محاولة تمرير "ولاية الفقيه" كنظرية حداثة وعبقرية سياسة

يسعى الباحث الإيراني كونتسانس أرمينجون هاشم إلى التسويق لنظرية ولاية الفقيه والمذهب الشيعي العابر للحدود، وفق التصور الخميني للدين والدولة، فيحاول في كتابه الصادر عن المركز الوطني للبحوث العلمية بباريس إقناع الجميع بأنّ التجربة الإيرانية هي ضرب من الحداثة من خلال الاعتماد على العديد من التبريرات، فيما الكتاب يسلّط الضوء على العلاقات المعقدة بين السلطتين الدينية والسياسية في إيران.
الاثنين 2016/10/24
الخميني لا يزال يحكم من تحت قبره في طهران

في كتابه المعنون “المذهب الشيعي والدولة.. رجال الدين واختبار الحداثة” والصادر عن المركز الوطني للبحوث العلمية في باريس، يؤكد الباحث كونتسانس أرمينجون هاشم، أن آية الله الخميني استحوذ، باسم الوفاء للإسلام، على كل السلطة التي مارسها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وإمام الشيعة الأول، وطرح “ولاية الفقيه” كعلاج ضروري لعلمنة المجتمع، وأنه بهذه العملية كرّس انتقال السلطة السياسية إلى المرشد الديني، مشددا على أن قيادة الحكومة من رجل دين لا تخالف المذهب الشيعي فحسب، وإنما أيضا تساهم في شلّ عمل مؤسسة السلطة الدينية، وينبّه الكاتب في هذا الصدد إلى أنه من الخطأ تصنيف مؤسسة الجمهورية الإسلامية على أنها سياسية والمؤسسة الدينية على أنها دينية.

وهذه الازدواجية هي ما سعى الكاتب، بطريقته، إلى توضيحها من منظور تاريخ المذهب الشيعي ومنظور الحداثة الدينية والسياسية، حيث أنه يحاول فرض توجهاته وأيديولوجيته بنعومة، مؤكدا أنه لم يتم الالتفات إلى دراسة المبادئ الشرعية لنظرية السلطة ولا إلى مغزى إقامة حكومة رجال دين شيعة في هذا العصر، وأن ازدواجية مؤسسة السلطة الدينية لم تؤخذ في الحسبان بصورة كافية، فالسلطات الدينية ذاتها في هذا الشأن تسهم في تقسيم الرؤية.

ويذكر أن كتاب الباحث الإيراني كونتسانس أرمينجون هاشم، كان محمد أحمد صبح قد تولى ترجمته إلى العربية وصدر عن دار نينوى في دمشق ويضم سبعة فصول أساسية هي “تأكيد دور العلماء عملية قديمة العهد”، “السلطات الدينية واختبار العلمنة”، “إقامة نظام حكم ديني في إيران ونتائجه المؤسساتية”، “ازدهار نظريات الدولة – تعددية أشكال الحداثة السياسية الشيعية”، “الازدواجية المستمرة لمؤسستي السلطة الدينية”، “نظاما السلطة الدينية” و“الحداثة وتوسيع مجال السلطة”.

ويتناول الكتاب في مجمله طيفا واسعا من القضايا الدينية والسياسية المتعلقة بإيران والتي أصبحت شيعية بعد ثورة الخميني عام 1979، وانتقلت بشكل كامل إلى دولة أيديولوجية تعتمد المذهب منهجا ودليلا في عملها السياسي والإداري والجماهيري.

ومن القضايا والملفات التي يثيرها المؤلف في هذا الكتاب، الغيبة وضرورة قيادة الطائفة، وتبني المذهب الشيعي كدين رسمي ثم الفترة القاجارية التي تم فيها توسيع المجال للسلطة الدينية وبروز المرجعية، انتقالا إلى الثورة الدستورية واكتشاف نموذج جديد للسلطة، ثم إيران كدولة مركزية ومُعَلْمنة، ثم أدلجة الإسلام وتسييس رجال الدين.

كما يسعى الكاتب إلى الإجابة عن سؤال عما إذا كان تحديث المؤسسات الدينية إصلاحا أم ثورة؟ ويتطرق بعد ذلك إلى كيفية إعداد دستور الجمهورية الإسلامية وازدواجية مؤسسة السلطة الدينية، ثم الثورة في الشريعة الشيعية، فالثورة في مذهب السلطة، والمرشد الكاريزمي وارتداد المرجعية، وأزمة الشرعية الدينية لنظام الحكم الإيراني، وبين ولاية الدولة والمرجعية ازدواجية السلطة الدينية وغيرها من المواضيع والقضايا.

ويحاول المؤلف أن يُقنع القارئ بأن الدولة هي التي هيمنت على الحقل الديني وليست مؤسسة الولي الفقيه من ابتلعت الدولة ومؤسساتها، ويورد لتبرير فكرته أيديولوجيات وشروحا لا يمكن أن يبنى عليها بشكل واضح ومستقر بما يشبه قلب الحقائق على رؤوس الأشهاد، كقوله إنّ “إعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية هي مختبر جديد للحداثة السياسية في المذهب الشيعي”.

ويدرس الباحث وظائف السلطة في المذهب الشيعي المعاصر وينظر في قطبي السلطة معا في إيران والسلطة الشيعية ضمن الإطار العابر للحدود في العراق ولبنان بصورة أقل، ويحاول بالاعتماد على النظرية الشيعية صياغة مذهب الخميني ووضعه موضع تطبيق.

ولمقاربة تعدد تصورات رجال الدين الشيعة للسلطة وتوضيح دور آية الله الخميني في تحويل المؤسستين السياسية والدينية، يعتمد الكاتب على دراسة تحليلات البعض من علماء اجتماع الحداثة والحداثة الدينية خاصة، وحول إعادة صياغة التراث المتواصلة و“الطوباويات” التي قد تنجم عن إعادة الصياغة هذه.

ويقول المؤلف إن مؤسسة السلطة الدينية قد هددتها السياسات التحديثية للدولتين الإيرانية والعراقية كما هددها النفوذ الشمولي وخاصة النزعتين القومية والشيوعية اللتين اعتراهما الضعف عقب وفاة المرجع الأعلى آية الله بوروجردي عام 1961، وأفضى هذا إلى التساؤل عن دور المرجعية ونظامها الذي شكل استهلالا للعمل على التحديث الديني والسياسي الشيعي، وهو ما شكل نقطة الانطلاق لبحثه الذي يستمر حتى أيامنا هذه.

ويرى أنه انطلاقا من ولاية الأئمة ووصولا إلى ولاية الفقيه، فإن تصور السلطة وطرق ممارستها يؤديان إلى ترسيخ دور العلماء الذين لم يبادروا إلى ذلك منذ القرن العاشر الميلادي بسبب عدم تمكنهم من ترسيخ سلطتهم في المجتمع دون دعم من الدولة.

وحرص المؤلف على دراسة النصوص والشخصيات التي تبدو أكثر تمثيلا، كآيات الله السيستاني، ومحمد سعيد الطبطبائي الحكيم، وبشير النجفي، وحسين وحيد خرساني، وحسين نوري همداني، وناصر مكرم شيرازي، ولطف الله صافي غولبايغاني، ومحمد حسين فضل الله وأخيرا علي خامنئي.

الازدواجية هي ما سعى الكاتب، بطريقته، إلى توضيحها من منظور تاريخ المذهب الشيعي ومنظور الحداثة الدينية والسياسية

وعن أزمة الشرعية الدينية لنظام الحكم الإيراني بعد وفاة الخميني، يقول إنه تأكد الانفصال بين السلطات وخاصة مع تطلّع علي خامنئي لأن يصير مرجعا، إلا أن ولاية فقيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية الجديد لم يتوصّل حقا إلى توطيد سلطته الدينية، فضلا عن أنه لم يستطع تجاوز مقاومة رجال الدين لولاية الفقيه، واستمرت المؤسسة الثانية في عملها بالتوازي مع الدولة، وظلّ الميدان الديني الإيراني شديد الانقسام.

ويؤكد المؤلف على أنه عندما ماثل آية الله الخميني وظيفة الفقيه بسلطة النبي، فإنه أراد سد الفجوة التي حدثت في انتقال نموذج سلطة الإسلام المثالية، وبارتقائه إلى مرتبة ممثل الإمام الأخير، اتجهت ولاية الفقيه إلى إلغاء الزمن والعقبات التاريخية والدينية المتعلقة بتراث الأئمة.

ويرى أن الخميني قد أسهم في إرساء المذهب الشيعي في الحداثة السياسية، ومع أنه حدد سلطة الحكم بمصطلحات دينية، إلا أنه عمل على استقلال الفقيه إزاء الشريعة الإسلامية نفسها بإعلانه عن أسبقية الشأن السياسي في الإسلام، وتجاوزه للتمايز الديني بين النبي والأئمة من جهة والفقيه غير المعصوم من جهة أخرى.

كما يقول إن دوام الدولة الإسلامية الإيرانية واستمرار المرجعية كرّسا في النهاية إعادة تشكيل العلاقات بين نظامين وطيدين للسلطة، فعقب المراجعة الدستورية عام 1989 مارس الولي الفقيه الإيراني حكما بغاية دينية بينما واصلت المراجع وظيفة الإرشاد للأفراد والطائفة والمؤسستان تجسدان من حيث الفعل القطبية الثنائية ضمن حقل رجال الدين الشيعة للسلطة الدينية، ويمارس المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي وظيفة مزدوجة.

13