محجوب بن بلة تشكيلي جزائري هارب من سلطة الكلمات

الأربعاء 2014/06/04
حروفه المرصوفة قادرة على الشغب وإبراز جماليات متن اللوحة

باريس – بالقرب من الحدود الجزائرية المغربية، ولد الفنان الجزائري محـجوب بن بلة عام 1946 بمدينة مغنية. ساهمت المدينة الجزائرية المتميزة بطبيعتها الساحرة، وبجذورها الضاربة في التاريخ، في ترك بصمة وثراء لوني ساهم في تشكيل الهوية الفنية الصرفة لبن بلة.

بعد دراسته بمعهد الفنون الجميلة بوهران، التحق ابن مدينة الشمال الغربي للجزائر بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة في باريس. بأسلوب فني خاص، استطاع أن يمضي محجوب باسمه نحو العالمية، عقب العديد من المعارض الفردية والجماعية التي أقامها حول العالم.


الحاضر الغائب


لم يتسن للجزائريين أن يشاهدوا أول معرض فردي لابن وطنهم الجزائري- العالمي في بلادهم، حتى عام 2012، وذلك في متحف الفن الحديث والمعاصر بالجزائر، حيث أقيم أول معرض لبن بلة في بلده الأم، و احتُـفي بمحجوب في هذه المناسبة، ذكرى مرور خمسين عاما على استقلال الجزائر.

في المدن الفرنسية، وفي الأماكن العامة كانت أعمال بن بلة، تدل على قامة فنية استثنائية، وضعت أعماله في الأماكن العامة كما لو أنها متحف في الهواء الطلق.

جدارايات ولوحات تذهل الرائي كان قد خطها بن بلة. فمن ديكور إحدى محطات الميترو في مدينة غرونوبل الفرنسية، مرورا بجدارية “عكس الشمال” (1986) التي قارب حجمها 35000 متر مربع، والتي غطت 12 كم من طريق باريس- روباي، وصولا إلى فرش لوحة ضخمة له في ملعب باسيمبو لكرة القدم في البرازيل (4000 متر مربع).

فضلا عن اقتناء كبرى المتاحف العالمية أعمالا لابن الشمال الجزائري، لعل أشهر هذه المتاحف على الإطلاق هو متحف “الميتروبوليتان” الأميركي.


انحياز للتاريخ


ضمن اشتغالاته على علاقة الكلمات بالصور، لا يتوانى الفنان التشكيلي الجزائري محجوب بن بلة، على الانحياز لسلطة الكلمات وأثرها داخل لوحاته.

هو انحياز للتاريخ، ينبع في المقام الأول من خضوع الإنسان تدريجيا لمنظومة الكلام، ومن ثم مراوحته جيئة وذهابا بينها وبين مدلولاتها. هذا الطريق القسري بين الكلمات وما تجرّنا إليه، يصبح أكثر صلابة يوما بعد الآخر.

احتفى به العالم والجزائر لم تنصفه إلا في الذكرى الخمسين لاستقلالها

وكأن الفن التشكيلي في العموم محاولات دونكيخوتية، لونية، ضمن هذه المساحة الملتبسة، للتأمل في سيرة لا تنتهي؛ من صراعات الحروف والكلمات، الهدف من تصويرها هو إبراز كثافة التعقيد في تجارب البشري لفهم رغباته وأساليب التعبير عنها.

يتعمد محجوب على أن يكون الخط العربي هو المكون الأساسي في لوحته، فالحروف المرصوفة بجانب بعضها البعض في متن اللوحة، لا معنى ترسله، سوى قدرتها على الشغب، وعلى إبراز جماليات الحرف.

يبدو الفنان الجزائري في عمله السابق كما لو أنه يسعى إلى كسر قداسة الكلمة، محاولا العودة بالكلمة وبقارئها إلى الفطرية الصرفة، إلى زمن التكوين الأول.

هكذا يذهب بن بلة بتحرره من سطوة اللغة بعيدا، ليمسّ المقدس، صارخا: إن الإنسان هو من أنتج هذه المنظومات، وهو من نصب نفسه عبدا لها، كما أنه في طرق تعبيره عن نفسه وعن عالمه أوجد اللغة، وهو قادر على التحرر منها، والخلاص من معانيها. قداسة أخرى يبحث عنها في أعماله ألا وهي قداسة الضوء التي تذهل الرائي، فالضوء الذي يخلقه بن بلة قادم من طفولته التي قضاها في مدينته الساحرة، ومن عوالم، ينتصر فيها الروحي على المادي المجرّد.

الضوء ليس تكنيكا أو صنعة لديه بقدر ما يكون أشبه بضوء صادم، صارخ، قادم من معبد وثني، أو مشهد تصوير لحظة مرور ملاك أو قديس.

هالات ضوئية ميتافيزيقية تحيط بالحرف العربي المصوّر الذي جعله بن بلة الوحدة الأساسية ضمن لوحته، لوحاته التي استطاعت أن تخترق متاحف عالمية وفضاءات عامة في العالم، حيث أصدرت جماليات الخط العربي، وروت سيرة من هذا الحرف الضارب في التاريخ، وفي مخيال أبنائه أيضا.

16