محاولة إيران تفجير تجمع للمعارضة في باريس تتسبب في تصدع علاقتها بفرنسا

معادلة باريس المستحيلة: التحالف مع إيران في الاتفاق النووي ومعاقبتها على صواريخها وإرهابها.
الخميس 2018/10/04
إيران تعض اليد التي ساعدتها

باريس - وجهت باريس صفعة قوية لطهران من خلال الإجراءات العقابية التي اتخذتها ضدها على خلفية محاولة إيران تفجير تجمع للمعارضة في مدينة فيلبانت، بالقرب من باريس. وفي نفس الوقت يأتي الكشف عن تورط المخابرات الإيرانية في هذه العملية التي تعد اختراقا للدولة الفرنسية، ليضع الرئيس إيمانويل ماكرون أمام حقيقة استحالة تحقيق معادلته: التحالف مع إيران في الاتفاق النووي، ومعاقبتها على سياستها وصواريخها الباليستية وإرهابها في نفس الوقت.

ويجمع المراقبون لشؤون العلاقات الفرنسية الإيرانية في العاصمة الفرنسية على أن تحولا قد حدث في موقف باريس من طهران سيجعل من الموقف الفرنسي أكثر تشددا، وبالتالي قربا من الموقف الأميركي.

ويرى هؤلاء أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية ردا على مخطط لتفجير تجمع للمعارضة الإيرانية، تقول السلطات الفرنسية إنها أحبطته في يونيو الماضي، في مدينة فيلبانت، كما قيام الشرطة الفرنسية بمداهمة أحد المراكز الشيعية المدعومة من طهران، تمثل الأعراض الأولى لهذا التحول الذي قد يطال دولا أوروبية أخرى.

وأعلنت باريس، الثلاثاء، تجميد أصول الدبلوماسي الذي اعتقل في ألمانيا، أسد الله أسدي، وسعيد هاشمي مقدم، والذي عرفه مصدر دبلوماسي فرنسي بأنّه نائب وزير مكلّف العمليات داخل وزارة الاستخبارات، بالإضافة إلى تجميد أصول إدارة تابعة لوزارة الاستخبارات الإيرانية، بعدما اتهمتهم بالوقوف وراء محاولة اعتداء على تجمع المعارضة في فيلبانت.

بالتزامن مع إعلان باريس عن تورط إيران في محاولة الهجوم على تجمع للمعارضة الإيرانية، داهمت الشرطة الفرنسية، في شمال فرنسا، مقر “مركز الزهراء”، الذي يعد أبرز جمعية شيعية في أوروبا، ومنازل مسؤولين عنه في غراند سانت.

فرنسا تتهم وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتخطيط لاعتداء قرب باريس تمّ إحباطه وقرّرت فرض عقوبات على مصالح إيرانية في فرنسا، في اتهام سارعت طهران لنفيه

وسعت السلطات الفرنسية إلى تجنب الربط بين هذه العملية والاعتداء الذي أحبط قرب باريس. وبررت سلطات المنطقة العملية بـ”التأييد الواضح” الذي يعبر عنه قادة من المركز لـ”منظمات إرهابية”. لكن، من الصعب فصل هذه العملية عن المزاج الجديد لباريس حيال طهران وأذرعها.

وشعرت طهران بجدية التحول الفرنسي، وهي تخشى اليوم أن يتصدع الموقف الفرنسي والأوروبي الذي سعى إلى التموضع بعيدا عن موقف واشنطن في الدفاع عن الاتفاق النووي.

ودعت إيران إلى إجراء محادثات مع باريس لإزالة ما اعتبرته “سوء تفاهم” و”خطأ” في ما يتعلق بعملية فيلبانت. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي إنه “إذا كان هناك سوء تفاهم  حول أمر غير موجود، سواء كان ذلك مؤامرة مدبرة من قبل آخرين أو خطأ، يمكننا التحدث عن ذلك”.

على الرغم من أن إيران نفت منذ بداية هذه القضية أي مسؤولية لها واعتبرتها “مؤامرة ضد الجمهورية الإسلامية لا تستند إلى أي دليل”، إلا أن كلام قاسمي عن “خطأ” في هذه القضية يعد أول اعتراف بإمكانية تورط طهران فيها.

وفيما بدا أن موقف ترامب من الاتفاق جاء معزولا عن موقف الشركاء في مجموعة 1+5 فقد تبدل هذه القضية من موقف فرنسا وألمانيا بعد التحقيقات في محاولة الاعتداء على تجمع المعارضة الإيرانية.

وأشادت الولايات المتّحدة الثلاثاء بردّ الفعل “القوي” الذي أقدمت عليه باريس بفرضها عقوبات على مصالح إيرانية في فرنسا واتّهامها علانية وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتخطيط لشنّ اعتداء ضد تجمّع لمعارضين إيرانيين.

وقال مجلس الأمن القومي الأميركي في تغريدة إنّ “فرنسا تتّخذ قرارات قوية ردّا على الهجوم الإرهابي الإيراني الفاشل في باريس”. وأضاف “يجب على طهران أن تعرف أنّ هذا السلوك الفاضح لن يتم التساهل معه”.

ورصد المراقبون سجالا فرنسيا إيرانيا مستجدا حول قضايا النزاع الدولي مع إيران يؤشر على انتقال باريس إلى موقع متقدم للضغط على طهران.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن “الاعتداء الذي تم كشفه في فيلبانت يؤكد ضرورة التعاطي بشكل متشدد في علاقاتنا مع إيران”، لكنه استطرد قائلا إن فرنسا ترغب في مواصلة حوار مع طهران “يستند إلى الضغوط والتفاوض” في الوقت نفسه، لاستكمال الاتفاق النووي الإيراني باتفاقات حول النشاط الصاروخي الباليستي لطهران وسياستها الإقليمية.

ولا يستبعد المراقبون أن يتطور الموقف الغربي للتضامن مع الموقف الفرنسي. ويقارن هؤلاء بين الموقف الجماعي الغربي المتشدد تضامنا مع بريطانيا في إدانة روسيا في مسألة محاولتها اغتيال العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال، وبين موقف قد يتطور ليأخذ شكلا جماعيا لإدانة تورط إيران في عملية كانت تستهدف تجمع المعارضة الإيرانية في فرنسا. غير أن محللين فرنسيين استبعدوا ذلك واعتبروا أن التوتر الراهن بين واشنطن وعدد من العواصم الغربية، لا سيما الأوروبية منها، قد يضعف أي موقف جماعي قد يفهم منه التحاقا بمواقف ترامب وإدارته.

6