محاولة لامتصاص غضب المصريين عقب براءة مبارك

الأحد 2014/12/07
جانب من المظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت عقب تبرئة مبارك بجامعات القاهرة

القاهرة - بدأ الجدل الذي حفلت به الساحة المصرية خلال الأيام الماضية، حول الموقف من 25 يناير، وهل هي ثورة أم مؤامرة، يأخذ أبعاد استقطاب حاد بين قوى سياسية مختلفة، وسط صمت لافت من الحكومة، أوحى لكثيرين أنها راضية عن الصخب حول هذه المسألة.

براءة الرئيس المصري الأسبق حسنى مبارك وما تلاها من تداعيات سياسية جعلت قضية تحديد ماهية أحداث 25 يناير، هل هي ثورة أم مؤامرة، تتسع، وقد حاولت بعض القوى الحزبية، توظيفها لأسباب سياسية، واستخدامها في معركة كسر العظم الدائرة بين جهات مختلفة في مصر، لحجز مكان مستقر في المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، حيث تحاول جماعة الإخوان المسلمين استعادة زخمها، عن طريق التقارب مع قوى شباب الثورة، الذين بدأ نفر منهم يشعر بعدم الرضا عن أداء النظام الحالي، وهو ما تسعى الجماعة إلى استثماره.

وقبل أن تنضج هذه المحاولات، ويصبح النظام الحاكم أمام أزمة جديدة، لا لزوم لها، أنهى الرئيس عبدالفتاح السيسي الجدل الذي شهده الشارع المصري، وأعلن خلال لقائه بمجموعة من شباب الإعلاميين والمبدعين مساء الثلاثاء الماضي، عن التجهيز لإصدار قرارين جمهوريين، أحدهما لتجريم الإساءة لثورتي 25 يناير و30 يونيو، والآخر لتعديل قانون الإجراءات الجنائية، في إطار مكافحة الفساد والحفاظ على المال العام.

متابعون كثيرون أشادوا بخطوة السيسي، لأنها تنصف شباب الثورة الأولى، وتؤكد انحيازه لها، عكس ما يروّج له بعض الإعلاميين في منابرهم الخاصة، واعتبر مراقبون قانون حماية الثورة المنتظر صدوره خطوة جيدة، لفرملة الجهود الحثيثة التي يقوم بها بعض المحسوبين على نظام مبارك لتصدر المشهد العام، ومحاولاتهم المستمرة تشويه شباب ثورة يناير.

قانون حماية الثورة ترسيخ لما ورد في ديباجة الدستور الجديد الذي شدد على أن 25 يناير ثورة شعبية كما هو الحال بالنسبة إلى ثورة 30 يونيو

في هذا السياق، أكّد خبراء لـ”العرب” أن قانون حماية الثورة، ترسيخ لما ورد في ديباجة الدستور الجديد الذي استفتي عليه المصريون، بداية العام الجاري، والذي شدد على أن 25 يناير ثورة شعبية، كما هو الحال بالنسبة إلى ثورة 30 يونيو.
كانت مصر قد شهدت بعد سقوط حكم الإخوان، حالة من العراك السياسي حول توصيف ما حدث في 25 يناير، وشنّ سياسيون وكتاب وصحفيون، من أنصار مبارك، هجوما شديدا على الثورة، متمسّكين بأنها مؤامرة دولية نفّذتها دول أجنبية، وهو الوصف الذي استخدمه أمام المحكمة فريد الديب محامي الرئيس الأسبق حسني مبارك، لمساعدته في الحصول على البراءة.

وجرى بث تسجيلات خاصة ومكالمات هاتفية ومحادثات إلكترونية لبعض المشاركين في ثورة يناير تشي بعمالة هؤلاء وخيانتهم للوطن، لتفريغ هذه الثورة من أحد أهم مضامينها المحلية.


التشكيك في ثورة يناير


في تعليقه على القرار، أكّد وحيد عبدالمجيد، رئيس تحرير دورية مجلة السياسة الدولية، أن قانون حماية الثورة المرتقب صدوره “موقف طيب من جانب الرئيس السيسي”، أراد به وقف حملات التشويه التي تتعرض لها ثورة 25 يناير، واصفا إياها بأحد أعظم ثورات العصر الحديث.

وأشار عبدالمجيد إلى أن براءة مبارك لا علاقة لها بالثورة، ولو حصل الرئيس الأسبق على مليون حكم قضائي بالبراءة، سوف تظل الحقيقة المؤكدة أن ثورة يناير أسقطت حكمه الفاسد.

ذات الرأي صرّح به بهاء أبوشقة الفقيه القانوني والقيادي بحزب الوفد، الذي أكّد لـ”العرب” أن قانون حماية الثورة ترسيخ لما ورد في ديباجة الدستور.

ولفت إلى أن من واجب رئيس الجمهورية، في ظل غياب البرلمان، إصدار قرارات بقوانين عندما يرى أن هناك قصورا تشريعيا، أو خطرا يهدد الوطن، وعليه أن يتدخل ويجرّم الأفعال التي تؤدي إلى ضرر يمسّ الصالح العام.

وأوضح الفقيه القانوني أن وقف الهجوم والتشكيك على ثورة يناير الذي يشنه بعض الإعلاميين المحسوبين على نظام مبارك كان يحتاج إلى نصوص قانونية لمنع حدوث بلبلة أو خلاف داخل الشارع المصري، متوقعا أن تصل عقوبة التطاول على الثورة إلي الحبس والغرامة، وقد تتدرج إلى ما هو أكبر حسب الخطر الذي يمثله المتطاول وأسلوب تطاوله.

من جانبه، تحفظ حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، على درجة التفاؤل التي سادت بعد إعلان السيسي تجريم الإساءة لثورتي يناير ويونيو، وقال لـ”العرب” إنه من الصعب الحكم على القانون قبل صدوره ومعرفة بنوده والعقوبات التي يفرضها، مؤكدا أن القانون ربما يكون محاولة من الرئيس لامتصاص غضب المصريين عقب براءة مبارك.

السيسي أراد الفصل بينه وبين مبارك، كما سبق وفعل مبارك مع السادات وهو ما فعله الأخير مع الرئيس عبدالناصر


ثورة أم مؤامرة


يسري العزباوي الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية، أوضح لـ”العرب” أن الهدف من هذا القانون إنهاء الجدل والتراشق بين الإعلاميين والساسة، حول توصيف الثورتين، وأيهما ثورة، وأيهما مؤامرة أو انقلاب.

وأكد أن الرئيس السيسي أراد بالقانون المنتظر وقف المهاترات والأحاديث التي ينسبها البعض إليه، حول تبنيه مواقف معينة من ثورة 25 يناير، موضحا أن الأهمّ من القانون وجود إنجازات حقيقة يشعر بها المواطن، بعيدا عن صخب الإعلام.

لكن هناك من يعتبر قانون حماية الثورة، إجراء طبيعيا ضمن التقاليد الرئاسية المصرية، حتى يتمّ وقف المهاترات والمزايدات، وأن الظروف السياسية الساخنة، قد تكون دفعت إلى عدم التأخير بفرض هذه الحماية بالقانون. في ظلّ هذا الوضع أراد الرئيس السيسي، عن طريق إعلان هذا القانون حماية الشرعية التي يقوم عليها حكمه وتم انتخابه على أساسها، وفق ما صرّح به جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، وأحد قيادات الحزب الوطني المنحل لـ”العرب”.

وأضاف عودة أن السيسي أراد الفصل بينه وبين حسني مبارك، كما سبق وفعل مبارك مع السادات، وهو ما فعله الأخير مع الرئيس عبد الناصر.

بدروه، قال أحمد دراج الأكاديمي، والقيادي السابق بحزب الدستور، لـ”العرب” إن الرئيس المصري أراد بهذا القانون أن يوقف محاولة الفتنة وبث الخلاف بين المصريين التي تسبب فيها بعض الإعلاميين، جراء هجومهم على مؤيدي ثورة 25 يناير.

وأوضح أن السيسي أعلن بهذا القرار تخلّيه عن المنطقة الرمادية التي وقف فيها طويلا أمام الصراع بين أنصار الثورتين، وأعلن انحيازه للثورتين، خاصة أنه وصل إلى السلطة نتيجة لهما وليس نتيجة لثورة 30 يونيو فقط، مؤكدا أن القرار يتماشي مع أهداف الثورة، ويتطابق مع الدستور.

5