محاولات إخضاع حفتر بالتدخل التركي تفاقم العنف في ليبيا

الجيش الليبي لا يذعن لتسوية سياسية على مقاس الإسلاميين وحلفائهم بالقوة.
الثلاثاء 2020/05/12
قاعدة معيتقية في مرمى نيران الجيش

خلق التدخل العسكري التركي المباشر في ليبيا أجواء عنف غير مسبوقة كان هدفها الأول محاولة ابتزاز الجيش الوطني الليبي ودفعه للخضوع لمعادلة جديدة. لكن الجيش الليبي ورغم دفع أنقرة وحلفائها من الإسلاميين للعب ورقة أحد أهم حلفاء المشير خليفة حفتر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي أطلق مبادرة لحل الأزمة، واجه بدوره التصعيد بالتصعيد معلنا عن رفضه الرضوخ لتسويات سياسية تراهن عليها أطراف دولية وتكون على مقاس الإسلاميين وحكومة الوفاق.

تونس - قاد التدخل التركي المباشر في ليبيا إلى تصعيد غير مسبوق للعنف والفوضى في خطوة تكشف فشل رهان عدة أطراف دولية وفي مقدمتها بريطانيا ووزارة الخارجية الأميركية على إخضاع قائد الجيش المشير خليفة حفتر لتسوية سياسية على مقاس الإسلاميين وحلفائهم بالقوة، بدل الدخول في محادثات جدية تؤسس لليبيا الموحدة وتنهي هيمنة تحالف مصراتة والإسلاميين على السلطة والثروة في البلاد.

وفي الوقت الذي كانت فيه بعض القوى الكبرى تنتظر خضوع الجيش مستعينة بأحد أهم حلفائه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي أطلق مؤخرا مبادرة للحل، أعلن القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر تولي السلطة في البلاد بعد تفويض عدد من القبائل وهو ما عكس محاولة لقطع الطريق على أي ابتزاز يمكن أن يمارسه الإسلاميون انطلاقا من المكاسب العسكرية التي حققوها مؤخرا بفضل الدعم العسكري التركي.

الرد على التصعيد التركي

 وافق الجيش الوطني الليبي نهاية أبريل الماضي على هدنة إنسانية استجابة لدعوات دولية، إلا أن استمرار استهداف الطيران التركي المسير لمواقعه في ترهونة وإمدادته في الطريق الرابط بين المدينة وبني وليد والهجوم المتكرر على قاعدة الوطية أثبتا عدم جدية الإسلاميين وتركيا للحوار في الوقت الراهن وعززا التكهنات بأنهم لن يدخلوا في أي مفاوضات قبل استعادة السيطرة على كامل المنطقة الغربية والجنوب.

وحققت حكومة الوفاق الشهر الماضي تقدما عسكريا غرب ليبيا حيث تمكنت من انتزاع مدينتي صبراتة وصرمان وعدد من مدن الشريط الساحلي التي سيطر عليها الجيش لأقل من أسبوعين في عملية جاءت ردا على هجوم الميليشيات على قاعدة الوطية مطلع أبريل الماضي.

وجرى التأسيس لتلك التقدمات خلال هدنة فرضها اتفاق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في في مطلع يناير الماضي، استغلتها حكومة الوفاق لترتيب أوضاعها العسكرية لتشرع بالتعاون مع تركيا في تركيب أجهزة تشويش وتثبيت نظام دفاع جوي ساهم في شلل شبه كلي لحركة سلاح الجو التابع للجيش.

وكانت سيطرة الجيش على المجال الجوي إحدى أبرز نقاط تفوقه في المعركة حيث يستهدف بشكل فوري أية شحنة من الأسلحة التركية تنزل في أحد المطارات التي تستخدمها حكومة الوفاق من أبرزها مطار معيتيقة ومطار مصراتة ومطار زوارة.

إعلان حفتر تولي السلطة يقطع الطريق أمام أي ابتزاز يمكن أن يمارسه الإسلاميون انطلاقا من مكاسب عسكرية بدعم تركي

وتعد روسيا أحد أبرز داعمي الجيش الليبي لذلك سعى أردوغان للتوصل إلى تسوية مع بوتين بشأن ليبيا حيث أرسل نهاية ديسمبر الماضي وفدا إلى موسكو كانت أولوياته إقناع الروس بوقف إطلاق النار في كل من إدلب السورية وطرابلس وهو ما حدث فعلا عندما حاول الطرفان في يناير الماضي إخضاع حفتر للتسوية وإجباره على توقيع اتفاق لا يراعي مصلحة الجيش.

كان أردوغان والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة وبوتين من جهة أخرى يراهنون على استسلام حفتر لكن رفض التوقيع وفاجأهم وفاجأ كل من كانوا يراهنون على تسوية تضمن هيمنة الإسلاميين على السلطة، في استنساخ لاتفاق الصخيرات الذي أعادهم إلى الحكم بعدما خسروا الانتخابات التشريعية في 2014 وانقلبوا على نتائجها بقوة السلاح تحت ما يعرف آنذاك بعملية فجر ليبيا.

وتذهب بعض القراءات إلى أن رفض حفتر التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في موسكو برعاية تركية روسية أغضب روسيا التي أرسلت عقب ذلك برسائل تشير إلى برود العلاقات من بينها رفض الخارجية لعملية “إيريني” لمراقبة تنفيذ قرار مجلس الأمن بإيقاف توريد الأسلحة إلى ليبيا والتي تعد تركيا وحكومة الوفاق أبرز المستهدفين بها باعتبارها ستنهي تدفق الأسلحة التركية إلى الميليشيات في طرابلس ومصراتة.

ومنذ رفض حفتر التوقيع على الاتفاق زادت حدة التدخل العسكري التركي في ليبيا حيث تشير تقارير إلى إرسال أردوغان نحو سبعة آلاف مقاتل سوري من بينهم عناصر من تنظيم داعش وجبهة النصرة للقتال إلى جانب الميليشيات في طرابلس وسط صمت أميركي وبريطاني فسّر على أنه دعم لتحقيق توازن عسكري.

وفي الأثناء أوقفت الخارجية الأميركية اتهاماتها لروسيا بالانخراط في الصراع عن طريق دعم الجيش بمقاتلي فاغنر، قبل أن تعود مجددا لإطلاق تلك الاتهامات ما يشير إلى فرضيتين إما عودة العلاقات إلى طبيعتها بين الجيش وروسيا، أو الفرضية الثانية، وهي الأقوى والمتمثلة في وجود انقسام داخل الموقف الروسي نفسه حيث يبدو أن الخارجية تتفق مع رؤية تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا، في حين يبدو أن لوزارة الدفاع موقف آخر مختلف.

استفزازات الوفاق

Thumbnail

دفعت استفزازات حكومة الوفاق المستمرة الجيش لإطلاق عملية “طيور الأبابيل” والتي رافقها ارتفاع حدة الاشتباكات جنوب طرابلس، وهو ما فسر بتلقي الجيش لدعم من حلفائه خاصة روسيا وفرنسا اللتان لن تقفا مكتوفتي الأيدي أمام محاولات تركيا والإسلاميين استثمار تراجع الجيش لتوسيع مناطق سيطرتهم لتشمل كامل المنطقة الغربية والجنوب.

وكثف الجيش مؤخرا القصف المدفعي لقاعدة معيتيقة العسكرية وركز ضرباته الجوية على مخازن السلاح والذخيرة ومراكز القيادة لقوات حكومة الوفاق.

ولا يستبعد مراقبون أن تكون تلك الضربات تمهيدية لهجوم موسع على الميليشيات بعد إضعاف مراكز الدعم اللوجستي ومراكز الاتصال والقيادة التابعة لها.

وكان هناك اعتقاد في بعض الأوساط بأنه بمجرد أن تنشئ تركيا توازنا للقوى على الأرض، سيضطر حفتر وحلفاؤه للتفاوض لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا النهج سيأتي بتكلفة باهظة نظرا لأن التصعيد لم يقابله سوى المزيد من التصعيد.

وعقب سيطرة ميليشيات حكومة الوفاق على صبراتة وصرمان ومدن الشريط الساحلي بيوم جرى اتصال بين وزير خارجية حكومة الوفاق محمد سيالة ووزير الدولة البريطاني لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط جيمس كلافرلي الذي أكد دعم بلاده لوقف دائم لإطلاق النار، وهو ما بدا تمهيدا للأمر.

وبعد ذلك بأيام أطلق عقيلة صالح الذي يمتلك علاقات قوية مع الخارجية الروسية مبادرة سياسية عرضها على العديد من قبائل المنطقة الشرقية التي يشارك أبناؤها في القتال ضمن قوات الجيش، وهي المبادرة التي تتضارب مع إعلان حفتر توليه الحكم بعد تفويض القبائل.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، فيديو لعقيلة صالح خلال لقائه مشايخ قبيلة “العبيدات” بمدينة القبة، شرقي البلاد، يحذر فيه من انهيار الوضع العسكري في المنطقة الغربية.

وقال صالح، نقلا عن تقرير روسي يقيّم الحالة، إن “الوضع صعب، والأسابيع المقبلة ستنقل الحرب إلى مرحلة جديدة”. وأضاف أن التقرير أشار إلى تعرض إمدادات قوات حفتر المتجهة إلى ترهونة للقصف، وأن الوضع على شفير الهاوية.

7