محاولات نسوية عربية لاختراق الفضاء الذكوري

الأربعاء 2013/09/04
أمال القرامي اعتنت بالهم والحراك النسوي الإسلامي

يطرح كتاب "النسوية الإسلامية"جملة من القضايا المتعلقة بما يسميه بالنسوية الإسلامية. وهو ما يجعلنا نرى أن الإشكالية في العلاقة بين السياسي والأدبي – الثقافي تنبع من تداخل الحقلين، إن لم تكن من هيمنة السياسي على الأدبي ومحاولة إلحاق الأدبي- الثقافي به والتأثير فيه من خارج حقله الخاص، كما تجلى ذلك في المفاهيم والنظريات التي رافقت مراحل التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية.

خلال التحوّلات التي شهدتها الشعوب، استخدم الأدب والثقافة وسيلة لتكريس القيم والمفاهيم والرؤى الجديدة، وهو ما ظهر واضحا في مصطلح الواقعية الاشتراكية إبان مرحلة المد الشيوعي في روسيا ودول شرق أوروبا الاشتراكية، أو مصطلح الأدب القومي في مرحلة صعود الفكر القومي والأحزاب القومية في الوطن العربي، ثم تلا ذلك مفهوم الأدب الإسلامي بعد الإخفاقات الكبرى التي واجهها المشروع القومي عربيا، وصعود قوى الإسلام السياسي، التي انعكس تأثيرها على مجالات الفكر والاجتماع والاقتصاد بهدف تقديم رؤية خاصة تلح على خصوصية العمل والفكر الإسلاميين.

كتاب "النسوية االإسلامية : الجهاد من أجل العدالة" محاولة جديدة تعنى بالهم والحراك النسوي الإسلامي، فهي تحدد مرجعيتها ومجال اشتغالها بعيدا عن مفاهيم الحركة النسوية الغربية، أو نسوية العالم الثالث، ما يعني الإلحاح على الخصوصية في الخطاب والتوجهات والفكر.

المصطلحات السابقة زالت بزوال القوى السياسية وأيديولوجياتها التي أنتجت تلك المفاهيم، فهل تنجو النسوية الإسلامية من آنية اللحظة التاريخية والسياسية التي أنتجتها، لاسيما أن هناك تداخلا اجتماعيا وثقافيا في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية بين ثقافات دينية وإثنية وفكرية وسياسية عابرة للإسلام؟!

الفضاء الذكوري

الأكاديمية التونسية آمال قرامي تذهب في دراستها الاستقصائية نحو مجال خاص ظل وقفا على الرجال زمنا طويلا هو مجال المعرفة الدينية التي استطاعت النساء المسلمات، من وجهة نظرها، أن تخترق أسوارها.

تجمل الباحثة المواقف المختلفة من دور المرأة المسلمة في موقفين إثنين، يعترف الموقف الأول بوجود دور للمرأة العالمة منذ بداية الدعوة المحمدية، بينما الموقف ثاني يشير إلى محدودية هذا الدور في التاريخ الإسلامي، ثم تستكشف في محاور بحثها دور النساء المسلمات في مجالات النشاط الدعوي والاجتهاد الديني الذي شهد تطورا ملحوظا في العقد الأخير من القرن الماضي، ترافق مع صعود قوى الإسلام السياسي، لكن الملفت في فكر ومواقف تلك الحركات الدعوية، هو مناهضتها القوية للأطروحات والمكاسب التي حققتها المرأة العربية، انطلاقا من الخصوصية الإسلامية، التي تتعارض مع قيم الغرب وفكره، من خلال التأكيد على وظيفة المرأة في خدمة الزوج والأسرة ومنع السفور والاختلاط، بل إن بعض تلك الحركات ذهب في دعواته إلى الترويج للفكر الجهادي.

جانب آخر من التحولات النسوية تعرض لها تتمثل في انتقال الدعويات إلى ممارسة الفتوى في أمور النساء لاسيما بعد دخول المرأة إلى ميدان الميديا وإن كان هذا الدخول مازال محدودا، ويواجه بالرفض والتشكيك من كثير من رجال الدين الذكور.

الأكاديمية التونسية أميمة أبو بكر تتقصى قراءات النسويات المسلمات في خطاب الرجل وتمثلاته الثقافية التي عكست أوضاعا اجتماعية، تقوم على التراتب بين الرجال والنساء، حيث تستخدم الأدوات التحليلية النسوية للتأكيد على أن سلوك الرجال منذ مجتمع النبوة كان نتاجا طبيعيا لزمنهم، لكن الباحثة تشير إلى أن الدافع وراء استخدام المنظور النسوي في دراسة التاريخ الأول للدعوة ليس بهدف التشهير بمجتمع النبوة ولكن لوضع هذا التاريخ في سياقه التاريخي والزمني وهو ما حصل في دراسة تاريخ الأبوية في كافة المجتمعات الإنسانية.

من هنا جاء اهتمام الحركة النسوية البحثي والمنهجي بالتفاوت الحاصل بين الجنسين والذي يعتبر نتاجا لصيرورة تاريخية ترصد من خلالها كيفية تأسيس أنماط لكل من شخصية الرجل والمرأة في التصورات الثقافية بدلا من إعادة إنتاج عنصرية عكسية تجاه الرجل على غرار ما حدث مع المرأة.

في بداية بحثها تشير من خلال قراءتها للنص القرآني ولشروحات المفسرين الأوائل له أن هذا النص موجه ضد الأبوية سواء فيما يتعلق بمحاولة شخصنة الذات الإلهية أو في هيمنة الذكر التامة على النساء وتقدم العديد من الآيات التي تنهي وتأمر في الأحكام الأساسية التي تتعلق برعاية المرأة وكفالة حقوقها وفي تحقيق العدل والمساواة.

وتخلص في النهاية إلى أن الخطاب القرآني أحدث انقلابا في تقديمه لصورة جديدة لهوية الرجل الأسرية في الإسلام ما شكل إعادة لتشكيل مفاهيم الرجولة من العنف والاستبداد والاستقواء والاستعلاء على المرأة.

رؤية نقدية

تخطيط بريشة ساي سرحان

الباحثة اللبنانية في الفكر الإسلامي ريتا فرج تقدم رؤية نقدية مقارنة لوضع المرأة في الإسلام الحركي بعد أن اتخذ دور المرأة فيه مسارا واضحا رغم بطئه على المستويين الدعوي والجهادي، على الرغم من سطوة المفاهيم الذكورية على القرار في تلك الحركات.

الدلالة الأولى التي تلحظها في ظاهرة الانتحاريات أو الاستشهاديات هي أن هذه العمليات جعلت جسد المرأة يوازي جسد الرجل في محاربة الأعداء، كما برز ذلك في المشهد العراقي بعد الغزو الأميركي للعراق. الدلالة أخرى التي يحملها دخول المرأة في معترك الإسلام السياسي تتمثل في أن الإسلام السياسي وبعد تجديد فقهه الأصولي في ضوء إدراكه لمتغيرات الواقع أتاح للمرأة المسلمة فرصة المشاركة في هذه الحركات وتقدم أمثلة على ذلك ما حدث داخل حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين وحركة الأخوان المسلمين في مصر.

الباحثة تقدم قراءتها في تحولات هذا المشهد من خلال منهجية علمية ثلاثية الأبعاد بصرية سمعية نظرية كما صاغها البحث الانثربولوجي ليفي شتراوس.

القراءة الأولى تتناول وضع المرأة بين الشريعة وفقه الحركات الإسلامية والتي كشفت عن تعدد التوجهات الفقهية التي تناولت إشكالية الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام، فحركة الأخوان المسلمين مثلا لم تقدم في تاريخها أفكارا تنويرية تضفي أبعادا تقدمية على المهام المنوطة بالمرأة، الأمر الذي أدى إلى تحجيم دورها داخل هذه الحركة. كذلك تناقش المسوغات الدينية والفقهية التي استندت إليها حركة حماس في إعطاء المرأة حيزا أوسع في المشاركة السياسية والجهادية ينبع من الوضع الخاص للقضية الفلسطينية الذي فرض نفسه في هذا المجال.

وتحاول ريتا فرج أن تكشف الدلالات الأساسية لاختلاف الفقهاء حول الحقوق السياسية للمرأة تتعلق أولا بالسياق التاريخي الذي تحكم بتلك الآراء، وثانيا بتعدد الاتجاهات القائلة بعدم جواز المرأة لإدارة الشأن العام. وتعود المعضلة الكبرى التي تواجهها المرأة إلى جمود الواقع العربي والإسلامي والحضور الكثيف للدين في المجالين العام والخاص والعمل على توظيفه في سياقه الحرفي دون الأخذ بعين الاعتبار العلاقة الجدلية بين الفقه والواقع والتحولات التي تفرضها الحداثة.

النسوية الخليجية

تسعى فوزية منيع الخليوي لتقديم رصد صحفي لحراك المرأة السعودية وردود فعل الإسلاميين عليه وذلك من خلال دراسة إحصائية لتوجهات الوسائل الإعلامية وحصرها للمواضيع الخاصة بالمرأة التي تطرحها، ثم تناقش بعض الفتاوى التي تجيز عمل المرأة كفتوى الفقيه الدكتور محمد النجيمي وما طرح من آراء حول قيادة المرأة السعودية للسيارة، إضافة إلى مشاركة المرأة في الانتخابات البلدية.

وفي سياق ثان تتناول موضوع المناهج الدينية في ضوء دعوة الباحث الفقهي موسى آل عبد العزيز إلى تقليل عدد المناهج الدينية في السعودية وتعديل محتوى ما يتم تدريسه من الفقه. كذلك تعرض لمواقف رجال الفقه المختلفة من موضوع الاختلاط في المدرسة والعمل وإتاحة وجود الأندية الرياضية النسائية.

لكن اللافت هو إجازة عضو هيئة كبار العلماء عبدالله المنيع لدخول المرأة كعضوة في هيئة كبار العلماء والمشاركة في الإفتاء في حين أن رأي جمهور الفقهاء من تولي المرأة للقضاء كان الرفض.

ولا يختلف الأمر في قضايا كثيرة أخرى مثل حق المرأة في الطلاق وزواج الصغيرات والقوامة على المرأة، حيث يظهر التباين في المواقف بين رجال الإفتاء والجيل الجديد من النساء الكاتبات والصحفيات. وعلى خلاف النسوية الإسلامية فإن الحركة النسائية في الإمارات تتخذ طابع التجمعات، كما تؤكد الدكتورة سعاد العريمي في دراستها التي تستهلها بتقديم عرض لتاريخ التحزبات السياسية في المجتمعات الخليجية، إلى جانب التعريف بالحركات الإسلامية في مجتمع الإمارات، وصولا إلى دراسة النسوية كرؤية إسلامية والنسوية كمرجعية تاريخية تمهيدا لتناول تاريخ النسوية الإسلامية في هذا المجتمع في أواخر السبعينيات بوصفها امتدادا للحركات الإسلامية العربية، خاصة وأنها نشأت من خلال نساء الإخوان الوافدات من سوريا أثناء المواجهات بين النظام وتنظيم الإخوان.

الباحثة المصرية أميمة عبد اللطيف تقدم قراءة واسعة في تجارب الحركيات الإسلاميات في مصر والأردن ولبنان تبين فيها دلالات هذا الدور المتنامي في العقد الأخير كنموذج جديد للفاعلية السياسية للمرأة في الإطار الإسلامي، وإظهاره لفشل الحركات النسائية العلمانية في استقطاب النساء خارج إطار الطبقة المدنية إضافة إلى إدراك هؤلاء النسويات المسلمات لأهمية أدوراهن لاسيما على صعيد الأجندة السياسية والاجتماعية الخاصة بهن.

لكن تلك الحركات كما تراها تعاني من معوقات تحول دون تطور هذا التنظيم بسبب غياب الإطار التنظيمي له في مصر على خلاف الحركة النسوية في جبهة العمل الإسلامي الأردنية ممثلة باللجنة النسائية المركزية، بينما تتمتع نساء المقاومة الإسلامية في حزب الله اللبناني بهامش أوسع نتيجة الاستقلال المؤسسي للحركة عن الحزب حيث تنضوي النساء تحت ما يسمى بالهيئات النسائية التي تتوزع على خمسة فروع في محافظات لبنان، وقد انخرطت النساء في أغلب أنشطة الحزب وكانت مهمتهن الأساسية خلق مجتمع متوافق مع أطروحات حزب الله وتوجهاته السياسية والمذهبية.

15