محاولة أخيرة بلا مضامين للمصالحة الفلسطينية

لدى فتح وحماس بعض الوقت لعمل المقتضى التوحيدي الحقيقي، فقد اضطر المحتلون إلى استبطاء "قطار الضم" بفضل قوة القضية الفلسطينية في حيثياتها القانونية والتاريخية وبما استقرت عليه في السياسة الدولية.
الأربعاء 2020/07/08
مهمة إنهاء الانقسام أكبر من قدرات جبريل والعاروري

حظي المؤتمر الصحافي المشترك، لعضو مركزية فتح جبريل الرجوب ونائب رئيس حركة حماس الشيخ صالح العاروري، بتغطية إعلامية كبيرة، جعلت كثيراً من الفلسطينيين ينتظرونها على أحر من الجمر (الخميس 2 يوليو 2020). ولسان حال الفلسطينيين يقول: لعل هناك بُشرى حقيقة، تُزَفُ عن إنهاء الانقسام، وبدء التأسيس للمصالحة.

لكن ما سُمع على لسان الرجلين، وأفاضا فيه، لم يتعدّ الحديث عن الذي ينبغي أن يكون، وعن مشاعر يفترض أنها طبيعية، يتبادلها رجلان، كان كل منهما سجيناً في زنازين الاحتلال. فأقصى ما تحدثا عنه هو التوصل إلى اتفاق لتحقيق “وحدة ميدانية” وهذا عنوان لأمر فضفاض، لا هو خطة ولا هو تدبير ملزِم لحركتي فتح وحماس، وليست هناك سابقة في تاريخ نضالات الشعوب وحركات تحررها، أن تتحقق وحدة ميدانية دون أن يكون هناك وحدة قيادة سياسية، ووحدة رؤية، ووحدة مؤسسات.

يبدو أن قيادتيْ الحركتين قد تعرضتا للكثير من التقريع، على الاستمرار في التمسك بالخصومة، على الرغم من تفاقم الأخطار على القضية الفلسطينية وعلى جغرافيا الدولة المنشودة وعلى الشعب الفلسطيني نفسه.

وربما أدركت قيادتا الحركتين، أن الشعب الفلسطيني الذي يمر بأسوأ حالاته، قد سئم من الطيف الفصائلي كله، وبات يتطلع إلى امتلاك إرادته، وتحقيق وحدة في الرؤية الإستراتيجية الفلسطينية، التي تتأسس عليها وحدة نظام وطني، وتتفرع عن هذا الأخير مؤسساته الدستورية التي تضبط حركة البشر، بما يتلاءم مع ظروف الشعب الفلسطيني، وقواعد العمل الوطني العام، وعلى النحو الذي يردع ضلالات الضالين والواهمين، ويحاسب الفاسدين، ويضخ الدماء الجديدة في شرايين حركة وطنية فلسطينية فتيّة ومتجددة.

منذ اللحظة الأولى للمؤتمر الصحافي، بدا واضحاً أن مهمة إنهاء الانقسام، أكبر من قدرات رجلين سعى أحدهما (جبريل) لدى الثاني (العاروري) لكي يكون المؤتمر، فوافقت على المسعى، قيادتا الحركتين ـ حسب قول جبريل والعاروري ـ دون المجيء حتى على ذكر الاتفاقات الكثيرة التي وقعتها الحركتان والفصائل، وما هو مصيرها.

في الواقع لم يكن الفلسطينيون في حاجة إلى من يوحدهم ميدانياً، أو من يوحدهم على رفض الضم ورفض الصفقة من قبله. فهم بخبرتهم يعرفون أن أقصى المطروح في مؤتمر الرجوب ـ العاروري هو تنسيق فعاليات على الأرض. أما في واقع الحال، فإن حركتي فتح وحماس، لم تتقدما متراً واحداً على طريق بناء نظام وطني، أو في اتجاه التوافق على إستراتيجية عمل نضالي واحدة، بلا أوهام ولا أكاذيب ولا رقاعة أو خفة، في إظهار التشدد أو إظهار الجنوح إلى السلم.

سياق “الوحدة الميدانية” كما يُفهم، هو أن يتراضى طرفا الخصومة على شيء أقل من تكتيكي، وأن يتلطف كل طرف مع الآخر، بحكم التعادل في الخيبة. لكن هذا ـ على جمالياته ـ ليس المطلوب كما أسلفنا. فما يريده الفلسطينيون هو إعادة بناء النظام الوطني على أسس دستورية وقانونية.

الآن، لدى فتح وحماس بعض الوقت لعمل المقتضى التوحيدي الحقيقي. فقد اضطر المحتلون إلى استبطاء “قطار الضم” بفضل قوة القضية الفلسطينية في حيثياتها القانونية والتاريخية، وبما استقرت عليه في السياسة الدولية، وليس ـ بالطبع ـ بفضل شطارة فتح أو حماس.

وإن لم تذهب الحركتان فوراً إلى وحدة في إطار نظام وطني سياسي تعددي وديمقراطي، فإن خيارهما المؤكد والمتعمد، سيكون شق فلسطين وورقتها السياسية وقضيتها وجغرافيتها وشعبها، وسيكون كل ذلك من أجل الدراهم التي يوفرها التفرد في الحكم لكلا الحركتين في غزة والضفة.

فغياب المؤسسات، بالنسبة للمتنفذين من كل طرف هو الوضع الملائم لهم، لكي يظل الشعب الفلسطيني مسروقاً بتكتيكات حزبية وسياسية!

لقد أصبح للفلسطينيين تجربة طويلة ومريرة مع بشائر المصالحة ومؤتمراتها الصحافية، وهذا الذي جعل جبريل الرجوب يؤكد عدة مرات على أن الحركتين صادقتان هذه المرة ويطلب التشكيك وعدم التصديق. فإن ما قيل لا يبعث على التفاؤل، وإنما يستحق السخرية من اللحظة الأولى.

على الرغم من ذلك، كان لا بد من أداء واجب الثناء على ما جاء في هذا المؤتمر من جميل الكلام، باعتباره “خطوة” في الاتجاه الصحيح، لاسيما وأن الفلسطينيين تعودوا على امتداح كل تصريح إيجابي، واعتباره خطوة، دون أن يخطو أصحاب التصريح سنتيمترا إلى الأمام، تجعله يستحق صفته كخطوة.

بالتالي كان التركيز طبيعياً على النواقص، فما بالنا عندما لا تكون هناك حيثيات أو زوائد. فلم يسمع الفلسطينيون ما يشجعهم على الحديث عن نصف الكأس الملآن لكي يحتفوا بالرجوب والعاروري.

في الوقت نفسه، يتوجب التأكيد على أن لكل وُجهة سياسية، سوسيولوجيا تخدمها، سواء كانت توحيدية أو تفريقية، بمعنى أن الوجهة، أياً كانت، لا بد أن يكون لها نظامها السياسي الذي يلائمها، وأن تكون لها استحقاقاتها الاجتماعية، ورؤيتها الإستراتيجية، وهذا ما سيظل الفلسطينيون يطالبون به ويُصرون عليه، لكي لا يضيع زخم حراكهم الشعبي هباءً وينتهي الأمر إلى إحباط جديد.

لقد أكد صالح العاروري نفسه وبكل صراحة، على عدم ضرورة انتظار المنخرطين في “الوحدة الميدانية” تعليمات أو توجيهات، عندما أعطى الإشارة للناشطين لكي “يتصرفوا” دون الرجوع لقياداتهم، وهنا تأكدت النوايا في الاستمرار في تغييب المؤسسات.

لذا فإن العرض الجديد يخلو من أية بشرى لذهاب وشيك إلى جلسة مخصصة لضمان تنفيذ أيٍ من الاتفاقات الجاهزة، سواء “اتفاق الوفاق الوطني” الذي وقعت عليه الفصائل في العام 2011 في القاهرة، أو حتى اتفاق 2017 الذي تحدث عن آليات تنفيذ جزء من اتفاق 2011. لذا لم يأت الرجوب والعاروري على ذكر أي اتفاق، وهذه إشارة تدل على يأس ضمني من إمكانية تحقيق اتفاق شامل، مع الميل إلى الرهان على توافق الشارع أثناء الفعاليات.

وللأسف بدا واضحاً أن مؤسسة الخصومة والانقسام، تنطوي على منظومة معقدة، تحتاج إلى وقت لتفكيكها وتجريف ركامها. فقد بدأت بجريرة الاختلاف بين منهجيتين، ثم عندما وصلت المنهجيتان، كلٌ منهما إلى مأزقها (خيبة التسوية وانسداد أفق المقاومة العسكرية المفتوحة) فعلت المكابرة فعلها في إحباط إمكانية التوصل إلى صياغة توافقية لإستراتيجية العمل الوطني.

وأبقى الطرفان كل منهما على تنميط الآخر واليأس منه. وكان من بين جملة التعقيدات، مرجعيات الطرفين. فأحدهما مكبل بتدابير السلطة وشروط وجودها في الضفة، والثاني مكبل بجماعة الخارج وانخراطها في سجال المحاور في الإقليم. وبسبب هذه المرجعيات، جرت محاولات تأثيم التوافق بين حماس وفتح في غزة، على الرغم من التقدم فيه عملياً، على صعيد الملف الأصعب، وهو المصالحة المجتمعية وتسوية قضايا الدم.

9