغضبا لم تهدئه التبريرات القائلة إن القرار جاء “منعا لإراقة الدماء”. قرار الإلغاء جاء بعد احتجاجات من شخصيات كنسية وسياسية وإعلامية مسيحية اتهموا الفرقة بالتجديف ووصل الأمر حد التهديدات بالقتل، لكنه اعتبر مصادرة “داعشية” مسيّسة واعتداء على إرث لبنان منبر الثقافة والفنون وحرية القول.

بيروت - منذ أن نجح تحالف حزب الله وميشال عون في إيصال الجنرال إلى سدة الرئاسة في إطار ما يسمى بالتسوية الرئاسية التي انخرط فيها رئيس الحكومة سعد الحريري، منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، وحالة الحريات العامة في تقهقر متواصل في لبنان.

الدعاوى والاستدعاءات والتحقيقات والتوقيفات بحق الإعلاميين والناشطين باتت خبرا مألوفا. وبرع جبران باسيل، وزير الخارجية ورئيس التيار العوني (الوطني الحر) في ذلك، فنال قصب السبق في دعاوى الرأي الذي تقدم بها في وجه منتقديه.

وتتفشى حالة القمع والتضييق لتطال التعبير عن الرأي والثقافة والفنون في بلد اعتاد على الإبداع في هذين المجالين، ولم يضق يوما ذرعا بمبدِع أو بمنتَج فني أو ثقافي محلي أو عربي أو عالمي فأقام لهما المهرجانات والحفلات وحفهما بالرعاية والاهتمام.

غير أن تحالفا سلطويا مثقلا بالرجعية من جهة وبجُنون السلطة من جهة ثانية ألقى بثقله على الدولة اللبنانية واحتل مفاصلها وأباح لنفسه أن يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء مستخدما أجهزة الدولة حينا ومختفيا وراء أجهزة الطوائف وقياداتها حينا آخر، في محاولة مستميتة لإخضاع الساحة اللبنانية وتنظيفها من كل معترض أو معارض، ومن كل ما من شأنه أن يضخ بعضا من حيوية ووعي وفكر متفتح في عروق هذا المجتمع الذي يريدون تمزيقه وإحكام السيطرة عليه، بالرغم مما أوصلوه إليه من مآس وأزمات طاولت كل شيء من الخدمات إلى لقمة العيش إلى ضرب القطاعات الاقتصادية إلى البيئة إلى نهب المال العام، وإغراق البلاد بالديون والنفايات وصولا إلى غياب الأمن والأمان.

قمع متجذر

في الشهر الأخير من سنة 2016، أي بعد نحو شهرين من انتخاب الجنرال ميشال عون رئيسا للجمهورية، قرر طلاب الجامعة اللبنانية الفرع الأول-الحدث إقامة حفل وداع في كليتهم لزميل لهم قضى في حادث سير. ولما كان الطالب المتوفي من محبي المطربة فيروز، تضمن حفلهم إذاعة بعض من أغانيها. هنا انتفضت المنظمة الطلابية التابعة لحزب الله “التعبئة الطلابية” ورفضت بث أغاني فيروز في الجامعة، وهذا ما كان. ولم تقم إدارة الجامعة، ولا وزارة التربية والتعليم العالي بأي إجراء أو تتخذ أي قرار يدين هذا المنع الذي قامت به جهة حزبية في جامعة رسمية تابعة للوزارة.

والخميس الماضي، منعت إدارة أحد المطاعم في مدينة النبطية أمسية شعرية بتعلّة مصاحبة “الطبلة” (أداة إيقاع) لهذه الأمسية. في حين أن نفس اللجنة المنظمة أقامت أمسية شعرية في نفس المطعم قبل نحو شهر وبمرافقة الطبلة وسواها من الآلات الموسيقية ولم تعترض إدارة المطعم على ذلك، بل حصل العكس تماما حيث اندمج مدير المطعم نفسه مع الأجواء الموسيقية المرافقة.

واللافت أن ما جرى في مدينة النبطية جاء بعد يومين على إعلان لجنة مهرجانات بيبلوس في جبيل عن إلغاء الحفل الموسيقي لفرقة “مشروع ليلى” بعد سيل من التهديدات بالقتل الذي تعرضت له الفرقة من ناشطين مسيحيين على مواقع التواصل الاجتماعي.

قمع الحريات مضافا إلى رفع مستوى الخطاب التحريضي الطائفي إلى جانب الحملة ضد اللاجئين، يراد منه دفع الساحة اللبنانية إلى مزيد من الانقسام والتوتر

حفل كان موعده في التاسع من أغسطس الجاري ضمن مهرجانات بيبلوس في جبيل، وتم إلغاؤه حفاظا على الأمن و”منعا لإراقة الدماء” كما ورد في بيان اللجنة المنظمة، والذي جاء فيه أيضا أنه “نتيجة التطورات المتتالية، وفي خطوة غير مسبوقة، أجبرت اللجنة على إيقاف حفلة مشروع ليلى مساء الجمعة 9 أغسطس 2019، منعا لإراقة الدماء وحفاظا على الأمن والاستقرار، خلافا لممارسات البعض”.

و”مشروع ليلى” هي فرقة موسيقى “روك بديل” لبنانية مكوّنة من خمسة أعضاء كانت تشكّلت في بيروت عام 2008 أثناء ورشة عمل موسيقية في الجامعة الأميركية في بيروت. أصدرت الفرقة عدة ألبومات وأقامت عددا من الحفلات في لبنان وفي الخارج. وأثارت أغانِيها الكثير من الجدل بسبب كلماتها وطبيعة مواضيعها.

وكانت فرقة “مشروع ليلى” قد تعرّضت لحرب شعواء من قبل منتسبي “الحزب الديمقراطي المسيحي” وغيرهم من الناشطين المسيحيين ومن الكنسية نفسها و”المركز الكاثوليكي للإعلام”، بحجة أن بعض أغاني هذه الفرقة تمس المعتقدات والشعائر الدينية المسيحية.

ولأكثر من أسبوع غزت المنشورات المنددة بهذه الفرقة والتغريدات التي تشتمل على تهديد أعضاء الفرقة واللجنة المنظمة للمهرجان بالقتل، مقرونة بصور تمثل الحروب الصليبية وأدواتها وسائل التواصل الاجتماعي!

وعلى وقع هذه التهديدات استدعت المديرية العامة لأمن الدولة في لبنان، أعضاء الفرقة للتحقيق بناء على إخبار تقدّم به إلى النيابة العامة أحد الناشطين بزعم “إهانة المقدسات” في كلمات أغاني الفرقة وإثارة النعرات الطائفية.

محاكم التفتيش

Thumbnail

أخلت القاضية غادة عون سبيلهم، على أن يلتقوا راعي أبرشية جبيل للموارنة، المطران ميشال عون، الذي التقوه مساء اليوم نفسه. ما أثار استغراب حقوقيين ومتابعين للموضوع، إذ شككوا في قانونية الاستدعاء من أساسه، إضافة إلى أن إخلاء السبيل بعد التحقيق بدا مرتبطا بلقاء أعضاء “مشروع ليلى” مع المطران الذي لا صفة قضائية ولا قانونية له في هذا الملف، سوى كونه من المرجعيات الروحية المسيحية التي طالبت بإلغاء حفلة الفرقة، وساهمت بشكل فاعل في الحملة التحريضية على حرية التعبير.

اللافت في الأمر أكثر، الغياب التام لمكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية التابع للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، وعدم التفاته إلى ذلك السيل من المنشورات التحريضية التي تهدد “بإراقة الدماء”، وهو الجهة التي طالما استدعت إلى التحقيق إعلاميين وناشطين ومغردين على مواقع التواصل بسبب مقال أو منشور أو تغريدة تنتقد أو تتهم بعض المسؤولين، بسبب سلوكهم السياسي أو حول قضايا الفساد وهدر المال العام. واضح أن أجهزة الدولة المسؤولة عن أمن مواطنيها وحماية حقوقهم وحرياتهم قد تخلّت عن دورها لمرجعيات “روحية” فوق القوانين المرعية، تقضي وتحكم وتعطي وتمنع، ما يسقط عن الدولة اللبنانية اعتبارها دولة مدنية بمؤسسات وأجهزة وقوانين تسري على الجميع ويحيلنا إلى عصور “محاكم التفتيش” المشؤومة.

وكانت “المفكرة القانونية”، وهي جمعية حقوقية لبنانية قد عبّرت عن دهشتها لمجريات قضية “مشروع ليلى” وتطوراته، رافضة بالمطلق الخطاب العنفي والتهديدي ضد أعضاء الفرقة واللجنة المنظمة للمهرجان، ومذكّرة بضرورة إعطاء مفهوم “تحقير الشعائر الدينية” تحديدا واضحا يسهم في رفع منسوب التسامح “كي لا يطال سيف اللاتسامح الأعمال الفنية والأدبية، من دون إيلاء أي اعتبار لحرية الإبداع”.

كما طالبت المفكّرة القانونية الدولة بتحمّل مسؤولياتها في “حماية التعددية الفكرية والحريات الشخصية كافة، من دون الانحياز أو التعصّب لهذا المعتقد أو ذاك، ما يقتضي أن يتجسد في عمل النيابات العامة التي سجّلت تحركات ضاغطة ضد من يتهم بتحقير الدين، مقابل التساهل والتسامح والامتناع عن اتخاذ أي موقف إزاء من يهدد باللجوء إلى العنف وتهديد السلم الأهلي برمّته”. كما أكدت المفكّرة القانونية في بيانها على حماية حريتي الإبداع والمعتقد ورفضت الانجرار إلى معارك وهمية، تحجب تردي الأوضاع على كافة الأصعدة من فساد سياسي ومالي وتدمير بيئي ونهب منظم لموارد البلاد.

وفي الثلاثين من يوليو الماضي تقدمت “المفكرة القانونية” إلى جانب عدد من الجمعيات المدنية والحقوقية الأخرى بإخبار إلى النيابة العامة التمييزية تطالبها فيه مباشرة التحقيقات مع أشخاص وجهات سياسية حرّضت علنا على العنف ضد فرقة “مشروع ليلى”. فهل ننتظر؟ لننتظر.

خلاصة القول، إن قمع الحريات، مضافا إلى رفع مستوى الخطاب التحريضي الطائفي والمذهبي، إلى جانب الحملة العنصرية المسعورة ضد اللاجئين السوريين والفلسطينيين، يراد منه دفع الساحة اللبنانية إلى مزيد من الانقسام والتوتر لتتوارى خلف المخاوف كل الأزمات المعيشية والصفقات والتسويات السياسية والتهريبات المالية التي هي في صلب طبيعة هذا النظام والسبب الحقيقي لمعاناة اللبنانيين وتهديد استمراريتهم وبقائهم في أرضهم.

6