محاولات طمس هوية المسلمين أججت العنف في جنوب تايلاند

الثلاثاء 2014/10/28
مسلمو تايلاند يحرصون على تعريف أبنائهم بتاريخهم ودينهم وخصوصياتهم الثقافية

سايبوري(تايلاند) - يعدّ احترام الخصوصيات التي تحدّد هوية هذه الجماعة أو تلك من بين أهم السبل الداعمة للسلام والتعايش المشترك عموما. هذا الاحترام الذي يسهم غيابه بالمقابل في إذكاء نعرات التطرّف والعنف، يبدو أنّ فوائدة وانعكاساته الإيجابية غابت عن حسابات حكومات بانكوك المتعاقبة التي رفضت احترام هوية قطاع واسع من مسلمي البلاد، وسعت إلى طمس لغتهم وتاريخهم، مما أنتج حالة من المقاومة اتخذت أحيانا من العنف وسيلة لحماية نفسها.

في مدرسة ساي بوري التايلندية، تصدح أصوات جوقة فتيات يرتدين الحجاب الأبيض بأناشيد تعيد إحياء لغة استؤصلت من الحياة العامة في هذه المنطقة، بأقصى جنوب تايلاند الّتي تشهد حركة تمرد إسلامية مطالبة بالاستقلال.

فمنذ ضمِّ هذه المنطقة الحدودية مع ماليزيا قبل أكثر من قرن، بذلت بانكوك قصارى جهدها لفرض الثقافة الوطنية للبلاد المأهولة بغالبية بوذية عليها، إلاّ أنّ تلك الممارسات التعسّفيّة التي ترمي إلى طمس حضارة ضاربة في القدم، ولّدت مشاعر ضغينة غذّت الدعم لحركة تمرد خلّفت أكثر من 6100 قتيل منذ العام 2004 وإلى حدود الآن، مُعظمُهم من المدنيين.

ومن بين الضحايا الذين تمّ استهدافهم، سقط في الغالب مدرسون مرسلون من قبل بانكوك، يُعتبرون في نظر المتمردين بمثابة “مستوطنين”، يسعون إلى طمس هويتهم، وذلك رغم المواكبة العسكرية المفترض أن تؤمّن حمايتهم.

وفي سياق متّصل، تعتبر اللغة الجاوية التقليدية في شبه الجزيرة الماليزية، والتي تكتب بالأحرف العربية ويستخدمها كبار السنّ في الغالب غير رسمية لدى سلطات بانكوك، إلّا أنّها تُدرّس إلى الشباب في مدارس إسلامية خاصّة في مناطق باتاني ويالا وناراثيوات، لكنّها بالمقابل غائبة في البرامج التعليمية التي تقدّمها المدارس العامة، حتى أنّ القرى التي كانت أسماؤها تكتب باللغة الجاوية تمّ تغييرها وخُطّت بلغة التاي.

هذه النزعات التي يراها البعض “عنصرية تجاه أقلية بعينها لطالما حاولت التعايش مع أبناء وطنها في كنف التسامح والسلام”، أججت نعرات رافضة برزت على إثرها مظاهر مقاومة تعددت أشكالها وبلغت حدّ اعتماد العنف منهجا وأسلوبا. وفي هذا السياق، قال المؤرخ إسماعيل إسحق بنجسميث، عند انتهائه من حصة لتدريس اللغة الجاوية في “تاديكا”، الاسم الذي يطلق على المدارس الدينية في ساي بوري: “علينا أن نحافظ على الطابع الفريد لثقافتنا وألاّ نسمح لهم بأن يطمسوه”، مشدّدا على “أنّ هذه المسألة يمكن أن تظهر كمشكلة طفيفة وسهلة المعالجة، لكنها على العكس من ذلك خطيرة في جلّ أبعادها نظرا لأنها يمكن أن تغذي العنف وتبرره، لأنّ الحكومة بسعيها الدائم إلى تغيير تاريخنا وطمس هويتنا، فإنما هي بذلك تشجع على العنف وتفتح مجالا شاسعا أمام دعاة التطرف والتشدد الذين يجدون فضاء رحبا أمامهم إذا ما غابت قيم التسامح والتعايش واحترام خصوصيات الآخر المختلف”.

كم أضاف “أنّ حكومة بانكوك مطالبة أكثر من أي وقت مضى، وبأقصى سرعة ممكنة أن تحدّ من هذه الممارسات التي أسهمت في تصاعد الغضب”.

6100 قتيل، معظمهم من المدنيين، سقطوا نتيجة العنف بين الحكومة والمتمردين الإسلاميين

من جهة أخرى، يقوم المؤرخ بنجسميت بحملة من أجل كتابة أسماء المدن والقرى على اللافتات باللغة الجاوية، وقد تمكّنت منظمته غير الحكومية المحلية التي تحمل اسم “بوستا” إلى حدّ من إعادة إدخال اللوحات الثنائية (التي يكتب عليها اسم البلدة باللغتين الجاوية والتاي) إلى عشر بلدات. وهو نصر صغير رمزي بالنسبة لاسماعيل ومنظمته.

وكان مسؤول المنطقة تاوي سودسونغ قد صادق على هذا الإجراء الذي كان يفترض أن يوسع ليشمل ألفي بلدة. غير أنّ الأخير أطيح به على غرار العديد من المسؤولين المحليين على اثر الانقلاب العسكري الذي حصل في 22 مايو الماضي في بانكوك.

وفيما كان أولاد بلدة ساي بوري يخرجون من المدرسة عدوًا، عبّر اسماعيل عن قلقه من اختفاء اللغة الجاوية. وقال منتقدا ممارسات الحكومة: “إنّ أجدادنا يتحدثون إلينا عن تاريخنا، لكن الحكومة تريد أن تروي لنا تاريخا آخر”.

وأضاف “أنّ ذلك يمر خصوصا عبر التركيز على الانتماء إلى الأمة وإلى الديانة البوذية وملك تايلاند، وهي كلمات غالبا ما تكون جوفاء خالية من أي مضمون في هذه السلطنة السابقة التي تمّ ضمها بالقوة إلى مملكة تايلاند، ونحن نعتبر أنّ ذلك يعدّ نوعا من الاستعمار”.

يذكر أنّ الماريشال بلايك فيبونسوغخرام، رئيس وزراء تايلاند في أواخر ثلاثينات القرن الماضي ثم مجدّدا في الأربعينات، جعل تدريس لغة التاي إلزاميا في المدارس، وأرسل أفواجا من المدرسين والموظفين البوذيين إلى أقصى الجنوب على حساب المسلمين السكان المحليين.

وفي ستينات القرن الماضي ذهب الجنرال ساريت ثانارات أبعد من ذلك، إذ وضع جميع المدارس الإسلامية ضمن منهاج التربية الوطنية ساحقا أيّة مقاومة رفضت قراره ذاك وقتئذ.وقد بقي هذا التعامل “العنصري” حيا في ذاكرة ووجدان كل مسلم يقطن في تلك المنطقة. وفي هذا الصدد قال عبدالله بن عبدالرحمن (54 عاما)، وهو رجل أعمال محلي معروف بمساهمته ودعمه لمشروع إعادة إدخال اللغة الجاوية: “إن كنتم تملكون شيئا ما خاصا بكم وأخذه منكم أحدهم، فإنّ سعيكم إلى استرجاعه واستعادته يعدّ أمرا طبيعيا”.

من جهته، يؤكد رئيس الفريق العسكري الحاكم في تايلاند، برايوت شاناوشا، أنه يريد “إعادة إطلاق عملية سلام تكفل مجالا شاسعا من التعايش بين أبناء الوطن الواحد”، وسط أجواء من الريبة الكبيرة، حسب مراقبين.رغم أنّخطابه الأسبوعي إلى الأمّة، مساء كل يوم جمعة، أصبحت ترافقه ترجمة بالجاوية.

وفي هذا الصدد يعتبر رجل الأعمال عبدالله بن عبدالرحمن “أنّ استئناف المفاوضات لا يمكن أن يتم دون أن تقوم حكومة بانكوك بتليين سياستها واحترامها لخصوصيات الأقليات العرقية والدينية وعدم السعي إلى طمس هوياتهم”، مشيرا إلى “أنّهم بدورهم مستعدون للتغيير وجاهزون للسلام والتعايش مع الجميع”.

13