محب جميل.. بحث عن فارس الطرب الذي نجا من النسيان

الباحث والكاتب المصري محب جميل يأخذ قراؤه إلى رحلة تاريخية وموسيقية على خطى صالح عبدالحي.
الخميس 2019/10/17
فنان تمسك ببصمته الخاصة

صدر عام 2017 للباحث والكاتب المصري محب جميل كتاب يتتبع فيه سيرة المطربة المصرية فتحية أحمد أو مطربة القطرين كما كانت تُلقب، وهذا العام صدر له عن جمعية عِرَبْ للموسيقى كتاب آخر في السيرة بعنوان “صالح عبدالحي–فارس الطرب” الذي يتتبع فيه تاريخ عبدالحي (1896-1962) الشخصي والغنائي. “العرب” التقت الباحث محب جميل حول كتابه الأخير ونظرته إلى سيرة الفن المصري من خلال سيرة الفنان عبدالحي.

في كتابه “صالح عبدالحي-فارس الطرب” الذي يتتبع فيه تاريخ عبدالحي الشخصي والغنائي عبر اللقاءات التي أجراها أو ما كتب عنه والأهم البحث عن تسجيلاته الغنائية النادرة، لنرى أنفسنا أمام صورة حية لواحد ممن تركو أثرا على الأغنية العربية وتمسكوا بتقاليدها حتى النهاية، “العرب” اللندنية التقت جميل، في حديث عن تجربة كتابة السيرة وعلاقته مع الموسيقى العربية الكلاسيكية.

يبدأ الكتاب في نهاية القرن التاسع عشر حين ازدهرت الموسيقى في عهد الخديوي إسماعيل، خصوصا مع إقبال الناس على المسرح والانفتاح الذي شهدته مصر، ما دفع العديد من الفنانين في المنطقة العربية لزيارتها والعمل في مناخ يشجع على الإنتاج الفني.

صورة حية للتاريخ

محب جميل يحاول كتابة نص متماسك، أشبه بالصورة السينمائية، معتمدا على مذكرات عبدالحي
محب جميل يحاول كتابة نص متماسك، أشبه بالصورة السينمائية، معتمدا على مذكرات عبدالحي

يقول محب جميل إنه يحاول بقدر الإمكان كتابة نص متماسك، أشبه بالصورة السينمائية، معتمدا على مذكرات عبدالحي، بوصفها العمود الفقري للنص، غازلا حوله فقرات أخرى من مراجع عديدة ومتنوعة كي تصبح صورته مكتملة، ليصبح القارئ جزءا من الأحداث التي يقرأ عنها، جاعلا الشخصية التي يكتب عنها من لحم ودم، لا مجرد سرد أحداث أو وقائع تتعلق بهذا الشخص أو ذاك، فهو، حسب تعبيره، ليس مؤرخا،
إنما يحاول بقدر الإمكان الإحاطة بتفاصيل الشخصية، واضعا إياها في السياقين التاريخي والجغرافي الخاصين بها.

ويضيف جميل “أعتمد بشكل أساسي على الصحافة المعاصرة للحدث بشكل يومي إلى جانب الوثائق الشخصية التي تجيب بشكل قاطع على أغلب الأسئلة التي تدور في ذهن القارئ، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك المصادر يجب التعامل معها بكل حرص وإخضاعها لمعايير المنطق والتوافق التاريخي للأحداث وإلا سيجد المرء نفسه في دوامة من التناقضات”.  ويتابع “قد يجد المرء معلومة حول واقعة ما تنفيها أو تبالغ فيها معلومة أخرى حول نفس الواقعة، فيصبح هو كباحث المعيار والمصفاة لتلك الشوائب التي تحجب الرؤية أحيانا بل وتشوشها. وعلينا ألا ننسى أن الاستماع إلى أكبر قدر ممكن من تسجيلات الشخصية التي يكتب عنها، يرسم منحى جليا حول طبيعة الإمكانيات الصوتية والتطور والتدهور اللذين مرت بهما خلال مسيرتها الفنية. كما أن العودة إلى المراجع الأساسية التي تحيط بتلك الفترات والحوارات التي أُجريت مع الشخصية المحورية للعمل، تضيء مساحات واسعة أثناء البحث لمحاولة فك خيوطها”.

نسأل جميل عن البحث التاريخي بين الوثائق والتسجيلات والصعوبات التي واجهها، ليقول إنه “في ما يتعلق بالمقالات كان يبذل مجهودا مضنيا للوصول إلى كل مقال أو حوار له علاقة بصالح عبدالحي، فالأمر لم يكن يسيرا ويشير إلى ذلك بقوله ‘السبب هو ندرة المواد، فصالح ليس نجما جماهيرا وظهوره الصحافي ليس غزيرا، وأغلب الملفات الأرشيفية التي تحتفظ بها المؤسسات الصحافية لم تهتم به مثلما اهتمت بآخرين. فكنت أزور دار الكتب بانتظام كي أفتش داخل صحافة تلك الفترة عن كل معلومة تخصه، لكن يبدو لي مؤخرا أن التسجيلات كانت أقل الصعوبات، فوجود العديد من الهواة والعاشقين للتراث الشرقي جعلهم بمثابة الخزان لتلك القطع الموسيقية النادرة. ويمكن أن نجد على قنواتهم على شبكات التواصل الاجتماعي طيفا واسعا من تسجيلات صالح عبدالحي النقية والتي تنتمي إلى فترات زمنية مختلفة”.

بين الإشاعات والتأريخ

تخليد مسيرة فنان
تخليد مسيرة فنان

هناك العديد من الأقاويل حول الصراعات في الوسط الفني لم يتطرق لها جميل في كتابه، فهل هذا يعني أن عبدالحي كان خارجها، ومثلا هل حرمانه من الغناء بالإذاعة المصرية هو فقط نتيجة موقفه من الموسيقى “الجديدة”؟ يجيب جميل عن هذه التساؤلات بأنه حاول قدر الإمكان تجنب ما يمكن تسميته بـ”النميمة” الفنية، علما أن بعض دور النشر الكبرى تحب تلك النوعية من الكتب.

 ويقول إن “الأمر حدث معه بشكل شخصي، إذ طلبت مسؤولة عن النشر في إحدى الدور الكبرى أن يحول أحد كتبه عن مجموعة من الفنانات إلى سلسلة من النميمة والمواقف الشخصية الخاصة بهن، فرفض بشكل قاطع”.

 ويضيف “قد تأتي الصراعات الفنية على هامش الموضوع الأساسي لكن لا أكرس لها أغلبية المادة المكتوبة. فمثلا موقف محمد حسن الشجاعي من عبدالحي مركب، إذ تغير الذوق العام في الحياة المصرية ككل في حقبة الخمسينات، وهناك أصوات جديدة حضرت بقوة على الخارطة الإذاعية. فكان صالح يرفض طول الوقت تغيير الطريقة التي يغني بها أو محاولة إضافة رصيد جديد إلى ما سجله سابقا. فلم يكن مرنا في التعامل مع المسؤولين حينها، كما أنه لم يكن يسمح لأحد بأن يتفاوض معه في طبيعة ما يقدمه من أعمال غنائية”.

ويتابع محب جميل “هذا الموقف تكرر مع أسماء كبرى أخرى تم الاستغناء عنها في مرحلة زمنية متقاربة لعل أشهرها فتحية أحمد ونادرة أمين… إلخ. ما أقصده هنا أن هذه الأصوات الكبرى كان ينبغي التعامل معها بحرص وتكريمها بشكل لائق وليس الاستغناء عنها بهذا الشكل القاسي. على أي حال، صالح كان يرى أنه لا ضرر في تجديد الموسيقى بشرط أن يكون خاضعا للجماليات والسمات التي ترتبط بموسيقانا الشرقية الأصيلة وليس فقط استيراد قوالب وأنماط جاهزة من الخارج وإلا فستفقد في النهاية خصائصها وروحها”.

15