محاولات يائسة لوقف نزيف الليرة التركية قبل الانتخابات

الحكومة المقبلة ستواجه مهمة أصعب لإعادة الاقتصاد مجددا إلى مساره بعد أن تتسبب الإجراءات الشعبوية في المزيد في التدهور بتوازنات السوق الكلي.
الاثنين 2018/05/14
هبوط الليرة واتساع عجز الحساب الجاري

يمكن لأي شخص، حتى من لا يعرف شيئا عن ديناميكيات الاقتصاد التركي، أن يدرك بسهولة وجود خلل كبير بمجرد النظر إلى الرسم البياني لليرة وأسعار الفائدة.

وخفضت وكالة ستاندرد أند بورز للتصنيف الائتماني الأسبوع الماضي تصنيف ديون تركيا السيادية إلى مستوى أقل ضمن فئة الديون عالية المخاطر، وعزت ذلك إلى ارتفاع التضخم وهبوط الليرة واتساع عجز الحساب الجاري.

وحذرت من المخاطر المحدقة بالاقتصاد بسبب التضخم وسياسات ضريبية ونقدية ومالية فضفاضة أخرى للتوسع الائتماني.

وقالت الوكالة بصراحة إن حالة الطوارئ التي يجري تمديدها بشكل مستمر، منذ الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، تسمح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحكم البلاد بقبضة صارمة، وهو ما يزيد المخاوف بشأن سيادة القانون.

وأصبح تصنيف تركيا أقل بدرجتين من درجة “الاستثمار” بعد أن كانت وجهة مفضلة للمستثمرين، وتمكنت بشق الأنفس، من الحصول على تصنيف استثماري بعد انهيار اقتصادي في عام 2001.

ولم يكن تراجع التصنيف الائتماني هو الخبر السيء الوحيد خلال الأيام القليلة الماضية. فقد أصدر صندوق النقد الدولي مراجعته للاقتصاد قبل صدور التصنيف بيوم واحد. وفي ظل مخاوف مشابهة لمخاوف ستاندرد أند بورز، حث الصندوق أنقرة على اتخاذ خطوات عاجلة في ما يخص الميزانية والسياسة النقدية.

كما حثها على عكس الصورة المتدهورة عن السياسة المالية، لأن الفائض الأساسي في الميزانية تحول إلى عجز أساسي، وهو ما يقضي على منطقة عازلة مهمة تفصل الاقتصاد عن الأوقات الصعبة.

وتستعد تركيا لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة في 24 يونيو المقبل. ولا يخفى على أحد السبب الرئيسي الذي دفع أردوغان إلى الدعوة لانتخابات مبكرة قبل أكثر من عام على موعدها الأصلي، وهو التدهور السريع في الاقتصاد الذي سيضر بشكل مباشر بقاعدة الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

ومن المثير للاهتمام سماع نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك، وهو اقتصادي ووزير مالية سابق يقول إن “توقيت تخفيض ستاندرد أند بورز لتصنيف تركيا الائتماني يثير الريبة. أي أنه يهدف إلى إضعاف حكومة حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات المبكرة.

وأشار شيمشك إلى أن العجز التجاري الحالي مستقر، وأن قرار البنك المركزي برفع الفائدة 0.75 نقطة مئوية ساهم في السيطرة على التضخم.

وجاء قرار البنك المركزي برفع سعر الفائدة بنصف نقطة مئوية متأخرا بدرجة أكثر من اللازم، يتعذر معها إحداث تأثير في ديناميكيات التضخم المتدهور.

وبينما توجه ستاندرد أند بورز وصندوق النقد انتقادات كبيرة وصريحة لأسلوب إدارة الاقتصاد التركي، فإن الحكومة التركية منشغلة بالإعلان عن “حزمة اقتصادية” جديدة، وتحظى بشعبية جارفة للفوز في الانتخابات المقبلة.

ومع غض الطرف عن المشكلات الاقتصادية المتفاقمة، أعلنت الحكومة عن إجراءات ستكلف الميزانية ما يصل إلى 8 مليارات دولار أخرى، ليصل العجز في الميزانية العام الجاري إلى نحو 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 1.5 بالمئة في العام الماضي.

ولن تشمل الحزمة رفعا للمعاشات وحسب، بل دفعة جديدة من إعفاءات الضرائب وأخرى تتعلق بمناطق البناء.

مثل هذا الدعم المالي الذي يفتقر إلى هدف اقتصادي راسخ سيضيف بلا شك المزيد من الضغوط على التضخم والليرة والحسابات المالية، وأيضا أسعار الفائدة وفي النهاية تصنيفات تركيا المستقبلية.

وعندما أعلنت الحكومة الشهر الماضي عن إجراء انتخابات مبكرة، كان التأثير الأولي على الاقتصاد إيجابيا، استنادا إلى توقعات بأن الانتخابات المبكرة ستقضي على انعدام اليقين والضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد.

وفي بادئ الأمر، كانت التوقعات تشير إلى أن حزب العدالة والتنمية سيفوز بالانتخابات، ثم سيطبق إصلاحات اقتصادية تأخرت كثيرا. لكن سرعان ما تلاشى التفاؤل كما ظهر في أداء الليرة. وأيضا مع انتظار انتخابات محلية في ربيع العام المقبل، فإن الشعبوية ستستمر على الأرجح، ولو على نطاق أقل لمدة 10 أشهر أخرى بعد الانتخابات.

علاوة على ذلك، ستحتاج الحكومة إلى اتخاذ خيارات صعبة بعد الانتخابات ومنها تعديل السياسات المالية والنقدية وفقا لواقع الاقتصاد.

والآن حيث تتسبب الإجراءات الشعبوية في المزيد في التدهور بتوازنات السوق الكلي، فإن الحكومة المقبلة ستواجه مهمة أصعب لإعادة الاقتصاد مجددا إلى مساره من خلال إجراءات أكثر صعوبة.

لكن الإجراءات الشعبوية الأخيرة، التي تشبه ما حدث في التسعينات من القرن الماضي، والتي قادت إلى الانهيار الاقتصادي في 2001، تضيف المزيد من الاختلالات إلى القصة الكلية التركية. ولتجنب تراجع حاد محتمل في الاقتصاد في العامين المقبلين فإنه ينبغي التحول عن سوء الإدارة الحالي.

ومن المتوقع أن يهدأ الاقتصاد التركي مقارنة بالعام الماضي مع تراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي بدرجة كبيرة. لكن يصعب دفع الحكومة إلى الاستفادة من الشكوك بشأن الفترة التالية للانتخابات كي تتخذ إجراءات ضرورية لاستعادة السيطرة على زمام الأمور.

10