أبريل 15, 2018

محاكم تفتيش ضد دولة الاستقلال في تونس

ليس مفهوما اليوم أن يتم الزج بالذاكرة الوطنية والعدالة الانتقالية في لعبة الرهانات السياسية وتصفية حسابات قديمة، بما يسمح بإذكاء حالة الاستقطاب وتعميم نزعات التشفي والانتقام الأعمى.
التاريخ لا يمحى

لم تخرج تونس من دائرة الاستقطاب منذ بدء الانتقال السياسي إلى التعددية الحزبية، فالخصومات الأيديولوجية لم تنته بعد على الرغم من هدنة التوافق السارية في الحكم، لكن الخطورة الكامنة اليوم هي أن تتحول حالة الاستقطاب من السياسة إلى المجامع الأكاديمية.

كلفة هذا التحوّل والإمعان في الاستقطاب هي أن يتم وضع كيان الدولة برمته موضع شك وتقص، وهو منهج يوحي برغبة جامحة لدى محبي الاستقطاب إلى إعمال المعاول في كل ما يرتبط بأسس دولة الاستقلال، بمنتهى الشوفينية أحيانا.

هناك دعوات متزايدة، تختلف من حيث دوافعها، من أجل إعادة كتابة التاريخ الحديث لتونس وتحديدا منذ تأسيس دولة الاستقلال وكل ما ارتبط قبل ذلك بتاريخ الحركة الوطنية التي قارعت نظام الحماية الفرنسية.

لقيت هذه الدعوات صداها لدى أطياف أخرى مستفيدة من الجدل المستمر حول مسار العدالة الانتقالية والعمل المرتبك لهيئة الحقيقة والكرامة، المكلفة بالتقصي في انتهاكات الماضي.

لكن لماذا كل هذا اللهث اليوم لنصب محاكم تفتيش ضد دولة الاستقلال بالذات، وهي التي أسست للدولة الحديثة التي عرفت أولا بابتعادها عن معسكر القومية الناصرية، وبتحرير المجتمع من القبلية وبشكل خاص تحرير المرأة وتعميم التعليم والصحة وتحديد النسل؟

لقد أطلقت الثورة في 2011 الألسن من عقالها وسمحت برفع النقاب عن مراجعات نقدية لدولة الاستقلال وحكم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة منذ العام 1957، وجاءت الكثير من هذه المراجعات من رفقاء الزعيم الراحل نفسه قبل خصومه من اليساريين والإسلاميين، بل إن المراجعات التي أطلقها عدد من اليساريين المعارضين كانت أكثر إنصافا لدولة الاستقلال مما بدر من الإخوة الأعداء (بورقيبيين ويوسفيين) داخل الحزب الواحد الممثل للحركة الوطنية (الدستوري الحر) ومن الخصوم اللاحقين من الإسلاميين.

لماذا كل هذا اللهث اليوم لنصب محاكم تفتيش ضد دولة الاستقلال بالذات، وهي التي أسست للدولة الحديثة التي عرفت أولا بابتعادها عن معسكر القومية الناصرية، وبتحرير المجتمع من القبلية وبشكل خاص تحرير المرأة وتعميم التعليم والصحة وتحديد النسل

تحدث أحمد نجيب الشابي، المعارض السياسي المعروف لحكم بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي، عن أن الزعيم الراحل مثّل دائما شخصية خلافية كونه كان ميالا للحكم الفردي وسياساته المتشددة ضد معارضيه ولكنه قاد في نفس الوقت المسيرة التحررية وبناء الدولة الحديثة وتحرير المرأة، وهو بخصاله المتضاربة في النهاية يشكل اليوم جزءا من الذاكرة المشتركة لكل التونسيين.

إجمالا، لا تذهب تلك المراجعات الموضوعية، من بين ما يعتد به، إلى تأليه بورقيبة كبان لدولة الاستقلال ومحرر المرأة، ولا إلى شيطنة الدكتاتور النيّر الذي حكم تونس في سياق تاريخي محدد في المنطقة العربية، طبع بحكم الزعامات حينا وسيطرة المؤسسة العسكرية على دواليب الحكم في حين آخر.

لكن قطعا هناك الكثير مما يتوجّب التوقف عنده في حكم بورقيبة ودولة الاستقلال الفتية، بدءا من ملابسات الانتقال من نظام الملكية وسلطة العرش إلى الجمهورية ونظام الحكم الرئاسي ليتحول تدريجيا إلى “الحكم الرئاسوي” وحكم الحزب الواحد، والزعامة المطلقة لبورقيبة حتى شيخوخته ومن ثم الانقلاب الأبيض في نوفمبر 1987.

تحتاج المراجع الأكاديمية إلى أن تلعب دورا محوريا في فهم كل ذلك وكشف الملابسات التي حفت بفترة حكم حساسة في تونس إبان الاستقلال، بشكل علمي ومتجرد وعبر الوثائق الرسمية، إذ يتوقف على الدفع بهذا المسار العلمي الجزء الأكبر من نجاح المصالحة الوطنية اليوم.

لكنّ عددا من "مؤرخي" الاستقطاب يعمدون بشكل يتضارب مع بديهيات النقد العلمي إلى وضع دستور الجمهورية الأولى لعام 1959 على محك التجارب الحديثة وإلى معالجة سياقات الخمسينات والستينات من القرن الماضي بسياقات ما بعد الثورة والانتقال الديمقراطي، دون أن يكون هناك وعي (ربما عن قصد) بالظرفية السابقة والمسارات المتعثرة التي حفلت بها أنماط الحكم في الدول حديثة التحرير وحتى الأنظمة الديمقراطية في عدد من دول العالم المتقدم نفسه.

مثلا لم تكن الجمهورية الرابعة ومن بعدها الخامسة في فرنسا، ملهمة ثورات العالم الحديث، بمنأى عن الهزات في الحكم. وقد برر ذلك الانتقال من تجربة النظام البرلماني العقيم إلى النظام نصف الرئاسي، لكن الأخير لم يسلم أيضا من الاضطرابات المدنية والاجتماعية المطالبة بثورة ثقافية شاملة تجسدت في انتفاضة مايو 1968.

في تونس، ليس مفهوما اليوم أن يتم الزج بالذاكرة الوطنية والعدالة الانتقالية في لعبة الرهانات السياسية وتصفية حسابات قديمة، بما يسمح بإذكاء حالة الاستقطاب وتعميم نزعات التشفي والانتقام الأعمى، فنصب المشانق لدولة الاستقلال لا يمكن فهمه إلا برغبة كامنة من خصوم الأمس في اختطاف الدولة وضرب ذاكرة التونسيين.

6